الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

طموحات وألاعيب وأجندات خفية..  كيف تستغل تركيا مجاهدي وسط آسيا؟

ترجمات-كيوبوست

أوران بوتوبيكوف 

 لم يعُد هناك مفر من ترقُّب التحركات المستقبلية التي من المتوقع أن يقوم بها الإسلاميون نحو الغرب؛ خصوصًا بعد توقيع وتنفيذ مذكرة سوتشي لتهدئة الأوضاع في إدلب، والتي اتفق عليها كلٌّ من تركيا وروسيا. أضِف إلى ذلك القلق الذي يمكن ملاحظته بسهولة ومصدره الجماعات الجهادية الآسيوية التابعة لتنظيم القاعدة، والتي تقاتل في شمال شرق سوريا ضد قوات نظام بشار الأسد. هنالك حرب دائرة أدَّت إلى انخفاض النشاطات الدعائية والعسكرية للجماعات السُّنية السلفية المسلحة بشكل ملحوظ؛ لكن ذلك يدعو إلى الخوف بشكل أو بآخر.

لقد قام بعض المقاتلين بتحويل بوصلتهم تجاه تركيا؛ على أمل أن يجدوا فرصة للعودة إلى حياتهم المستقرة مرة أخرى، مجرد رحلة أخيرة إلى تركيا قد تفي بالغرض. أما عن منطقة زيتينبورو في إسطنبول، فيعيش فيها عدد كبير من مسلمي الإيغور القادمين من الشتات؛ أي بعد خروجهم من منطقة زيجيانج الصينية.

ومن المؤكد أن هناك ما يمنع بعض الجماعات الإرهابية من الدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة التركية، فنحن لدينا الجماعات الأوزبكية المسلحة؛ ككتيبة التوحيد والهجرة وكتيبة الإمام البخاري التي تحرص على تهدئة الأوضاع مع أنقرة، بالإضافة إلى وحدات مقاتلي الإيغور؛ كحزب تركستان الإسلامي وكتيبة غرباء التركستان، وذلك بسبب القواسم الدينية واللغوية والهواية الثقافية المشتركة التي تجمع شعوب وسط آسيا بالأتراك، ناهيك بقيام تركيا بتقديم الدعم لإسلاميي وادي فيرغانا ومتطرفي الزنجيانغ الصينيين، بطريقة غير معلنة بالطبع عبر الحدود الفاصلة بين تركيا وسوريا.

الجهاديون الأوزبك بعد إعلان البيعة لزعيم القاعدة

وسمح نظام أردوغان بتسلل نحو 20000 مقاتل من جنسيات أجنبية عبر حدود تركيا؛ معظمهم من الروس ووسط آسيا والقوقاز والصين.. هؤلاء نجحوا في العبور؛ بغرض الانضمام إلى الحركات الجهادية السُّنية في سوريا والعراق. حدث ذلك بين عامَي 2013 و2016؛ لكن استرجاع نظام بشار الأسد لمحافظة إدلب وسقوط آخر معقل للمعارضة السورية من شأنه أن يوجِّه البوصلة في اتجاه آخر؛ حيث تتحول تركيا إلى المهرب الوحيد للمجاهدين الروس من الجحيم السوري، ومعنى ذلك أنهم لن يجازفوا بحرق جسور التواصل مع تركيا؛ وهو ما يحافظ بشكل أو بآخر على إبقاء الجماعات الإرهابية بعيدة عن المواجهة المباشرة مع الأتراك.

اقرأ أيضًا: النفوذ التركي في آسيا الوسطى والتطرف الإسلامي

أما عن السبب الثاني الذي يدفع إلى حالة اللا حرب بين المتطرفين والنظام التركي، فيتلخص في رغبة تركيا في استخدام المجاهدين السُّنة القادمين من وسط آسيا لخدمة مصالحها؛ وذلك في محاربة نظام بشار الأسد وإضعاف شوكته. ويرجع تاريخ هذه الاستراتيجية التركية إلى بدايات الحرب الأهلية السورية بين عامَي 2011 و2014، وسيبدو الأمر واضحًا إذا عرفنا على سبيل المثال أن النظام التركي قام باستقبال المصابين من مجاهدي وسط آسيا، ومن ثَمَّ تولَّى علاجهم في المستشفيات التركية على نفقة الأتراك.

اقرأ أيضًا: إشكالية إعادة المقاتلين الإرهابيين الأجانب إلى أوطانهم

طموحات أنقرة

يُذكر أنه في عام 2014، تلقَّى أبو صالح، أمير كتيبة التوحيد والجهاد، إصابة خطيرة في عينه خلال مواجهة مسلحة مع قوات النظام السوري، وما كان من النظام التركي إلا أن استقبل الرجل؛ لعلاجه داخل تركيا. كما أن هناك سببًا ثالثًا لحالة الوئام السائدة بين المتطرفين ونظام أردوغان، وهو استمرار تأثير البنية اللوجستية لحزب التركستان الإسلامي على مهاجري الإيغور في تركيا؛ وهو الذي يتمتع بتمويلات لا بأس بها، يتبرع بها بعض رجال الأعمال المهاجرين هناك، والأمر لا يخلو من مغازلة أردوغان لهؤلاء الناس مثلما قال: “إن إقليم تركمنستان ليس مجرد وطن للأتراك؛ لكنه كان ولا يزال مهد التاريخ والحضارة والثقافة التركية”.

وكما هو معروف للجميع، فإن تركيا تقوم باستخدام جبهة التحرير الوطني لأغراض مختلفة؛ من بينها مواجهة نظام الأسد في سوريا، إضافة إلى رغبتها في قتال وحدات حماية الشعب الكردية المسلحة على الحدود الفاصلة مع سوريا، كما أذاعت الوكالات بعض التقارير المثيرة في نوفمبر  2018، تتحدَّث عن استدعاء تركيا أعضاء منتمين إلى جبهة التحرير الوطني؛ حيث كانت ترغب في تجهيزهم للقتال ضد وحدات حماية الشعب، وقد حدث بالفعل ما خططت له أنقرة. فنحن على الأقل نتذكر عملية (غصن الزيتون) التي شاركت فيها الجبهة لتحرير عفرين من الجماعات الكردية، وذلك بين فبراير ومارس من العام نفسه.

من جانب آخر، هناك جماعات أخرى متمردة تحيط بجبهة التحرير الوطني؛ منها أحرار الشام وجماعة نور الدين زنكي. ولا يغيب عن البال الأعداد الغفيرة من المقاتلين الذين يخضعون الآن لأمر الجبهة؛ حيث يبلغ عددهم 100 ألف مقاتل، ثُلثهم تربطهم صلات بتنظيم القاعدة وجماعة الإخوان المسلمين. وحسب تقارير موقع “ديلي بيست” الإخباري، ووكالة الاستخبارات التركية (إم آي تي)، فإن هؤلاء الناس متورطون بشدة مع الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة؛ ما جعل من السهل على أي من المنتمين إلى الجماعات المدعومة من القاعدة الانتقال بسلاسة إلى جبهة التحرير الوطني؛ لسبب بسيط هو عدم وجود اختلافات أيديولوجية جوهرية بين هذه الأطراف. ومن بين هذه الجماعات: حزب تركستان الإسلامي، وكتيبة التوحيد والجهاد، وكتيبة الإمام البخاري.

اقرأ أيضًا: ترجمات: ما مدى خطورة التطرف الديني في تركمانستان؟

وهناك بعض العقبات التي تقف أمام طموح أنقرة في شمال سوريا، وهي التي ترغب في إنشاء حكم ذاتي خاضع لحمايتها هناك.. من بين هذه العقبات هيئة تحرير الشام، التي تخوض حربًا جهادية ضد نظام بشار وروسيا وإيران في الوقت نفسه، وبسبب الطباع العنيدة التي حكمت قادة الجماعة المتوالين؛ فإنها نجحت في أن تجلب لنفسها كثيرًا من العداوات في المنطقة، خصوصًا حالة التوتر الدائم بين الجماعات الجهادية الموالية لتركيا وهيئة تحرير الشام، وهو ما يمكن أن يقود جبهة التحرير الوطني إلى الدخول في صدام عنيف معها في أي وقت.

فخ إدلب

توجد حالة من نقص الموارد تعانيها الجماعات الجهادية الموالية لتركيا؛ فالتمويل الذي كان يصب في اتجاه كلٍّ من كتيبة التوحيد والجهاد وكتيبة الإمام البخاري وحزب التركستان الإسلامي أوشك على التوقف، والرعاة العرب الذين أسهموا في دعم هذه الجماعات قد خفَّضوا من سيل التمويلات المتدفقة إلى هناك، كما توقف تدفُّق المقاتلين القوقاز والجهاديين القادمين من وسط آسيا بشكل شبه نهائي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالتجنيد الذي كان يتم في السابق للمهاجرين في روسيا وإقليم زينجيانج الصيني قد توقف تمامًا. وفي هذه الحالة لن يجد الهاربون من جبهات القتال في سوريا ملاذًا آمنًا كما كانت عليه الحال، وهو ما يعني أنهم سيبدؤون في التفكير في التوجه نحو الغرب عاجلًا أو آجلًا.

بوتين وأردوغان

ربما يعاني الجهاديون القادمون من وسط آسيا الآن الوقوع في فخ إدلب؛ حيث يقوم كلٌّ من جبهة التحرير الوطني والقوات الخاصة التركية بتطويقهم والتضييق عليهم، فهم محاصرون من الأمام ومن الخلف؛ مرة من خلال الهجمات المتواصلة من نظام الأسد والميليشيات الشيعية والطيران الروسي، ومرة بالصدام مع تنظيم داعش الذي يطلقون على أعضائه لقب الخوارج.

اقرأ أيضًا: تركيا والدواعش.. الطريق إلى “دولة الخلافة”

تركيا تغازل تنظيم القاعدة

ماذا يحتاج استمرار فروع تنظيم القاعدة التي تتكون من مجاهدين قادمين من وسط آسيا للبقاء في سوريا؟ إنه مرهون بأطراف عدة؛ فردود الأفعال المستقبلية التي سيتخذها اللاعبون الدوليون في المنطقة ستحدد مستقبل هذه الجماعات هناك، وهي لعبة ثلاثية يتبادل فيها كلٌّ من تركيا وروسيا وإيران الأدوار؛ لكن على خلفية المشهد في إدلب، وهم يدركون على أية حال أن مذكرة سوتشي ما هي إلا وضع مؤقت؛ وهو ما حاول كلٌّ من موسكو وأنقرة الإشارة إليه أكثر من مرة، أي من خلال تأكيد ضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة السورية؛ لكن بالنسبة إلى سوريا بشار فإن اتفاق إدلب كان يمثل حلًّا لابد منه، لأن بشار الأسد يرغب في فرصة لتجميع قواه، وسيحاول عاجلًا أو آجلًا تطويق آخر معاقل المعارضة السورية، باستخدام القوة العسكرية بالطبع.

هكذا جَرَت الاستراتيجية التركية لحماية حدودها مع سوريا؛ فالأمر بالنسبة إلى أنقرة يتخطَّى الرغبة في حماية إدلب إلى حماية حدودها مع سوريا، ولكي تنجح في ذلك وجدت أن عليها التحالف مع الجهاديين هناك، لكن التاريخ لا يرحم، والمخاوف من تكرار سيناريو أمريكا والأفغان قائمة، وجميعنا يتذكر ما حدث في 11 سبتمبر؛ لأن التحالف مع منظمات إرهابية سُنية لتحقيق مكاسب وقتية يشبه اللعب بالنار، ويمكن أن يقود إلى نتائج مأساوية؛ مثل ثورات دينية وسياسية يمكن أن تطول وسط آسيا مثلما ستهدد منطقة الشرق الأوسط.


  باحث ودبلوماسي قرغيزي، دكتوراه في العلوم السياسية وخبير في دراسات الإسلام السياسي

المصدر: مودرن ديبلوماسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة