الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

عام على انفجار مرفأ بيروت.. والحقائق لا تزال غائبة

لم يقدم النظام في لبنان أي إحصائيات دقيقة حول تبعات الانفجار.. بينما ظل المواطن يعاني ظروفاً اقتصادية ومعيشية صعبة

كيوبوست

في مثل هذا التوقيت، العام الماضي، هزّ انفجار يعادل 240 طناً من مادة “TNT” شديدة الانفجار، مرفأ بيروت؛ نتيجة تخزين شحنة لنترات الأمونيوم من دون تأمين كافٍ. حتى الآن، وبعد مرور عام على الحادث الأليم، لا أحد يستطيع أن يجزم بسبب الانفجار الذي دمَّر نصف واجهات مباني بيروت، ولا تزال آثاره شاهدة حتى اليوم في محيط المرفأ؛ الصوامع الضخمة التي أُسست قبل عشرات السنوات لتخزين القمح في الميناء، حجبت جزءاً من قوة الانفجار، والذي دمَّر وسط العاصمة بشكل كامل؛ وهي المنطقة التجارية الأشهر التي جرى بناؤها بعد الحرب الأهلية.

اقرأ أيضًا: نكبة بيروت.. ربع مليون مشرد ومئات المفقودين

صحيح أن الحكومة اللبنانية برئاسة حسان دياب، استقالت بعد أيام من الانفجار على وقع الاحتجاجات الشعبية المتزايدة، إلا أن الحكومة ظلَّت تمارس عملها كحكومة تصريف أعمال؛ لكنها غير قادرة على اتخاذ أي قرارات بعدما استغلت الأطراف الموجودة في السلطة الدستور والقانون ليخدم مصالحها.

دمَّر انفجار مرفأ بيروت عدداً كبيراً من المباني

هزة انفجار مرفأ بيروت التي جاءت بعد نحو 10 أشهر من الثورة الشعبية على النظام في لبنان في أكتوبر 2019، لم تخرج البلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية؛ بل زادتها تعقيداً، وتدهوراً، بالدمار الهائل الذي لا يزال واضحاً في محيط المرفأ أو حتى في ما يتعلق بالأنشطة الاقتصادية، في ظلِّ تذبذب سعر العملة التي فقدت نحو 90% من قيمتها في أقل من عامَين.

وبينما يحيي اللبنانيون ذكرى انفجار المرفأ في محيطه، مطالبين بمحاسبة كل مَن تورط في الحادث، وكان على علم بوجود هذه الكمية من النترات بقلب بيروت دون أن يتحرك، تغيب أي بيانات رسمية حاسمة؛ سواء عن عدد القتلى أو المصابين أو حتى الخسائر المادية مما حدث، في ظل أرقام تقريبية تتغير من وقتٍ لآخر.

تطالب منظمات دولية بتحقيق دولي شفاف في القضية- وكالة الأنباء الألمانية

حسب تقرير “هيومن رايتس ووتش”، فإن الانفجار أسفر عن مقتل نحو 218 شخصاً وجرح 7 آلاف، وتسبب في إعاقة جسدية لما لا يقل عن 150 شخصاً، كما تسبب في أضرار نفسية لا توصف، وألحق أضراراً بـ77 ألف شقة، وهجر أكثر من 300 ألف شخص، وقدرت خسائره المادية بنحو 3.8- 4.6 مليار دولار.

خالد عزي

لم تقدم السلطة بياناتٍ واضحة وجازمة، حسب الدكتور خالد عزي، أستاذ العلاقات الدولية، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن أرقام الوفيات قد تصل إلى 240 شخصاً، بالإضافة إلى مفقودين لم يظهر لهم أثر، وهؤلاء فئة ليست في دائرة الضوء، بالإضافة إلى أن عدد الجرحى والمصابين المسجل ليس كاملاً؛ لأن هناك جرحى تلقوا العلاج الأوَّلي على نفقتهم قبل أن يواجهوا مضاعفاتٍ صحية، في وقتٍ لم تسجل فيه أسماؤهم ضمن ضحايا المرفأ، مشيراً إلى أنه حتى الإحصائيات الخاصة بالأضرار الاقتصادية لم تشأ الدولة حصرها بشكل واضح وإعلانها حتى الآن؛ كي لا تحمل شركات التأمين الخسائر الكبرى التي حدثت.

ينتقد عزي أن يظل اللبنانيون بعد عامٍ كامل من انفجار المرفأ لا يعرفون كيف وقع الانفجار، وما الكميات التي وجدت في المرفأ وانفجرت، وما الخسائر، مؤكداً أن هناك تغييباً كاملاً للحقائق عن الشعب؛ وهو ما يزيد من الغضب، خصوصاً لدى أُسر وعائلات الضحايا الذين يمثلون شريحة كبيرة من الشعب اللبناني.

لا تزال عائلات الضحايا تأمل في تحقيق العدالة- وكالة الأنباء الألمانية

غموض التفاصيل

وقبل أيام من ذكرى انفجار المرفأ، كشفت وكالة “رويترز” عن تقريرٍ أصدره مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي حول كمية نترات الأمونيوم التي انفجرت في المرفأ، والتي لم تكن تمثل أكثر من 20% من إجمالي الشحنة التي جرى تفريغها عام 2013 والمقدرة بـ2754 طناً من النترات. وعلى الرغم من أن التقرير لم يقدم أي تفسير لهذه الأرقام عن مصير باقي الشحنة؛ فإنه يأتي داعماً لفرضية استغلال “حزب الله” النترات في الأسلحة، خصوصاً أن الحزب هو المسيطر الأول على المرفأ منذ عقود.

وقالت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، في تقريرٍ بعنوان “دبحونا من جوه.. تحقيق في انفجار 4 أغسطس في بيروت”: إن الأدلة تشير إلى كون السلطات اللبنانية كانت بأقل تقدير مهملة جنائياً بموجب القانون اللبناني في التعامل مع شحنة النترات، وأن بعض المسؤولين الحكوميين توقعوا وقبلوا ضمنياً مخاطر الوفاة التي يشكلها وجود نترات الأمونيوم في المرفأ؛ وهو أمر بموجب القانون المحلي يمكن أن يرقى إلى جريمة القتل قصداً أو القتل بغير القصد.

يطالب اللبنانيون بتحقيق شفاف في القضية- وكالة الأنباء الألمانية

يرى خالد عزي أن السلطة تحاول غلق ملف التحقيق في الانفجار بشكلٍ سريع حتى لو أظهرت غير ذلك؛ خصوصاً بعدما وجدت أنه من الصعب تحميل الضباط المسؤولين عن المرفأ وحدهم مسؤولية ما حدث، فضلاً عن أن المسار القضائي الذي اتبعه القاضي البيطار في التحقيقات الآن، والذي يطلب التحقيق مع شخصيات من الدرجة الأولى، وزراء ونواب، ويطلب رفع الحصانة عنهم، أمر غير معهود بالنسبة إلى السياسيين اللبنانيين، ويجعلهم يشعرون بالقلق.

تؤكد “هيومن رايتس ووتش” أن العيوب الإجرائية والمنهجية في التحقيق المحلي جعلته غير قادر على تحقيق العدالة بشكل موثوق، مطالبةً بإجراء تحقيق دولي بدعمٍ من مجلس حقوق الإنسان؛ لتحقيق إنصاف حقيقي للضحايا، ومنع المزيد من الانتهاكات.

تغيب البيانات الكاملة عن تبعات الحادث – وكالات

تغييرات اجتماعية ونفسية

هويدا الترك

ثمة تداعيات اجتماعية ونفسية كبيرة جداً على اللبنانيين كافة، وليس على القاطنين فقط بمحيط الانفجار، حسب الدكتورة هويدا مصطفى الترك؛ الأستاذة في معهد العلوم الاجتماعية بالجامعة اللبنانية، التي تقول لـ”كيوبوست”: إن السلطة في لبنان لم تكن قادرة على التعامل مع الظرف الاستثنائي الذي حدث بقراراتٍ استثنائية تواكب الحادث؛ خصوصاً بعد استقالة الحكومة وتحولها إلى حكومة تصريف أعمال، بما يجعلها غير قادرة على تمرير قوانين وخطط مستدامة للنهوض والاكتفاء بالقرارات الضرورية والملحة.

تشير الترك إلى أن المنظمات الإغاثية والمجتمع المدني لعبت دوراً مهماً في احتواء أهل الضحايا والتكفل بالأحياء الذين فقدوا أجزاء من جسدهم، وسيعيشون بإعاقات مستدامة، لافتةً إلى غياب الإحصائيات الرسمية عن التداعيات الاجتماعية لما حدث، في الوقت الذي أنجزت فيه المبادرات المجتمعية دوراً مهماً.

الدمار في مرفأ بيروت – وكالات
سحر حجازي

لم يؤدِّ الانفجار إلى تغير ديموغرافي كبير في لبنان، حسب الدكتورة سحر محمود حجازي، أستاذة علم النفس الاجتماعي بالجامعة اللبنانية، التي تقول لـ”كيوبوست”: إن هناك جزءاً من أهالي المنطقة المحيطة بالمرفأ لا يزالون بانتظار ترميم منازلهم؛ حتى يتمكنوا من العودة للإقامة فيها مجدداً، خصوصاً أن غياب الخطة الإنقاذية من الدولة للمنطقة المنكوبة بشكل كامل جعل هناك خططاً إنقاذية انتقائية للأحزاب السياسية، ومسؤولي الطوائف الذين سعوا لترميم المنازل والأعمال في المناطق المحسوبة عليهم ضمن سياسة الولاءات.

تلفت حجازي إلى أن جزءاً رئيسياً مما لم يجرِ علاجه هو الصدمات النفسية التي تعرض إليها المواطنون؛ سواء ممن عاشوا لحظة التفجير عن قرب أو من الذين فقدوا أقارب وأعزاء لهم، وهو أمر يؤثر على الإنسان على المديين المتوسط والطويل، ويجعل لديه مساحة أكبر من التشاؤم في تفكيره، موضحةً أن أهالي الضحايا الذين عاشوا مرحلة اكتئاب ما بعد الصدمة يكون لديهم شعور بالغضب على السلطة التي لم تستطع أن تحصل لهم على حقوقهم.

عمليات الترميم لا تزال جارية – وكالات

رغم تأكيدات حجازي أن المشكلة الرئيسية هي في الطبقة الحاكمة في لبنان التي تعرقل كل شيء في مصلحة المواطن؛ فإنها تحذر من سيطرة اليأس على الشباب اللبناني في ظلِّ ارتفاع معدلات البطالة وفقدان الأشغال اليومية، مما قد يتسبب في زيادة الانحراف الاجتماعي، وأعمال السرقات، معربةً عن أملها في أن تكون هناك خطة للخروج من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحالية.

تؤيد هويدا الترك هذا الرأي، مشيرة إلى أنه على الرغم من حب اللبناني لبلده وأرضه، وحادثة المرفأ وما تبعها؛ فإن ما بات موجوداً الآن هو إحساس بانسداد الأمل في الغد، وصعوبة البقاء في البلد، الأمر الذي أصبح يدفع الجميع نحو الهجرة إلى الخارج بغض النظر عن طبيعة عمله وخلفيته التعليمية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

كيو بوست

صحفي، عضو نقابة الصحفيين المصريين، ومعد تليفزيوني. خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة، حاصل على دبلوم في الدراسات الإسرائيلية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ودبلوم في الدراسات الإفريقية من كلية الدراسات الإفريقية العليا. وباحث ماجستير في العلاقات الدولية. عمل في العديد من المواقع والصحف العربية؛ منها: (المصري اليوم)، (الشروق)، (إيلاف)، بالإضافة إلى قنوات تليفزيونية منها mbc، وcbc.

مقالات ذات صلة