الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

عامل تنظيف يتكلم 24 لغة!

كيوبوست- ترجمات

جيسيكا كونتريرا♦

ربما صادف أحدنا شخصاً يتحدث أربع أو خمس لغات، ولكن الخبراء يصنفون من يتحدث بأكثر من 11 لغة على أنهم من أصحاب المهارات اللغوية المفرطة. ولكن هنالك بعض الحالات الموثقة لأشخاصٍ تجاوزوا هذا العدد، وأصبحوا أساطير لغوية تثير الكثير من الأسئلة حول إمكانيات العقل البشري.

نشرت صحيفة “واشنطن بوست”، مؤخراً، تقريراً عن فون سميث الذي يعمل في تنظيف السجاد، ويتقن 24 لغة. يؤكد فون سميث للصحفية التي أجرت المقابلة معه أثناء عمله في تنظيف السجاد بإحدى الشقق في واشنطن، أنه يتقن ثماني لغات بطلاقةٍ تامة؛ هي الإنجليزية، والإسبانية، والبلغارية، والتشيكية، والبرتغالية، والرومانية، والروسية، والسلوفاكية. ولكنه يقول إنه يمكنه إجراء محادثاتٍ مطولة بخمسٍ وعشرين لغة أخرى. ولكن فون في الواقع كان يقلل من شأن قدراته، فهو يتحدث 37 لغة بدرجاتٍ متفاوتة، ويمكنه القراءة والكتابة في ثماني أبجديات مختلفة، ويمكنه سرد القصص بالإيطالية والفنلندية، ولغة الإشارة، ولغة السكان الأصليين في مناطق عدة من العالم.

اقرأ أيضاً: “العربية” في المركز الخامس.. اللغات الـ25 الأكثر انتشارًا في العالم

يمتلك أصحاب المهارات اللغوية المفرطة مستوياتٍ مختلفة من الإتقان في اللغات التي يعرفونها، وفون يمكنه إجراء محادثات في أي موضوع بطلاقة، ويمكنه قراءة وكتابة كلاً من الإنجليزية والإسبانية والبرتغالية والروسية والتشيكية والسلوفاكية والبلغارية والرومانية.

وهو قادر على إجراء محادثاتٍ معمقة في طيفٍ واسع من المواضيع، ولكنه يُضطر أحياناً إلى التوقف للبحث عن الكلمة المناسبة، إلى جانب قدرته على قراءة وكتابة اللغات الكرواتية والفنلندية والإيطالية واللاتفية والصربية واللغة الناهوية [إحدى اللغات القديمة في وسط المكسيك- المترجم]

ويمكنه الكلام بشكل مبسط في مواضيع مختلفة، ولكنه يتوقف أكثر للتفكير، ويمكنه القراءة والكتابة إلى حدٍّ ما باللغات الكتالونية والألمانية والفرنسية والهولندية والهنغارية والآيسلندية والنرويجية والبولندية ولغة غايليك الإيرلندية، ولغة الإشارة الأمريكية.

ساندرا فارغاس، والدة فون سميث- واشنطن بوست

وأيضا يمكنه فهم والتحدث بشكلٍ مبسط في مواضيع متعددة تتعلق بالحياة اليومية والسفر باللغات العربية والأمهرية والإستونية والجورجية واليونانية والعبرية والإندونيسية واليابانية والليتوانية والسويدية والأوكرانية والويلزية ولغة سينهالا السريلانكية ولغة المندرين الصينية، ولغة نافاجو ولغة ساليش [بعض لغات السكان الأصليين في أمريكا- المترجم] ويمكنه قراءة وكتابة بعض هذه اللغات أيضاً.

بالإضافة إلى معرفته البسيطة باللغات المنغولية والفيتنامية ولغات تزوتزيل وزابوتيك [لغات بعض الأمريكيين الأصليين- المترجم]

اقرأ أيضاً: لغوي بارز ينادي بالاعتدال في وجه طوفان اللغة “اليونيليزية”

في طفولته، اعتقد فون أن هنالك لغتين فقط، الإنجليزية كما يتحدث والده، والإسبانية كما تتحدث والدته، وعندما جاء بعض أقارب والدته من بلجيكا لزيارة والده اكتشف أنهم يستخدمون كلماتٍ لم يسمعها من قبل، وأثار ذلك رغبته في تعلم لغتهم. ومنذ ذلك الحين بدأ شغف فون بأي لغة يصادفها. الأغاني الفرنسية التي كانت تسمعها والدته، وقاموس اللغة الألمانية الذي وجده بين أدوات والده، والصبي الروسي الذي التحق بمدرسته الإعدادية. وأصبحت المكتبة مكانه المفضل لقراءة كتاب تعلم الروسية للمبتدئين.

في المدرسة كان فون يعاني من صعوبات في التعلم، وفي الاختلاط مع زملائه بسبب لون بشرته الذي اكتسبه من والدته المكسيكية. واستمر ذلك إلى أن انتقل مع والده إلى منطقة تضم العديد من السفارات ضواحي واشنطن. كان في عامه الرابع عشر، وكانت مدرسته تضم طلاباً من جميع أنحاء العالم يتحدثون لغاتٍ مختلفة. في المدرسة تعلم فون البرتغالية والرومانية، وطلب من فتاة إثيوبية خجولة أن تعلمه الأمهرية.

وفي عطلات نهاية الأسبوع كان يستقل الحافلة إلى مكتبة مارتن لوثر كينغ جونيور، حيث اكتشف أنها تضم مجموعة من أفضل كتب اللغات، وهنالك اكتشف أنه قادر على تذكر أي شيء يقرأه في كتب اللغات. لم يكمل فون تعليمه بعد المرحلة الثانوية، وتنقل في العديد من الوظائف البسيطة، كان أقربها إلى موهبته عندما عمل مستخدَماً في منزل أرملة حاكم صندوق النقد الدولي التي كان زوارها يأتون من دولٍ متعددة، ويتكلمون لغاتٍ مختلفة.

مناطق اللغة في دماغ كاتبة المقال (إلى اليمين) أكبر من نظيراتها في دماغ فون (إلى اليسار)- واشنطن بوست

لم تكن موهبة فون نعمة عليه في كثيرٍ من الأوقات، فربما كانت حساسيته الزائدة للفوارق اللغوية ولطريقة نطق كلمة ما بلهجات مختلفة أحد أسباب تعثره في الدراسة، أو فشله في الحصول على عملٍ أفضل من تنظيف السجاد. وفي أحيانٍ كثيرة كانت مهاراته اللغوية مصدر إحراج أو كانت تعيد إليه إحساس الطفل الذي لطالما خيب آمال معلميه. فهو كثيراً ما كان يعمل في تنظيف بيوت أشخاص من مختلف أنحاء العالم، ويسمع تعليقاتهم السلبية حوله بلغاتهم الأم التي كان يفهمها تماماً.

وتشير كاتبة المقال إلى أن فون لم يكن هو من طلب إجراء المقابلة معه، وتوضح أن أحد أصدقائه ذكر موهبته أمام مراسل آخر للصحيفة. وتشير إلى أنها عملت على مدى شهرين على التأكد من مهاراته اللغوية، وأنها قابلت عشرة أشخاصٍ أكدوا أنهم رأوه يستخدم مهاراته اللغوية لسنواتٍ عديدة، وقالوا إنهم رأوه يشارك في محادثات بسبع عشرة لغة مختلفة.

وبعد أن اكتشفت بنفسها قدراته اللغوية، تواصلت كاتبة المقال مع عالمة الأعصاب الروسية المولد إيفيلينا فيدورينكو التي تعمل في إحدى أشهر جامعات العالم على دراسة حالات مشابهة لحالة فون، وتركز في أبحاثها على كيفية معالجة الدماغ للغة، وما الذي يميز أدمغة أصحاب المهارات اللغوية عن أدمغتنا. وعلى الفور قامت الدكتورة فيدورينكو بدعوتها للحضور مع فون لإجراء مسح لدماغه.

اقرأ أيضاً: ترسيم اللغة “الأمازيغية” في الدستور الجديد يثير جدلاً في الجزائر

تقول كاتبة المقال وصلت مع فون إلى مركز الأبحاث، حيث قرر الباحثون إجراء مسح لدماغ فون ومقارنته مع مسح لدماغي الأحادي اللغة. خضعنا لجلسة استمرت أكثر من ساعتين من التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لمراقبة استجابة دماغينا للتحديات اللغوية. وعند ظهور نتائج التصوير كنت أتوقع أن مناطق اللغة عند فون ستكون ضخمة ونشطة للغاية، بينما ستكون عندي ضعيفة، ومثيرة للشفقة. لكن المسح أثبت عكس ذلك. فأجزاء دماغ فون التي تعمل على فهم اللغة أصغر كثيراً وأكثر هدوءاً من تلك التي في دماغي. حتى عندما نقرأ نفس الكلمات باللغة الإنجليزية فأنا أستخدم قدراً أكبر من عقلي، وأبذل جهداً أكبر مما يفعل فون.

وهذه النتائج تتطابق مع عمليات مسح أخرى أجراها الباحثون. تشرح الباحثة في المركز سايما موراليدا الأمر بقولها “يحتاج فون إلى قدرٍ أقل من الأكسجين في مناطق معالجة اللغة من دماغه عندما يتكلم بلغته الأم. وهو يستخدم هذه المناطق بطريقة فعالة للغاية”. وتشير إلى أنه من الممكن أن تكون هذه المناطق في دماغ فون صغيرة وعالية الكفاءة منذ مولده ومن الممكن أن يكون دماغه قد اكتسب هذه الكفاءة بفضل تعلمة للعديد من اللغات منذ طفولته، وربما كلا الأمرين معاً. وتقول إنه من غير الممكن التأكد من هذا الأمر قبل دراسة ومراقبة أدمغة الأطفال متعلمي اللغات أثناء نموهم.

♦مراسلة صحيفة “واشنطن بوست”، تكتب حول أشخاص تغيرت حياتهم بفعل أحداث كبيرة وقضايا في الأخبار.

المصدر: ذا واشنطن بوست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة