الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

طريق الموت..رحلة الهجرة غير الشرعية من إثيوبيا للسعودية

إنه طريق الهجرة الأكثر أهمية في شرق إفريقيا؛ حيث يسافر عبره عدد يتجاوز بعشر مرات عدد أولئك الذين يقطعون طريق البحر الأبيض المتوسط بالنسبة إلى مئات الآلاف من الإثيوبيين، فهو طريق طويل وخطير ومستحيل.

كيوبوست

بعد ساعات من المشي على صخور البازلت، يتعثر “عبده” خلال مشيه بزجاجة بلاستيكية. تحت ضوء القمر يمكنك أن تشاهد المئات من تلك الزجاجات على سفح الجبل.. يقول مرافقنا في هذه الرحلة: “إذا كنت تريد معرفة عدد المهاجرين الذين عبروا من هنا، فاحسب عدد زجاجات المياه القديمة على هذا الطريق”.

في هذه الجبال التي تمثل الحدود بين إثيوبيا وجيبوتي، يعيش الشباب الإثيوبي كارثة بيئية واقتصادية وسياسية تدفع مئات الآلاف منهم إلى ترك منازلهم كل عام؛ إنهم يفرون من قراهم التي يتنازع فيها أصحاب النفوذ، للسيطرة على الأراضي الزراعية، ثم يدخلون إلى جيبوتي مشيًا على الأقدام، متجاوزين موظفي الجمارك في مركز غالافي الحدودي، عبر مرتفعات الجبال البركانية.

يتصبب المهاجرون عرقًا تحت الشمس الحارقة، يقول أحدهم: “لقد أخذوا كل شيء منَّا!”، إنه مسيحي مثل معظم هؤلاء الناس غير المحظوظين الموجودين هنا، وعنقه محاط بصليب خشبي سميك. لدى هؤلاء المهاجرين هاجس واحد فقط هو الهروب من البؤس نحو المملكة العربية السعودية.

مهاجرون بانتظار مراكب تقلهم إلى اليمن- وكالة ميوب

جشع المهربين

يقترب رجل بصوت هادئ من هذه المجموعة، إنه لوسيان الذي عمل كمهرب في جيبوتي لسنوات، إنه يعرف بعض أسرار هذا الطريق.. في شاحنته المغطاة كان ينقل العشرات من المهاجرين كل يوم، ويصطحب معه دائمًا حزمة من التذاكر الوهمية، في حال مروره على نقاط تفتيش.

رِؤوس شبكة التهريب هذه إثيوبيون يعيشون في المملكة العربية السعودية؛ إنهم يجمعون المال من العائلات ويدفعونه لوسطاء التهريب. يقول لوسيان: “في كل مرحلة، يلتقي المهربون المحليون مجموعةً من المهاجرين مع قائمة بأسمائهم؛ للتأكد من عدم نسيان أي شخص”.

يبدو هؤلاء الأشخاص في بعض الأحيان غير مدركي المخاطر التي سيواجهونها؛ إنهم يقضون ساعات داخل السيارة، لكن تنتظرهم ساعات أخرى من المشي المتواصل، كما يقول لوسيان.. الطريق طويل ويمتد إلى 2000 كيلومتر بين إثيوبيا والسعودية.

اقرأ أيضًا: السعودية.. مخاطر تهدِّد الذهب الأزرق في بلد الذهب الأسود (فيديوغراف)

يستغرق الأمر 6 أيام؛ لقطع الحدود والسير من جبال غالافي إلى أوبوك، على شواطئ البحر الأحمر، هذا الميناء الذي يصفه البعض بـ”بالمستعمرة البشعة”؛ حيث ينتشر فيه مختلف أنواع النفايات والقاذورات، فضلًا عن تكدس العاطلين وانتشار “القات”؛ هذه العشبة المنتشرة بشكل كبير هنا.

عندما تغرب الشمس، يسلك المهاجرون طريق الشمال، ويبدو على وجوههم القلق الشديد من المنفى، ينتظرون المهربين جالسين على الأرض في ضواحي فاتيهارو. يقول لوسيان: “هذه الزاوية من الأدغال محجوزة للأمهرية؛ لكل مجموعة عرقية مكانها وشبكتها ومهربوها”.

التسول ينتشر بين المهاجرين الإثيوبيين- وكالة ميوب

شمس حارقة

عندما تحين لحظة المغادرة، ومع هبوب رياح الشمال المحملة ببعض الغيوم، تنتظرنا مجموعة من الشباب تحمل لوحات كبيرة، يقودنا الطريق إلى شجرة جافة، وبجوار قنينة ماء فارغة ترقد جثة لسيدة تُدعى ماغديس (لقد ماتت قبل ثلاثين دقيقة)، كما يقول أحد رفاقها، ويضيف: “جئت من نفس قريتها، لم تكن متزوجة، كانت تسافر بمفردها. إنها الشمس التي قتلتها”، ربما لم تكن معتادة على المشي تحت حرارة الشمس لمسافات طويلة، لقد ماتت ماغديس بسبب الجفاف، كما يموت العشرات من المهاجرين على هذا الطريق كل يوم.

يقول لوسيان: “هؤلاء الأشخاص يأتون من إثيوبيا، وهم لا يعرفون شيئًا عن درجات الحرارة المرتفعة؛ لذا يموتون.. وهناك أيضًا عديد من حوادث السير التي تحدث مع السيارات المستخدمة لنقلهم، إذا لاحقك رجال الشرطة وأوشكوا على القبض عليك؛ فستعاقب بالسجن لمدة ثلاث سنوات، لذلك ينطلق السائق بأقصى سرعة؛ وهذا هو الخطر الأكبر.”

هؤلاء المهاجرون لم يروا البحر مطلقًا، وسرعان ما يصلون إلى المراكب الشراعية اليمنية التي يتسع كل منها إلى ثلاثمئة شخص تقريبًا، يتم إركابهم تحت صرخات المهربين الذين بالكاد يبلغون من العمر 16 عامًا.

يعلق لوسيان: “هنا، يتم دفع أجور الركوب بحساب عدد الرؤوس؛ لذلك يريد الجميع إركاب أكبر عدد ممكن من الناس. ولكن البحر لا يرحم، فكلما زاد العدد؛ فإن خطر الغرق يتزايد”. وحسب الأرقام، ففي كل عام يموت 200 مهاجر في مياه باب المندب.

فرحة الوصول إلى سواحل اليمن- وكالة ميوب

مخاطر البحر

تستغرق الرحلة ست ساعات إلى ساحل رأس العارة، التابع لمحافظة لحج اليمنية، في الطريق يمر المركب قرب ناقلة عملاقة في البحر الأحمر، هذا المضيق هو واحد من أكثر الطرق التجارية ازدحامًا في العالم.

يتشاجر بعض المهاجرين على المركب بسبب زجاجة من الماء؛ لكن المهرب يصرخ محذرًا إياهم من اختلال توازن المركب، ما قد يؤدي إلى غرق الجميع. وعند الوصول قد يلجأ بعض المهربين إلى ضرب أولئك المهاجرين، الذين يريدون النزول من المركب بسرعة كبيرة.. إنها خطواتهم الأولى على أرض اليمن، يصلِّي البعض شكرًا لله على سلامة الوصول، بينما يسارع البعض الآخر إلى غسل وجهه بالماء.

داخل سيارة رباعية الدفع، متوقفة على بُعد عشرة أمتار، هناك رجل يراقب المشهد، إنه أبو خليل -المدمن على الكحول والقات- لا أحد يعلم إن كان هو رقم واحد في هذه العصابة أو رقم اثنين.. المهربون كُثر؛ حيث تزدهر صناعة الهجرة على الساحل الجنوبي لليمن. لقد ازدهرت تلك الصناعة منذ اندلاع الأعمال القتالية في البلاد.. يقول أحدهم: “لا يمكن للحكومة أن تلاحقنا كما كان الوضع قبل الحرب”.

اقرأ أيضًا: لماذا تُهدِّد أنقرة والدوحة دول القرن الإفريقي؟

سوق للعبيد

فريق أبي خليل، قادر على نقل أكثر من 1000 مهاجر في الأسبوع، ويملك أبو خليل الشاطئ الخاص به؛ حيث يمكنك الاستمتاع بتناول التونة المشوية اللذيذة، وعديد من السيارات تصطف في مرابة؛ حيث يعيش مغامراته في التهريب والتي تتنوع بين تهريب الويسكي والبنزين والقات والبشر.

إنه أشبه بسوق للعبيد؛ لكنه ليس كذلك؛ في جيبوتي يقولون إن العبودية انتهت بعد الحرب العالمية الثانية، لكن طريق المهاجرين من إثيوبيا إلى المملكة العربية السعودية يشبه طريق العبيد السابق، وبالنسبة إلى البعض فمن الأفضل أن تكون عبدًا!

والسبب ببساطة، كما يقولون، أن “المهاجر غير الشرعي يدفع المال ويتعرض إلى الإيذاء، ويُقتل أحيانًا، في حين أن العبد، على الرغم من أنه كان يعتبر سلعة عادية، لم يتعرض يومًا إلى الإيذاء؛ لأن المشتري أراد دومًا الحفاظ على سلامته لجني أرباح أكبر”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

♦ هذا التقرير ملخص لوثائقي عُرض على قناة “Arte” الفرنسية- الألمانية يوم السبت 9 نوفمبر الجاري 2019.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة