الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

طه حسين في ذكراه الـ46.. الإسهام المعرفي والثقافي

كيوبوست – إيهاب الملاح

ستة وأربعون عامًا على رحيل الدكتور طه حسين (1889- 1973) الذي قدَّم للثقافة المصرية والعربية ما يمكن تسميته بـ”بيان شامل للنهضة والتحديث”، ربما كان الأهم والأكثر إحداثًا للجدل والنقاش في مصر والعالم العربي في القرن العشرين، وبقدر ما كان مشروع طه حسين الثقافي يقوم في جوهره على الاحتفاء بالعقل والعلم وقيم التنوير والحداثة والنهضة، بقدر ما كان يمثل في الوقت ذاته احتفاءً بالاختلاف والتنوع والتعددية والتسامح.

تقريبًا، كل الشخصيات الإبداعية والثقافية الكبرى، في تراثنا الفكري والأدبي، كتب عنها طه حسين كتابةً مرجعية تأسيسية، دراسة أو أكثر، وربما ما زالت تحتفظ بقيمتها وأهميتها حتى اللحظة (مع الاعتراف بأن جهودًا أخرى قد تجاوزت بعض ما فيها من نتائج أو آراء).

اقرأ أيضًا: كيف أثرت الطباعة الورقية بعصر النهضة والإصلاح الديني؟

في الشعر، كتب عن شعراء الجاهلية، وشعراء الغزل العذري، وشعراء المجون والهزل. كتب عن المتنبي، وأبي تمام، والبحتري، وأبي العلاء، وراجع كتبه الأصيلة “مع المتنبي”، و”تجديد ذكرى أبي العلاء” و”مع أبي العلاء في سجنه”، و”تعريف القدماء بأبي العلاء”، و”صوت أبي العلاء”.. وهذا الأخير أشبه بخلاصة مركزة ودقيقة لسيرة أبي العلاء وشعره، تناسب سلسلة عظيمة مثل (اقرأ) كانت موجهة إلى القارئ العام منذ صدور عددها الأول منتصف أربعينيات القرن الماضي. وأما “تجديد ذكرى أبي العلاء” و”مع أبي العلاء في سجنه”، فمادتهما مأخوذتان من أطروحته للدكتوراه؛ الأطروحة الأولى التي أجازتها الجامعة المصرية عام 1914، وهي بحث شامل ومحيط عن مصادر سيرة أبي العلاء، ونقدها، وفلسفة أبي العلاء، ورؤيته الإنسانية والشعرية.. إلخ.

كتب طه حسين عن ابن المقفع والجاحظ والتوحيدي وابن العميد وابن خلدون.. وقارن بين أبي العلاء وكافكا، وبين ابن حزم الفقيه الظاهري الأصولي، وستندال الفرنسي، قارن بين كتابَي “طوق الحمامة” و”الأحمر والأسود”، وعرّف بأعلام الأدب الأمريكي والفرنسي والألماني، حتى وقته (راجع كتابه الممتع “ألوان” الذي جمع فيه افتتاحياته الوافية لمجلة “الكاتب المصري” التي رأس تحريرها خلال الفترة 1945- 1948).

كتب عن ابن مضاء القرطبي، وكتابه “الرد على النحاة”، وقدَّم رؤية تجديدية لعلم النحو العربي، وكتب مقدمة تحليلية لكتاب زميله إبراهيم مصطفى “إحياء النحو”، صاحب أول محاولة لتيسير النحو العربي وطرق تدريسه، وقدَّم أيضًا في هذه الدائرة واحدة من دراساته العميقة المثيرة للنقاش حول “استخدام الضمير في القرآن الكريم”، وكتب دراسته الملهمة (تاريخ البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) التي تعد بحق أوفى تلخيص وتكثيف لمسيرة البلاغة العربية والنقد العربي القديم.

وغطَّى طه حسين، ولأول مرة في تاريخ الثقافة العربية الحديثة، دراسةَ الأدب العربي في عصوره المتعاقبة، منذ الجاهلية، وأبرز أعلامه شعرًا ونثرًا في القرون الخمسة الأولى للهجرة، وراجع مصداق ما أقول في كتبه ذائعة الصيت؛ “في الأدب الجاهلي”، و”من حديث الشعر والنثر”، و”حديث الأربعاء” (الجزءان الأول والثاني).

اقرأ أيضًا: فيديوغراف…طاغور جسر الهند إلى العالم

وفي هذا الكتاب الأخير، تحديدًا، استهل طه حسين محاولته الفذَّة في اختراق غابات الشعر الجاهلي ممسكًا بيد قارئه، هاديًا ومرشدًا ودليلًا؛ للتعرُّف على روح الثقافة العربية في العصر الجاهلي، وتمثيله جماليًّا في “حديث الأربعاء”. لقد راد طه حسين الطريق، ووجَّه أنظار النقاد ودارسي الشعر القديم ومتخصصيه، إلى ضرورة التوسط بين المقبلين على قراءة ودرس الشعر القديم، بتشابكاته اللغوية والجمالية والفنية، وبين النصوص ذاتها. فتح الباب واسعًا، ليجيء من بعده زكي مبارك في كتبه الكثيرة التي أفردها لقراءة وتحليل الشعر العربي وتذوقه في عصور ازدهاره، ومن بعده محمد مندور، وعبد القادر القط، وشكري عياد، وسليمان العطار.. وغيرهم.

لن أُحدِّثك عن أعماله الرائدة في الرواية والقصة والسيرة الذاتية والنصوص الأدبية الخالصة؛ فهي أشهر من أن يُشار إليها، ولكنها لا تمثل في نظري، على قيمتها وأهميتها وجمالها، سوى شريحة محدودة للغاية من أثر طه حسين الأكبر والأوسع دائرة في الفكر العربي، والتربية والتعليم، والاجتماع، والنقد الأدبي والفكري بمعناه الشامل، والدراسات التاريخية التحليلية، والترجمة، وتحقيق التراث وتيسيره وتقريبه، والتنمية الثقافية واللغوية الشاملة، ونظراته التجديدية في كل المجالات السابقة.. فضلًا عن أجيال من التلاميذ الذي صاروا بدورهم أساتذةً وأعلامًا وأسماءً كبيرة في الثقافة المصرية والعربية.

كان طه حسين يؤمن بأن الكتابة، والكتابة فقط، هي العمل، وأن “كلّ كاتب وكلّ فنان لا يستطيع التقدم إلا بالإخلاص، شأنه شأن بطل دانتي يحمل المصباح معلقًا إلى ظهره ليضيء طريق الذين يتبعونه”.

إنه كما يقول عنه، بصدق، الناقد والأكاديمي المعروف حسين حمودة: “في كل ما كتب، وما أدَّى، وما قام به من أدوار متعددة، دافع طه حسين عن قيمٍ واحدة. نقرأ كتاباته المتنوعة، التي خاضت مجالات شتى، من النقد الأدبي إلى التاريخ، ومن السرديات والمرويات إلى المقالات الصحفية، ومن الشعر إلى الترجمة، ومن السياسة إلى الاجتماع، فنجد القيم نفسها ماثلة بوضوح. ونسمع أحاديثه، ونسمع عن أحاديثه، فتطلّ علينا القيم نفسها قائمة بجلاء. ونتأمل مواقفه في المناصب التي شغلها، والمهام التي اضطلع بها، فنشهد القيم نفسها حاضرةً بقوة. وكأن طه حسين، النهر الهادر المتدفق في أرض لم تكن ممهدة، كان وظلَّ هو نفسه دائمًا، وكأن مياه نهره قد وصلت، هي ذاتها، بصفائها وعرامتها نفسيهما، إلى كل روافد هذا النهر وإلى كل جداوله”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات