الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

طموح الصين في الشرق الأوسط ودور إيران في مبادرة “الحزام والطريق”

كيف سيؤثر هذا الارتباط المكثف مع الصين على مكانة طهران الاقتصادية والسياسية وقدرتها التفاوضية في مواجهة الإدارة الأمريكية الجديدة؟

كيوبوست – ترجمات

تايلور بوتش♦

في زيارة تاريخية إلى طهران في يناير 2016، وقَّع الرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس الإيراني حسن روحاني، “شراكة استراتيجية شاملة” وسَّعت العلاقات الثنائية والتجارة بين البلدَين إلى 600 مليار دولار على مدى عشر سنوات، واعترفت رسمياً بمبادرة الحزام والطريق، التي تم إطلاقها في سبتمبر 2013، والتي تعمل على توسيع التعاون الاستراتيجي والاقتصادي والسياسي لبكين عبر الطرق البرية والبحرية.

وفي حين أبرمت 138 دولة، حتى الآن، ما يقرب من مئتي صفقة في إطار مبادرة الحزام والطريق؛ مما خلق أكثر من 300,000 فرصة عمل جديدة وجذب أكثر من 110 مليارات دولار على هيئة استثمارات صينية، فإنه يمكن القول إن إيران هي الدولة الأكثر نفوذاً في إطار هذه المبادرة؛ لأنها تشكل بشكل مباشر توسعاً في مبادرات طريق الحرير الرقمي، وطريق الحرير للابتكار، وطريق الحرير الأخضر.

اقرأ أيضاً: اتفاق الصين مع إيران يعبر عن تغير كبير مع تدهور علاقاتها مع الولايات المتحدة

فكيف سيؤثر هذا الارتباط المكثف مع الصين على مكانة طهران الاقتصادية والسياسية وعلى قدرتها التفاوضية في مواجهة الإدارة الأمريكية الجديدة؛ لا سيما في ما يتعلق بالاتفاق النووي لعام 2015، المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة؟ 

طريق الحرير الرقمي الصيني

في مايو 2017، قدم الرئيس شي “طريق الحرير الرقمي للقرن الحادي والعشرين” والذي يسعى إلى متابعة التنمية المدفوعة بالابتكار وتكثيف التعاون في المجالات الحدودية؛ مثل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وتقنية النانو والحوسبة الكمية، والنهوض بتطوير البيانات الضخمة والحوسبة السحابية والمدن الذكية من أجل تحويلها إلى طريق الحرير الرقمي للقرن الحادي والعشرين. 

مسؤولون إيرانيون يصفقون مع وصول أول قطار يربط بين الصين وإيران إلى محطة سكة حديد طهران.. فبراير 2016- “فرانس برس”

وبحلول ذلك الوقت، كانت الشركات الصينية الخاصة والشركات المملوكة للدولة قد حولت عدداً من المناطق المحلية الصينية والأجنبية إلى “مدن ذكية” تستضيف أنظمة إيكولوجية قائمة على الإنترنت تعمل على تسهيل تبادل المعلومات؛ لتحقيق نتائج قوية ومحسنة تستند إلى الكفاءة في البيئات العامة والخاصة.

وقد استأنفت الحكومة الإيرانية الفكرة؛ حيث اقترحت في خطتها الخمسية السادسة للتنمية (2017- 2021) دمج “مفاهيم المدن الذكية” و”الاقتصاد الرقمي” من خلال تركيب شبكة واي فاي عامة وتوظيف المباني الذكية، والدفع عبر الهاتف المحمول، والتجارة الإلكترونية، وخدمات الصحة الإلكترونية، والحكومة الإلكترونية لتفعيل الكفاءة.

اقرأ أيضاً: الصين وروسيا تقفان وراء إيران

وسيسمح طريق الحرير الرقمي أيضاً لبكين بصياغة شكل الاستخدام الحالي والمستقبلي لتقنية الجيل الخامس الجديدة؛ حيث تسيطر اثنتان من كبرى شركات الاتصالات الصينية في العالم، شركة “زد تي إي” وشركة “هواوي”، حالياً على ما يقدر بنحو 40% من السوق العالمية لتقنية الجيل الخامس؛ حيث تُعد الأخيرة أكبر مورد لتقنية الجيل الخامس في جميع القارات؛ باستثناء أمريكا الشمالية.

طريق الحرير “الأخضر”

وفي حين تمتلك طهران رابع أكبر احتياطي من النفط وثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم، إلا أن اقتصادها ينتقل إلى الطاقة المتجددة للحد من استهلاك الوقود الأحفوري والمياه وتلوث الهواء؛ مما جعل طهران أكبر منتج للموارد المتجددة في الشرق الأوسط في عام 2019 عند 12,675 ميجاوات. وفي ظل إدارة روحاني (2013- 2021)، يمكن القول إن الحكومة قد تمكنت من تأمين إرثها في مجال الطاقة المتجددة، عبر الالتزام بزيادة كبيرة في ميزانية البحث والتطوير في مجال الطاقة الشمسية، ومنح مئات العقود المحلية للطاقة المتجددة، والتي سمحت للبلاد بمضاعفة قدرتها القائمة في مجال الطاقة المتجددة في غضون عقد من الزمن.

تمكنت الشركات الصينية المملوكة للدولة والشركات الخاصة من المشاركة بشكل كبير في سوق الطاقة المتجددة الإيراني- “طهران تايمز”

وبالاستفادة من هذا القانون وبمساعدة من معاهدة الاستثمار الثنائية بين إيران والصين لعام 2005، تمكنت الشركات الصينية المملوكة للدولة والشركات الخاصة من المشاركة بشكل كبير في سوق الطاقة المتجددة الإيرانية لأكثر من عقد من الزمن. ومع ذلك، يبدو أن بعضها لم يدخل في مفاوضات إلا حين تم التخلي عن مشروعات أخرى لأسباب غير معروفة. وإلى جانب بناء محطات الطاقة المتجددة في إيران، قامت الشركات الصينية أيضاً ببناء العديد من مصانع تصنيع الألواح الشمسية وبناء الأسس لتقاسم تكنولوجيا الجيل التالي، على سبيل المثال، في محطات الطاقة الشمسية العائمة.

التمويل المربح للجانبين

وقد صرح شي جين بينغ، في حفل افتتاح منتدى الحزام والطريق عام 2017، قائلاً: “التمويل هو شريان الحياة للاقتصاد الحديث، وعندما يدور الدم بسلاسة يمكن للمرء فقط أن ينمو”؛ حيث أتاح إقامة علاقات وخطوط ائتمان مالية قوية مع دول مبادرة الحزام والطريق لبكين النهوض بمبادرتها العالمية بسرعة وكفاءة، والأهم من ذلك، تحقيق نتائج إيجابية.

اقرأ أيضاً: الصين قد تتحالف مع إيران في حربها ضد الولايات المتحدة

ويقدم تمويل المشروعات المشتركة مع الشركات الصينية عبر البنوك الصينية قروضاً منخفضة الفائدة وقدرة للشركات الإيرانية على إتمام معظم المعاملات المالية بعدة عملات أجنبية بدلاً من الدولار الأمريكي الذي يستخدم بشكل أساسي في المعاملات النفطية. ويسمح هذا المسار من المعاملات لطهران بتجاوز بعض العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على الأقل؛ حيث يقوم المسؤولون المصرفيون من كلا البلدين بزيارات رسمية ويجتمعون مع الهيئات التنظيمية المصرفية في السنوات الأخيرة لتعزيز العلاقات المالية.

ناقلة تحمل النفط الخام المستورد من إيران في ميناء تشوشان بالصين 2018- “أسوشييتد برس”

وقد أسفرت هذه التحركات عن نتائج إيجابية؛ حيث استثمرت طهران مليارات من رؤوس الأموال في مشروعات البنية التحتية والطاقة المتجددة، وعملت، في مناسبة واحدة على الأقل، على مضاعفة خطوط الائتمان من الشركات الصينية إلى 50 مليار دولار. ومن جانبه، أقرض بنك التنمية الصيني المملوك للدولة ما لا يقل عن ثمانية عشر مليار دولار لمشروعات البناء والإنتاج في إيران. في حين قدمت شركة الاستثمار المملوكة للدولة “تشاينا إنترناشيونال تراست آند كوربوريشن جروب” عشرات المليارات من الدولارات لإدارات المياه والطاقة والبيئة والنقل والتعدين في إيران.

اقرأ أيضاً: الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط بين التبعية والتنافس 

كما أن فتح خطوط الائتمان يساعد إيران في تحقيق الأهداف الرئيسة لتطوير البنية التحتية. بدءاً من كهربة جميع خطوط السكك الحديدية بحلول عام 2025، حيث تخطط طهران لتحديث وتمديد شبكة السكك الحديدية لديها بحلول نهاية هذا العقد إلى ما مجموعه 25.000 كيلومتر بتكلفة إجمالية تصل إلى 25 مليار دولار. وتمول الشركات الصينية المملوكة للدولة هذا المشروع وغيره من مشروعات البنية التحتية (فعلى سبيل المثال، تم توقيع عقد بقيمة 13 مليار دولار عام 2011 لتوريد 8 خطوط للسكك الحديدية بطول إجمالي يتجاوز 5000 كم) على أن تسدد بالعملة الصينية.

مجابهة العقوبات

وحتى بعد أن أعادت إدارة ترامب العقوبات المفروضة على إيران؛ فقد واصلت بكين وطهران التعاون في سلسلة من المشروعات ذات الصلة بالمجال النووي، والتي تمت مناقشة العديد منها خلال زيارة الرئيس شي إلى الشرق الأوسط عام 2016؛ بما في ذلك عقود بناء محطتَين للطاقة النووية بقوة 1000 ميجاوات، وعدد من المحطات النووية بقدرة 100 ميجاوات، ومفاعل آراك للماء الثقيل، بالإضافة إلى البحث العلمي في المجال النووي في الوقت نفسه.

الرئيس ترامب يوقع مذكرة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018- “نيويورك تايمز”

وفي محاولة لتجنب الانتقام من جانب الولايات المتحدة، يبدو أن بكين قد تباطأت في تنفيذ بعض المشروعات النووية (مثل إعادة تصميم مشتركة لمفاعل آراك للماء الثقيل من قِبل الشركة النووية الوطنية الصينية وشركة بريطانية) والإيحاء باحتمال وقف بعض المعاملات المتعلقة بالنفط. كما تشجعت بكين في تفاعلاتها الاقتصادية المستمرة مع طهران من خلال محاولات الدول الأوروبية الموقعة على “خطة العمل الشاملة المشتركة” (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) لتجاوز العقوبات عبر إنشاء أداة لدعم التبادل التجاري (إينستكس) لتمكين “التجارة الأوروبية المشروعة مع إيران”.

وكانت مشكلات العمالة والمشتريات واضحة بالفعل قبل إعادة فرض العقوبات؛ حيث تعرضت الشركات الإيرانية إلى ضغوط؛ لضمان أن تكون غالبية القوى العاملة محلية عند التعاون مع الشركات الصينية. واشتدت هذه المشكلات بشكل كبير؛ حيث وجهت حملة “الضغط الأقصى”، التي قامت بها إدارة ترامب، ضربة قاسية إلى الاقتصاد الإيراني؛ ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة إلى ما يتخطى 17% وإجبار الحكومة الإيرانية على السير على حبل مشدود بين الحفاظ على الوظائف الإيرانية الأصلية والحيلولة دون خضوع الشركات الصينية للضغوط الأمريكية وإبطاء، أو حتى تعليق، عملياتها في إيران.

شاهد: فيديوغراف.. أرقام صادمة عن وفيات “كورونا” في إيران

وقد ازداد الوضع سوءاً مع إصابة المجتمع والاقتصاد الإيرانيين بوباء كورونا؛ حيث تم الإبلاغ رسمياً عن وفاة أكثر من 50,000 شخص بحلول نهاية عام 2020 وفقد نحو 850,000 شخص وظائفهم.

الخلاصة

ومن المرجح أن تزداد العلاقة بين الصين وإيران قوة مع حرص طهران على أن تصبح الشريك الرئيس لمبادرة الحزام والطريق في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فمن الواضح أن عدوانية طهران الإقليمية المتنامية على مدى السنوات القليلة الماضية لم تكن مستساغة بالنسبة إلى بكين؛ وذلك بسبب وضع الصين باعتبارها المستورد الأكبر للنفط والغاز الطبيعي في العالم، وعلاقاتها الاقتصادية المزدهرة مع الدول الأخرى التي لديها خلافات مع إيران (على سبيل المثال، استثمارات بقيمة 8.6 مليار دولار في إسرائيل منذ عام 2015).

وزيرا خارجية الصين وإيران يوقعان اتفاقية تعاون رسمية في طهران.. مارس 2021- “فرانس برس”

وفي ظل تدهور علاقاتها مع إدارة ترامب، لم تكتفِ بكين فقط بالحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع طهران في مواجهة تجدد العقوبات من جانب واشنطن (مع بعض التنازلات الشكلية الافتراضية)؛ بل قامت في يونيو 2020، بوضع اللمسات الأخيرة على شراكة اقتصادية وأمنية بعيدة المدى لمدة 25 عاماً؛ والتي من شأنها أن تمنح الصين حضوراً موسعاً في العديد من قطاعات الاقتصاد الإيراني -من الطاقة إلى الاتصالات إلى النقل والموانئ- في مقابل إمدادات نفطية منتظمة، والتي يُقال إنها مخفضة بشكل كبير، طوال الفترة بأكملها.

اقرأ أيضاً: من تاريخي إلى “كارثي”.. قصة الاتفاق النووي مع إيران

كما تعكس هذه العلاقة التكافلية صدى الترابط متبادل المنفعة بين القوى العظمى وحلفائها في الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة. وكانت تلك العلاقات تفضل كل شريك وفقاً لتقلبات الشؤون الإقليمية والعالمية، إلا أنها كانت، بشكل عام، أكثر لطفاً مع الدول الأصغر التي استغلت بمهارة المصالح المتعارضة للقوى العظمى لتحسين موقفها.

وحتى لو حدث تحسن ملحوظ في العلاقات الأمريكية- الصينية في ظل إدارة بايدن، فإن هذا قد لا يثني طهران عن سعيها نحو الهيمنة الإقليمية والأسلحة النووية؛ نظراً لمحورية هذه الأهداف بالنسبة إلى النظام الإسلامي والمنافسة العالمية المستمرة بين الولايات المتحدة والصين، والتي سوف تستمر في تقييد نفوذ واشنطن تجاه طهران.

♦محلل للشؤون الخارجية في شركة “دوكو الاستشارية”، وهو كاتب مستقل، وزميل سابق في التعاونيات الصينية. وقد ظهرت كتاباته في وسائل الإعلام الدولية؛ بما في ذلك مجلة “الموجز الصيني” الصادرة عن مؤسسة “جيمس تاون”، وصحيفة “آسيا تايمز”، ومجلة “الدبلوماسي”، ومجلة “ريل كلير ديفينس”.

المصدر: منتدى الشرق الأوسط

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة