الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

طفيليات العصر الحديث.. Parasite

كيوبوست- عبيد التميمي

فيلم “Parasite” من كتابة وإخراج الكوري بونغ جون هو، أحد أنجح أفلام عام 2019 ومرشح لعدة جوائز أوسكار؛ أهمها جائزة أفضل فيلم وأفضل فيلم أجنبي وأفضل مخرج، كما حصل الفيلم على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي. يتحدث الفيلم عن عائلة مكونة من أربعة أفراد يحاولون شق طريقهم بالاحتيال؛ للحصول على وظائف عند عائلة ثرية للغاية.

تابعت سابقًا فيلمَين للمخرج والكاتب بونغ جون هو، كان أولهما فيلم الأكشن الرائع “Snowpiercer“، والفيلم الآخر هو “Okja” الذي تم إنتاجه من قِبَل “نيتفليكس”، وحتى مع اختلاف قصصهما بشكل كامل؛ إلا أن الثيمات التي كان يناقشها الفيلمان لم تختلف بشكل كبير؛ فهي تناقش أمورًا حساسة كالطبقية، وآثار التغيُّر المناخي، وبدرجة أقل الأواصر العائلية والإنسانية.

اقرأ أيضًا: فيلم 1917 .. سباق مع الزمن

استطاع هذان الفيلمان توظيف هذه الثيمات في قوالب جذابة ومثيرة للاهتمام لا تعطي المشاهد أية فرصة للشعور بالملل. ولم تختلف الحال في “باراسايت”؛ حيث استمر المخرج في مناقشة نفس الثيمات بقصة جديدة، لكن هذه المرة يعالج الموضوع بسيناريو كوميدي أخّاذ، نص يبدأ بشكل سريع ويستمر في التسارع حتى مشارف النهاية.

مشهد من الفيلم

إن هذه المقدرة المذهلة على مناقشة نفس الثيمات تحت أكثر من مظلة وبنفس الفاعلية هي ما تجعل المخرج أحد أهم صناع الأفلام في عصرنا الحالي؛ فهو برفقة الفرنسي ديني فيلنوف، من القلة القادرين على التنويع بين القصص المسرودة بشكل جذري دون فقدان هويتهم في أثناء ذلك، ودون خسارة لمستهم الخاصة.

الأمر الذي يجمع هذه الأفلام هو أنها ممتعة ومسلية فعلًا، وحتى لو لم تبدِ كمشاهد أي اهتمام برسائلها الجدية للغاية، فهذا لا يمنعك من متابعة رحلة الشخصيات فيها بكل شغف، سواءً أكان ذلك ثورة الطبقات الدنيا في فيلم “Snowpiercer”، أم القيام بالمستحيل لأجل إنقاذ صديق طفولة كما كانت الحال في فيلم “Okja”، أم إنشاء خطة محكمة التفاصيل تكون نتيجتها توظيف جميع أفراد العائلة عند نفس صاحب العمل دون علمه. والكوميديا الذكية في الفيلم عززت من جانب المتعة، وفي الوقت نفسه لم تؤثر إطلاقًا على رسائل الفيلم حول التفرقة الطبقية، وكان التذكير بهذا الأمر مستمرًّا طوال مدة عرض الفيلم من خلال الحبكة وتطورها أو عن طريق الرمزية المستخدمة في تصوير الفيلم.

مشهد من الفيلم

في المشاهدة الأولى هو فيلم خلّاب بكل معنى الكلمة، مليء باللقطات الرائعة والخاطفة للأنفاس، ودون شك هو أحد أفضل أفلام العام تصويرًا؛ لكن مع مشاهدات أخرى ومتابعة تحليل النقاد تتضح الرمزية التي كان يهدف إليها الفيلم، ويتضح أن كل لقطة وكل كادر وكل زاوية تصوير كانت ترمز إلى رسالة مبطنة، إلى معنى يعزز أفكار الفيلم الأساسية.

الأداءات التمثيلية كانت ممتازة دون أي استثناء، ومتوافقة مع ما تطلبه النص من كوميديا ودراما وجنون. لم يكن هناك مشهد لاحظنا فيه انعدام توافق بين ممثل وما يمليه عليه النص، مع أن ذلك كان ممكنًا للغاية في ظل وجود نص يتطلب من الممثلين تقديم مشاهد فيها من المبالغة والتطرف الكثير.

اقرأ أيضًا: في “Angel Has Fallen” روسيا بريئة من محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي

عُرف المخرج مؤخرًا بأفلام ذات نسق سريع؛ لكن حتى مع أكثرها عنفًا ودموية لم يكن النسق السريع حادًّا كبقية أفلام الأكشن والعنف؛ بل هناك إيقاع واضح لهذه السرعة، فترات استراحة للشخصيات، وفي بعض الأحيان مونتاجات تختصر فترات زمنية بشكل سلس، ولا تبدو هذه المونتاجات كمجهود مخرج/ كاتب كسول؛ لكن كضرورة تفرض نفسها كأفضل خيار سردي متاح.

كما عُرف بتحولاته المفاجئة في الثلث الأخير من النص، وهو ما يحصل هنا بطبيعة الحال؛ لكن في أغلب الأفلام التي شاهدتها حينما تحصل تحولات بهذه الجرأة والمفاجأة تتشتت الجهود المبذولة في الفيلم ويظهر التحول كجزئية شاذة عن بقية أجزاء الفيلم المترابطة بإحكام. وحتى يتفادى المخرج هذه النتيجة استمر في التمهيد للتحول المعني بشكل تدريجي؛ حتى أصبح مبررًا بالكامل، بل وأصبح النقطة المنطقية التالية في النص.

مشهد من الفيلم

التفرقة الطبقية هي الثيمة الأساسية للفيلم؛ لكن المخرج لم يحاول تفضيل طبقة على الأخرى، أو بالأحرى لم يجعل من إحدى الطبقات هي الخير والطبقة الأخرى الشر الخالص؛ لكنه أظهر جميع هذه الطبقات بشكل محايد، وأظهر كيف كل طبقة كانت تحاول النجاة على حساب الطبقة الأخرى.. الكل يحارب لأجل نجاته، الكل يحاول الوصول إلى بر النجاة مع أفراد عائلته، بغض النظر عن بقية أفراد المجتمع، مهما كانت ظروفهم قاسية وغير عادلة.

اقرأ أيضًا: Once upon a time in Hollywood.. عندما يجتمع الكبار في فيلم واحد

نحن أمام عمل متكامل من جميع الزوايا، مكتوب بطريقة ذكية؛ حيث إن رسالته في جوهرها كئيبة، لكن الكوميديا السوداء تلطِّف من الجو العام للفيلم دون التضحية بالرسالة. والتصوير البديع ليس بديعًا لهدف فني بحت؛ بل لأجل دعم فكرة الفيلم. والطاقم التمثيلي يقوم بعمله على أكمل وجه، ويقترب الممثلون من بقعة الضوء أو يتراجعون عنها بناءً على ما يتطلبه النص. لا عجب أن هذا الفيلم استطاع الحصول على السعفة الذهبية في مهرجان كان، ومن حقه أن يحصل على جائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار القادم.

إيميل الكاتب: [email protected]

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة