الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

عبارات فلسفية رائجة 1: “العلم لا يفكر”.. مارتن هايدجر

شايع الوقيان♦

وردت عبارة “العلم لا يفكر” في محاضراتٍ جُمعت في كتاب بعنوان (ما التفكير؟). هذه العبارة صادمة ومستفزة كما يصفها هايدجر نفسه؛ فكيف للعلم الذي انتشل البشرية من ظلام القرون الوسطى إلى نور الحداثة أن يعجز عن التفكير؟

عندما مرت عليَّ هذه العبارة لأول مرة ظننتُ أنها تنطوي على نوع من غيرة الفلاسفة من العلماء، وإلا كيف نقول كلاماً كهذا؟ هل العلم لا يفكر؟ وبالتالي: هل غاليليو أو نيوتن أو ماكس بلانك لا يفكرون؟ وهل إنشتاين، أحد أعظم عباقرة الإنسانية، لا يفكر؟ لكني بعد تأملٍ قلت في سرِّي: هايدجر فيلسوف جاد ولا يلفظ بأية كلمة إلا ولديه مسوغات معقولة، فرجعتُ للكتاب الذي وردت فيه العبارة، فبدأ يتضح لي مغزاها شيئاً فشيئاً، والأهم أني اقتنعت بها فعلاً. فما مدلول هذه العبارة الصادمة؟

مارتن هايدجر

لنعرف المدلول علينا -أولاً- أن نعرف ماذا يقصد هايدجر بكلمة “التفكير”؛ فمن الواضح أنه لا يقصد التفكير بمعناه المألوف؛ فالناس يفكرون في أشياء لا تحصى، وكل حياتهم تفكير، بل حتى في النوم يفكرون؛ فالأحلام هي تفكير النائم. وكذلك لا يقصد التفكير القائم على المنهج التجريبي الذي يستخدمه العلم، وما يقصده بالفعل هو التفكير بوصفه نوعاً من النشاط الفلسفي.

يمتاز التفكير الفلسفي بأشياء ليست موجودة في أضرب التفكير الأخرى. وما يهمنا هو أنه فكر ارتدادي: أي، تفكير يرتد إلى نفسه. فإذا كانت الفيزياء تدرس الظواهر المادية كالضوء والإلكترونات ونحوها، فإنها لا تدرس نفسَها. فعندما يسأل العالِم: “ما علم الفيزياء؟” فإنه يتحول فوراً إلى فيلسوف علم؛ لماذا؟ لسببٍ بسيط وهو أن “علم الفيزياء كعلم” ليس من الظواهر المادية التي أشرنا إليها أعلاه، ولا يمكن تطبيق المنهج التجريبي عليها، وسيكون من الغريب حقاً، بل والمستحيل، أن نضع علم الفيزياء تحت المجهر! فما يوضع تحت المجهر هو “الأشياء المادية”.

وقُل مثل ذلك في علم الكيمياء الذي يدرس العناصر، والبيولوجيا الذي يدرس الخلايا والجينات، والسيكيولوجيا الذي يدرس النفس، والسوسيولوجيا الذي يدرس الظواهر والعلاقات الاجتماعية.. كل هذه العلوم ذات موضوعات محددة ولا يمكن تجاوزها، ولا يمكن لها أن تدرس نفسها.

العلم الوحيد الذي يستطيع أن يجعل كل شيء موضوعاً له هو الفلسفة؛ بل إن الفلسفة تستطيع طرح أسئلة على نفسها فتسأل: ما الفلسفة؟ والأبعد من ذلك أنها تستطيع أن تشكك في نفسها. فقد يقول الفيلسوف “لقد ماتت الفلسفة” ويظل مع ذلك فيلسوفاً.

ألبرت أينشتاين- “بريتانيكا”

وهكذا فلو سأل إنشتاين: ما الفيزياء؟ فإنه لن يعود فيزيائياً بل فيلسوفاً (= فيلسوفَ علم كما يسمى اليوم). بينما نجد أن جيل دولوز وفيلكس غويتاري طرحا سؤالَ: ما الفلسفة؟ وأجابا عنه في كتابٍ “فلسفي” بامتياز؛ فبدآ فلاسفة وانتهيا فلاسفة.

لقد أشرت في مقالٍ سابق على “كيوبوست” بعنوان (هل يستطيع أحد أن يعلن موت الفلسفة؟)، رداً على إعلان ستيفن هوكنج “موت الفلسفة”، إلى أن إعلان موت الفلسفة نفسه هو شأن فلسفي لا فيزيائي، وأن هوكنج تحول ههنا إلى فيلسوفٍ بل وفيلسوف رديء (حسب تعليق أحد أصحابه)، ولم يعد ذلك الفيزيائي النابه والعبقري.

ستيفن هوكنج – أرشيف

ثانياً، يرى هايدجر أن التفكير، بالمعنى الفلسفي، نشاط مفتوح لا ينتهي. وبعبارةٍ أخرى: التفكير أشبه بسؤال لم يجد جواباً بعد. وكلما وجد المرء جواباً فإن التفكير لا يرضى بل يسعى من جديد بحثاً عن إثارة جديدة وقلقٍ عقلي مثمر. ومن الجدير بالذكر أن هايدجر يعتبر أن كل ما يثير التفكير ويحفز العقل هو “هدية”. من هنا فمَن يثير إشكالات في كلامي فإنه يقدم لي هدية، ولو رضي العقل بالأجوبة لانغلق على نفسه ومات.

العلم، بالمقابل، ينتج “أجوبة”، وبذلك ينتهي السؤال. وكان برتراند راسل، وهو فيلسوف متحمس للعلم، يقول: “العلم هو ما نعرف، والفلسفة هي ما لا نعرف”. وقد أعدت صياغةَ كلامه ذات مرة ليكون منقبة للفلسفة لا مثلبة: “بل الفلسفة سؤال، والعلم جواب”. وإذا كان الجوابُ يفضي بالعقل إلى الركود، فإن الفلسفة تعود وتثير القلق من جديد، وبالتالي تحفز الفكر البشري للبحث عن أجوبة.. وهكذا يتطور البشر معرفياً.

بيرتراند راسل

ثالثاً، يقول هايدجر: أكثر ما يثير التفكير هو ما لم نفكر فيه بعد. ومن هنا فالتفكير الفلسفي يجعل “اللا مفكر فيه” ضمنَ موضوعاته الممكنة، بينما لا نجد هذا في العلوم التي تخضع لحقب معرفية معينة؛ فكل علم يزدهر في “برادايم” محدد، هذا البرادايم يحدد موضوعات العلم ومناهجه، ولا يستطيع العلم التفكير خارج البرادايم، حسبما يرى فيلسوف العلم الشهير توماس كون.

هوسرل

من هنا يمكن القول إن الانتقال من برادايم إلى آخر يمثل ثورة علمية هي في الوقت عينه لحظة فلسفية فريدة.

مما سبق، يتضح أن عبارة هايدجر ليست مدحاً ولا قدحاً؛ بل وصف لطبيعة التفكير الفلسفي وتميزه عن بقية أنواع التفكير الأخرى، سواء التفكير العادي أو العلمي أو الشعري أو الديني.

أما السياق الذي وردت فيه العبارة فكان مطلع القرن العشرين؛ حيث تمت المبالغة في تقدير قيمة العلم على حساب بقية المعارف والفنون، فتصدى هوسرل ودلتاي وأدرونو وهوركهايمر وهابرماس (ومعهم هايدجر طبعاً) لهذا الغرور العلموي الذي تجاهل الحياة الإنسانية والعالم اليومي المعيش واستغرق في التجريد و”ترييض” الواقع، كما يعبر هوسرل: أي، تحويل كل واقعة حية إلى معادلة رياضية جوفاء.

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

شايع الوقيان

كاتب سعودي باحث في الفلسفة

مقالات ذات صلة