الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةمجتمع

طبيب نفسي كندي: حقائق من شأنها أن تهدئ من روعك إزاء الموت

قد تكون الآلام الجسدية المألوفة أصعب من الموت!

مجلة “سايكولوجي توديه” الأمريكية- ترجمة كيوبوست 

الكثير من الناس يخشون معاناة “الألم الجسدي” المرافق للحظات الموت، لكن هنالك الكثير من الأشياء العقلانية التي يجب أن تقلقنا أكثر عندما نفكر في موتنا؛ ربما يكون أهمها القلق حول كيفية سير حياة أحبائنا الذين سيعيشون من دوننا، عاطفيًا وماديًا. في هذه المقالة، سنحاول استكشاف مخاوفنا العارية عن الصحة حول الموتـ بحسب أستاذ علم النفس في جامعة تورنتو الكندية، رالف لويس.

اقرأ أيضًا: أحدث الأبحاث العلمية تجيب: هل ثبت وجود حياة ما بعد الموت؟

في الحقيقة، ليس هنالك سبب للاعتقاد بأن العملية الفعلية للموت (خروج الروح من الجسد) أسوأ من الناحية البدنية من أي شعور جسدي آخر مررنا به من قبل. إلا أن الغالبية من الناس يتصورون أن عملية الموت تنطوي على ألم جسدي مرعب. وربما نشأت هذه المخاوف من الغموض الظاهري لعملية خروج الروح من الجسد، التي ينتج عنها تلاشي وانخماد وعينا بذاتنا.

المجتمع الغربي الحديث على وجه الخصوص لا يمتلك خبرات ثقافية أو فلسفية حول الموت لأن الناس لا يحبون الحديث في هذا الموضوع. بل أصبح المجتمع لا يتعامل مع الأجساد الميتة كما كان الحال من قبل، إذ أصبح يعمل على “إزالة الموتى” من على وجه الأرض بالسرعة القصوى دون التعامل مع فعاليات الموت كتنظيم الجنائز والدفن. يجري الاعتماد حاليًا على “متعهدي دفن الموتى” الذين يمارسون “التجهيز التجميلي” الفائق لإظهار الموتى بمظاهر أنيقة تشبه الأحياء. كما أن حظر مشاركة الأطفال في الجنازات والمقابر أدى إلى تنامي الشعور بالخوف من “عدم الإلمام” بالموت عند الكِبر.

لقد جعلتنا تجاربنا الحياتية مع الألم الجسدي أكثر تخوفًا بشأن “ألم الموت”، لكن آلامنا الروتينية نشأت عن الأضرار التي لحقت بأنسجتنا الحية في أجسادنا. وبما أن الموت يجسد تدميرًا نهائيًا لأنسجتنا الحية، فإننا نفترض تلقائيًا أن الموت تجربة مؤلمة. ولكن من الناحيتين الطبية والعقلانية، ليس هنالك سبب للاعتقاد بأن شدة الألم الناتجة عن أسباب الوفاة المختلفة أكبر من شدة الألم الناشئة عن الأمراض أو الإصابات التي سبق لنا أن واجهناها من قبل.

اقرأ أيضًا: علميًا: أين يذهب الإنسانُ بعد الوفاة؟

 

انقطاع الوعي بالذات

ماذا عن العملية التي تنهي إدراكنا بالوعي، وتوقف وجودنا الأساسي؟ بما أن الموت، من وجهة النظر البيولوجية، ينطوي على انطفاء وعينا بشكل كامل، فإن الميت لن “يشعر” بأي شيء، تمامًا مثل حالته التي لم “يشعر” بها قبل ولادته. وبالتالي، ليس هناك “أنت” لممارسة أي نوع من الشعور. وبصفتنا مخلوقات أنانية، قد يكون من الصعب علينا أن نتصور العالم بشكل مستقل عن وجودنا، وهذا ما يجعل الكثير من المفكرين يتخوفون من “غياب الإدراك بالعالم” أكثر من الألم الجسدي المفترض ما بعد الموت.

وفي هذا السياق، تذكرنا عالمة النفس التطوري جيسي بيرنغ: “فكر في الحقيقة المذهلة، لن تعرف أبدًا أنك ميت. قد تشعر أنك تنزلق بعيدًا، لكن الأمر ليس كما لو أن هناك “أنت”. وقد أثيرت هذه النقطة قبل 2300 عام من قبل الفيلسوف الإغريقي إبيكوروس، إذ كتب: “لماذا نخاف من الموت ونحن لا نستطيع إدراكه أو رؤيته أو حتى الشعور به أبدًا!”. وأقد أشار الفيلسوف العبقري إلى أن “حالة عدم الشعور بعد الموت هي الحالة نفسها التي كنا فيها قبل ولادتنا”.

اقرأ أيضًا: كيف نظرت الثقافات القديمة إلى الموت؟

وبالإضافة إلى التجربة الليلية للنوم، لا سيما النوم العميق الخالي من الأحلام، فإن العملية الفعلية لفقدان الوعي (الإغماء)، الناتج عن المرض أو الإصابة أو التخدير الكلي، هي تجربة مشابهة للموت، مررنا بها جميعًا. ولا يوجد سبب للاعتقاد بأن تجربة فقدان الوعي بشكل مؤقت تختلف عن تجربة فقدان الوعي بشكل دائم، من ناحية كيفية “الشعور” بالعملية الفعلية. علاوة على ذلك، قد يشعر الناس بأنهم يفقدون وعيهم إذا كان تدريجيًا، لكن لا أحد يشعر بفقدان الوعي ذاته، وليس هناك من يستطيع أن يشعر بشيء أثناء فقدان الوعي. وبالفعل، الناس الذين جرى إنعاشهم بعد “موتهم” سريريًا لبضع دقائق، لم يستطيعوا وصف تجربتهم الذاتية لفقدان الوعي.

ولذلك، فإن الاعتقاد السائد بأن عملية الموت تؤدي إلى شعور غريب عن تجربة الإنسان الحي هو خاطئ تمامًا. بمجرد أن يموت المرء بالفعل، فإنه لا يشعر بأي شيء على الإطلاق؛ فليس هنالك “أنت” كي تمارس الشعور.

 

التعامل مع “المشكلة” بصورة مباشرة

قد يشكل وعي المرء بنسب الوفيات المرتفعة كل يوم تحديًا عميقًا لصورته الذاتية، المبنية على الاعتقاد بـ”إنني مهم ولا غنى عني، وأنا كيان مستقل عن الكون”. وربما يمنحنا هذا شعورًا بالنفور من “فرصة العيش في الحياة”.

اقرأ أيضًا: اكتشاف علامة جديدة تنذر بالموت المبكر

وفي الوقت ذاته، قد يمنحنا ذلك شعورًا محفزًا لعيش الحياة على أكمل وجه، دون تضييع أيامنا بعيدًا عن أحبائنا. يقول الطبيب النفسي غيرفين يالوم في كتابه “التحديق في الشمس: التغلب على رعب الموت”: “عندما تدرك أن القدر سيمحو تجاربك في يوم، فعليك أن تعرف كيف تقدر الحياة، وتشعر بشفقة على الآخرين، وتحب الأشياء بعمق”. ينبغي أن تذكرنا معدلات الوفيات بالحاجة الملحة إلى العيش في اللحظة الراهنة، وأن نتشارك حياة كاملة مع المحيطين بنا، فعندما يأتي الموت لنا، سيجدنا بين الأحياء.

 

المصدر: مجلة “سايكولوجي توديه” الأمريكية  

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة