الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةصحة

طيف التوحد.. اضطراب نفسي ما زال يحير العلماء

كيوبوست

على مدار عقود، شُخِّص اضطراب طيف التوحد ضمن عدة توصيفات؛ فقد اعتبر مرضاً نفسياً يُصيب الأطفال، كما تم ربطه بطريقة تعامل الأم مع طفلها، حتى تم أخيراً (أوائل القرن العشرين) تعريفه بأنه اضطراب مرتبط بنمو الدماغ يؤدي إلى حدوث مشكلات في التفاعل والتواصل الاجتماعي، كما يؤدي إلى سلوكيات محددة ومتكررة لدى كل مصاب.

وفي محاولة منها لتسليط الضوء على الحاجة إلى المساعدة وتحسين نوعية حياة مصابي التوحد، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يومَ 2 أبريل من كل عام، بوصفه اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد.

تاريخ اكتشاف التوحد

استخدم مصطلح التوحد “autism” المشتق من الكلمة اليونانية”auto”  والتي تعني الذات، لأول مرة من قِبل الطبيب النفسي السويسري يوجين بليولر، واصفاً من خلاله مجموعة من الأعراض المتعلقة بالفصام لدى الأطفال.

في حين استخدم المصطلح (التوحُّد) لوصف أعراض اضطراب طيف التوحد لأول مرة من قِبل الطبيب النفسي الأمريكي- النمساوي ليو كانر، عام 1943م، وذلك عندما نشر ورقة بحثية حول 11 طفلاً كانوا مصابين بمرض أطلق عليه “التوحد الطفولي المبكر”، واشترك الأطفال، موضوع الدراسة، بأنهم يتمتعون بذكاء عالٍ؛ لكنهم يميلون إلى الوحدة والإصرار على تكرار أنماط سلوكية محددة تختلف في ما بينهم.

الطبيب النفسي الأمريكي- النمساوي ليو كانر- أرشيف

وفي عام 1944م، بذل طبيب الأطفال النمساوي هانز آسبرجر، جهوداً جديدة حول التوحد؛ إذ درس حالات أكثر اعتدالاً لمصابين ذكور حصراً، يمتازون بالذكاء، ولكن لديهم مشكلات في التفاعلات الاجتماعية، وسُميت الحالة التي خلص إليها بمتلازمة “آسبرجر”، التي اعتبرت عام 1994م أحد اضطرابات طيف التوحد.

طبيب الأطفال النمساوي هانز آسبرجر- أرشيف

ومن النظريات المغلوطة التي تم دحضها بمرور الوقت، أن التوحد هو حالة نفسية تصيب الطفل نتيجة برود الأم وقلة تفاعلها، وبناء عليه صاغ عالم النفس النمساوي برونو بيتلهيم، عام 1967م مصطلح “الأم الثلاجة”، ونتيجة لتلك النظرية عانت أمهات أطفال التوحد نظرةَ تأنيب من قِبل المجتمع.

ومن المساهمين في تفنيد نظرية بيتلهيم، كان عالم النفس برنارد ريملاند، الذي كان أباً لطفل مصاب بالتوحد، وأكد كونه صاحب تجربة؛ أن حالة ابنه لا علاقة لها بمهارات زوجته كأم، كما نشر عام 1964م كتاباً بعنوان “التوحد الطفولي: المتلازمة وآثارها على النظرية العصبية للسلوك”.

اقرأ أيضاً: متلازمة “داون” اضطراب جيني قديم.. متى اكتشفت؟ وكيف تحدث؟

وفي سبعينيات القرن الماضي، نُشرت بحوث تفيد أن التوحد مرتبط باختلافات جينية بيولوجية تؤثر على نمو الدماغ، زادت وتيرتها في الثمانينيات، وعليه فُهِمَ اضطراب التوحد بصورة أدق؛ لكن بقي الخلط بين التوحد والتخلف العقلي والانفصام سائداً بين الآباء.

وأُدرج اضطراب التوحد لأول مرة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية تحت مسمى “التوحد الطفولي” عام 1980م، وحينها تم التفريق بينه وبين انفصام الشخصية في مرحلة الطفولة، في حين أُدرج الاضطراب مرة أخرى في الدليل عام 1987م؛ لكن تحت مسمى “اضطراب التوحد” كتعريف أكثر شمولاً.

أشخاص مختلفون

تظهر علامات الإصابة باضطراب طيف التوحد في عمر العامين أو قبل ذلك، بينما يمكن أن تظهر تلك العلامات في مرحلة متقدمة من عمر الطفل؛ إذ يصبح الطفل فجأة انطوائياً وعدوانياً، كما يفقد مهاراته اللغوية التي كان قد اكتسبها سابقاً.

ولأن اضطراب طيف التوحد تختلف شدته واعتلالاته من مصاب إلى آخر، يعاني الأطفال المصابون به أعراضاً متنوعة ومتباينة يمكن الإشارة إلى مجموعة سائدة منها؛ أهمها مشكلات التواصل والتعامل مع المواقف الاجتماعية، وتشمل عدم استجابة الطفل عند مناداته، وضعف قدرته على التواصل البصري ومحدودية تعبيرات الوجه، إضافة إلى مشكلات لغوية كعدم القدرة على الكلام أو التأخر في الكلام، وفي حال تكلَّم، غالباً ما تكون نبرة صوته أو إيقاع كلامه رتيباً، كما لا يستطيع مصاب طيف التوحد عادةً التعبير عن مشاعره.

أعراض اضطراب طيف التوحد- HHS

بالمقابل، يتفاعل الطفل المصاب باضطراب طيف التوحد مع محيطه بطريقة غير مجدية، كأن يكون متبلداً أو عدائياً أو مخرّباً، ويبدو غير مدرك لمشاعر الآخرين وأسئلتهم وتوجيهاتهم وتعابير وجوههم، كما يتقوقع في عالمه الخاص، ويفضل اللعب بمفرده، ولا يفضل اللمس؛ لذلك يرفض العناق والإمساك به.

وعادة ما يمارس مصاب التوحد أنماطاً سلوكية محدودة ومتكررة، كحركات بعينها؛ التأرجح أو الدوران أو رفرفة اليدين، ويكررها باستمرار، ويمكن أن تكون تلك الممارسات مؤذية كأن يضرب رأسه بالحائط.

وبالنظر إلى سلوكيات مصابي اضطراب طيف التوحد، فتدل على أنهم أشخاص استثنائيون، فمثلًا يسلك الطفل المصاب بالتوحد طقوساً معينة، وينزعج بحال طرأ عليها أدنى تغيير، ويمتلك لغة جسد مختلفة يمكن أن تتسم بالجمود أو المبالغة.

تدل سلوكيات مصابي اضطراب طيف التوحد على أنهم أشخاص استثنائيون- Unsplash

وبينما يعاني الأطفال المصابون بالتوحد التبلُّدَ وقلة التفاعل، تستدعي تفاصيل معينة حماستهم وتركيزهم بشكل غير طبيعي، كأن ينبهر أحدهم بدوران عجلات السيارات دون إدراك الفكرة المجملة للتفصيل الذي يبهره أو إدراك وظيفته.

وغالباً ما يتسم الأطفال المصابون بالتوحد بحساسية مفرطة تجاه أشياء بعينها؛ كالضوء والصوت واللمس، لدرجة أن أحدهم ممكن أن يرفض تناول نوع طعام ما لحساسيته من ملمسه، بينما قد لا يبالي بالألم أو الحرارة أو غير ذلك.

الأسباب والعلاج

حالياً يعاني نحو 1٪ من سكان العالم اضطراب طيف التوحد؛ أي ما يعادل أكثر من خمسة وسبعين مليون شخص، وفقاً لمركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، في حين لا يوجد سبب محدد للإصابة باضطراب طيف التوحد.

لكن قد يلعب التكوين الوراثي دوراً في الإصابة به، فوفقاً لمنظمة عيادة مايو الطبية، يرتبط اضطراب طيف التوحد لدى بعض الأطفال باضطرابات جينية؛ مثل متلازمة “ريت” أو متلازمة الكروموسوم “إكس الهش Fragile X Syndrom”، وقد يزيد حدوث طفرات جينية معينة من احتمالية الإصابة باضطراب طيف التوحد. ويدرس الباحثون احتمالية أن تكون العوامل البيئية كالعدوى الفيروسية أو الأدوية أو المضاعفات أثناء الحمل أو ملوثات الهواء، سبباً للإصابة بالاضطراب.

اقرأ أيضاً: مرض ألزهايمر.. أكثر من فقدان للذاكرة!

أما بالنسبة إلى التعافي من اضطراب طيف التوحد، فلا يوجد علاج تام، إلا أن التشخيص والتدخل المبكر يُمكِّنان الطفل المصاب من تحسين سلوكه ومهاراته الاجتماعية واللغوية، وفي سن متقدمة وعبر رعاية خاصة، يتحسَّن المصابون على الصعيدَين الاجتماعي والسلوكي؛ تحديداً أولئك الذين يمتلكون أعراضاً خفيفة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات