الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

طرطوس مدينة عريقة مزجت الماضي والحاضر 

كيوبوست – سالي علي

 طرطوس؛ مدينة ساحلية عريقة ساحرة بتفاصيلها وآثارها وأبنيتها التاريخية؛ تحكي أمجاد الفينيقيين بحضارتهم وجميع الحضارات اللاحقة لهم، والتي تعتبر شاهداً حياً على عراقتها وحضارتها؛ بدءاً بالآثار الفينيقية والإغريقية والرومانية والبيزنطية والإسلامية.. هي مدينة تاريخية فينيقية اسمها القديم إنترادوس، وبالإنجليزية تورتوزا، وأصبح اسمها طرطوسا في العهد البيزنطي. أما العرب فقد أطلقوا عليها اسم طرطوس، تعد من أعرق المدن وأقدمها في سوريا؛ إذ كانت لها اليد العظمى في صنع الحضارة وتاريخ المنطقة، إضافةً إلى موقعها المميز على حوض البحر الأبيض المتوسط.

اقرأ أيضاً: المسجد الكبير في باريس.. إرث تاريخي لمسلمي فرنسا

تاريخ المدينة

يُقال إن إسكندر المقدوني قد فتح مدينة طرطوس القديمة ثم استولى عليها الرومان، وشغلها البيزنطيون خلال القرن العاشر الميلادي، وذلك قبل أن يحاصرها ريمون صنجيل الفرنجي، ويستولى عليها ليتخذها مقراً له في عام 1102، وفي عام 1152 احتلها نور الدين زنكي لمدة زمنية قصيرة، وبعد ذلك احتلها الملك بلدوين الثالث.

في عام 1188، حاصرها صلاح الدين الأيوبي؛ لكنه لم ينجح في الاستيلاء عليها، فقد تمكن الفرنجة من مقاومة الهجوم، ولكن استطاع بذات العام أن يحتلها.

لقطات من مدينة طرطوس القديمة

إنها مدينة متوسطية بامتياز، لها أهمية كبيرة من أيام الفرنجة؛ فهي قاعدة حربية مهمة ومرفأ رئيسي للتموين في شرق البحر المتوسط، أُقيمت فيها حضارات عديدة، وتحتوي على معالم تاريخية كبيرة؛ منها القلعة، وقد أُحيط بالمدينة سور كبير وتحصينات عالية، وفي عام 1276 احتل المماليك طرطوس بشكل نهائي.

كاتدرائية طرطوس والتاريخ المسيحي فيها

وهي الكنيسة الأولى والأقدم في تاريخ سوريا والعالم، والتي كُرست على اسم السيدة العذراء.

يُقال بين أبناء مدينة طرطوس كلام شعبي شائع وقديم بأن السيدة العذراء قد شاركت في بناء

الكاتدرائية، وهي لا تزال حتى الآن شامخة بحالة جيدة، وقد تحولت إلى متحف للمدينة يضم بداخله آثاراً للعهود والحضارات السورية المختلفة التي مرت على مدينة طرطوس.

الكنسية لها موضع تقدير كبير وقد أُطلق عليها ” كنيسة الحجاج” و”سيدة طرطوس”؛ حيث تعد من أهم الكنائس الأثرية المتأثرة بفن الأبنية الكنسية الرومية البيزنطية على الرغم من طابعها القوطي حالياً.

كاتدرائية طرطوس.. المتحف الوطني حالياً

تاريخ الكاتدرائية يشكل جزءاً مهماً من تاريخ المدينة؛ والتي يُقال عنها إن المسيحية قد دخلت باكراً  لطرطوس، أي في النصف الأول من القرن المسيحي الأول، وقد اعتنق شعبها المسيحية.

اقرأ أيضاً: نحنا والقيمرية جيران.. ماذا تعرف عن أقدم حي في دمشق؟

لقد زارها القديسان بطرس ولوقا وهما في طريقهما إلى اليونان وروما؛ حيث أقاما الذبيحة الإلهية في موقع الكنيسة،كما أنها تعتبر ثاني كنيسة في العالم قد بُنيت على اسم السيدة العذراء في بداية القرن الثاني من القرن المسيحي الأول.

إن كنيسة العذراء في طرطوس القديمة ككل الكنائس، ذات طابع فرنجي قوطي صليبي؛ وهي في الأصل كنائس بيزنطية رومية أرثوذكسية. لقد اضطهد الفرنجة الأرثوذكسيين خلال الاحتلال واستولوا على الكنائس الأرثوذكسية الأشهر وأعادوا بناءها بحلّة قوطية.

وفي عام 387 مسيحية، ضرب زلزال مدينة طرطوس؛ فهدم الكنيسة وما حولها، لكن المذبح مع أيقونة السيدة العذراء بقيا سالمَين وُصنِّف هذا الحدث بالأعجوبة.

الجهة الجنوبية من المتحف

أقسام الكاتدرائية من الداخل

تتألف من ثلاثة أروقة مقببة بقناطر نصف أسطوانية، وتمتد نحو الشرق برواق قصير المسافة ينفتح على صدر الكنيسة بعد قبة نصفية، وفي كل جانب من الأروقة الجانبية نافذة تنير صحن الكنيسة المركزي؛ من الشرق نافذة المحارب، ومن الغرب ثلاث نوافذ، وأثناء احتلال الفرنجة للمدينة قاموا بتقسيمها إلى قسمَين: القسم الأول هو المدينة الأسقفية؛ حيث يعيش فيها الناس ويمارسون حياتهم اليومية، ويحيط بها سور يمتد من الباب الشمالي للمدينة ويتجه شرقاً حتى المجمع، ثم ينحرف جنوباً ليصل إلى الساحة، ثم ينحرف نحو الغرب ليصل إلى الطاحون، يحيط بهذا السور عند البحر خندق عميق عريض، وتعتبر الكاتدرائية مركز القسم الأول.

أما القسم الثاني من المدينة فهو القلعة أو حصن الهيكليين؛ وهو ذات الموقع الذي يُقال عنه اليوم المدينة القديمة.. كانت محاطة بالسور المزدوج والخندق الممتلئ بالمياه؛ وذلك للحماية، وضمن هذا الحصن عاش فرسان الهيكل؛ فقد كان حصنهم المنيع والدرع التي تقيهم من الهجمات لاسترداد المدينة.

بعض الآثار في بهو المتحف

عن تحوُّل الكاتدرائية إلى جامع في فترة الاحتلال العثماني

بعد أن احتلها العثمانيون في عام 1851، تحولت إلى جامع وأُضيفت إليها مئذنة، ثم عسكر فيها الجيش العثماني وجعلها ثكنة، وفي عام 1920 جاء الانتداب الفرنسي على سوريا؛ مما أدى إلى إلحاق الكاتدرائية ضمن مصلحة الآثار السورية في عام 1922، بسبب تحويل العثمانيين الكنيسة إلى جامع؛ حيث تقول الشريعة إنه لا يجوز إعادة الكنيسة إلى حالتها الأصلية بعد أن تحولت إلى جامع وصلوا فيها، ووفقاً لهذا وحتى لا تظهر النزاعات الدينية بين المسيحيين والمسلمين؛ اتُّخذ قرار بأن تتحول الكنيسة إلى متحف وطني في عام 1956 في زمن رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي؛ حتى لا تنشأ فتنة دينية بالمدينة.

الجهة الشمالية من المتحف

المتحف الوطني بالمدينة.. الكاتدرائية سابقاً

يعتبر من أجمل المتاحف في الشرق، يضم العديد من الآثار المسيحية الرومية وبعضاً من آثار عمريت وأخرى من آثار فينيقية، ورومانية، وبيزنطية، وهلنستية وإسلامية.

ومن أهم هذه المقتنيات: مسلة الإله بعل، والناووس الروماني الضخم، وتمثال الإله باخوس إله الخمر، وتمثال ربة النصر، وتوابيت حجرية من المرمر إنسانية الشكل، وتابوت بازلتي إنساني الشكل فريد من نوعه في العالم، وثلاث خزائن مليئة بالمقتنيات الأثرية والأواني الفخارية.

اقرأ أيضاً:  آيا صوفيا: متحف أم كنيسة أم مسجد؟

وتحيطه من الجهة الشرقية ساحة كبيرة نشأت بها مقاهٍ شعبية مجتمعةً تأتيها الناس للاستجمام بطبيعة المكان المكتظ بأشجار السنديان الشامخة، وأشجاز الزنزرخت تحيطه من كل الجوانب، مع عظمة البناء الناطق بتاريخه من حجارته.

أحد أصحاب المحلات في الساحة أثناء ممارسة مهنته

 أحد قاطني المدينة القدماء، عبدالرزاق حمزة، أخبرنا عن تفاصيل المدينة وكيف من حولها تتوزع المقاهي الشعبية التي يقدم إليها الرجال لتمضية الوقت معاً في لعب طاولة الزهر والمنقلة والحصول على المشاريب الساخنة والباردة في الصيف والشتاء، وكيف تتوزع على الأطراف المحلات ذات الأبواب الخشبية واللافتات القديمة ذات الخط اليدوي القديم.. من بائعي الفطائر كمحل التنبوك الذي يقع في بداية الساحة الغربية من الجهة الشمالية، إلى بائع مستلزمات الدهان في وسط الساحة بالقرب من مسجد أبوبكر الصديق، إلى مُصلح الأواني والفخار وكراسي الخشب من الجهة الشرقية الشمالية للساحة.

مقاهٍ شعبية في ساحة المدينة القديمة

عن بائع العصير الذي يتوسط بعربته شرق الساحة بالقرب من مدخل الكنيسة المهجورة، وعن بائع الفول والمسبحة، للفطور الذي يكتظ بالناس بعد صلاة الجمعة بشكل خاص.. وعن بائعي الخضار والفواكه المتوزعين من الزوايا كافة.. إلى بائعي أدوات صيد السمك والتي هي الحرفة المهنية الأكثر انتشاراً بين سكانها.. فهم أبناء البحر يصطادون من خيره ويسترزقون قوتهم من بيع السمك في أسواقهم الممتدة من حول ساحة المدينة كاملةً.

لقطات من جوانب الحياة في المدينة القديمة

كما توجد ساحة صغيرة يلعب بها الأطفال بشكل مستمر، وتعلق في فترات الأعياد المراجيح للتسلية واللعب، وفي وسط الساحة الصغيرة يوجد باب الخندق الذي يصل إلى قلب سوق طرطوس الحديثة.. كانوا يستخدمونه في قديم الزمان للهروب وتسريب الطعام والأسلحة في زمن الاحتلال.

اقرأ أيضاً: الكنيسة البيزنطية.. كنز غزة التاريخي الذي يواجه الإهمال والضياع

تتميز المدينة عموماً بأبنيتها المتلاصقة وأزقتها الضيقة، بمداخلها المتصلة بعضها ببعض، مع بقايا لآثار الكنيسة البيزنطية في منتصف المدينة القديمة ودار للراهبات سابقاً، وذلك قبل أن يقطنها المسلمون ويبنون في داخل ساحتها الكبيرة مسجداً يُطلق عليه لقب “مسجد أبوبكر الصديق”، ومسجداً آخر يُطلق عليه لقب “مسجد البلدية”؛ يقع في الجهة الشمالية من ساحة المدينة القديمة.. كما تضم المدينة حماماً شعبياً قديماً له قبة دائرية مفرغة تحتوي بفراغاتها على أنابيب زجاجية تمتص بخار المياه وتحوله إلى الخارج؛ لكنه حالياً مغلق لا يُسمح بالدخول إليه.

لقد مرت على مدينة طرطوس حضارات متنوعة وديانات متعددة؛ جميعها معاً أسهم في تشكيل هوية معمارية تاريخية فريدة ومميزة جمعت ومزجت بين الحضارتَين الإسلامية والمسيحية منذ القدم وحتى الآن، فهي مدينة يسكنها المسلمون والمسيحيون في توافق إنساني جميل.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

سالي علي

كاتبة سورية

مقالات ذات صلة