الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمجتمع

“طبول وإنشاد”… أهازيج وإيقاعات السحور في السودان

الثلث الأخير من رمضان هو الأكثر سحراً وبهاءً حيث تنشد أهازيج لوداع الشهر الكريم والتعبير عن الشوق لمقدمه العام المقبل

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

على إيقاعات الطبول وأصوات المزامير، ما تزال مفارز صغيرة من الشباب تجوب أزقة الحواري الشعبية في المدن السودانية المختلفة، تخترق هدوء الثلث الأخير من الليالي الرمضانية، وهي تنشد:

“شهر الصيام هلّا يا ناس الله

في كتاب الله، يا ناس الله

يا صايم يرعاك الله

يا فاطر يهديك الله

قوم اتسحر

خاف الله”.

إنها فرق المُسحراتية الشباب التي حلَّت مكان المسحراتي الفرد الذي اختفى إلاّ استثناءً، وفي حالاتٍ نادرة.

اقرأ أيضاً: رمضان حزين في السودان.. والتقاليد الرمضانية على حافة الانهيار!

تغييرات جذرية

منذ عقودٍ خلَت، ومع تطور وسائل الاتصالات، وانتشار الهواتف المحمولة، وانتشار ظاهرة السهر إلى الساعات الأولى من الفجر، بدأت ظاهرة المسحراتية في التلاشي رويداً رويداً، حتى كادت تختفي تماماً، خاصة في الأحياء التي تسكنها الطبقات الأكثر ثراء أو المتوسطة، حيث يمتلك الجميع هواتف محمولة تساعدهم على ضبط المنبهات على أوقات الإمساك، ومواقيت السحور والصلاة، فلا حاجة للمسحراتي إذاً.

الطرق الصوفية المساهم الأكبر في استمرار وجود المسحراتي- وكالات

لكن معظم الأحياء الشعبية بالمدن السودانية احتفظت بالمسحراتي، ولم تكتف بذلك، إذ حولته من ظاهرةٍ فردية إلى جماعية، بحيث يشكِّل ما بين ثلاثة إلى خمسة من الشبان فرقة للمسحراتية خاصة بهم، ويطورون أهازيج وأناشيد ومدائح نبوية مختلفة عن سابقاتها التي كانت تتوسل عبارات قصيرة يستخدمها المسحراتي الفرد، مثل “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”، “يا صايم رمضان قوم اتسحر”.

اقرأ أيضاً: العصيدة والحلو مر يتسيدان المائدة الرمضانية السودانية

فرق موسيقية مُصغرة

الآن لم تعد الأمور كما هي، كما لم يعد المسحراتي كما هو، فبجانب الطبول والدفوف التي تُشكِّل أساس الأدوات الإيقاعية التي تستخدمها فرق المسحراتية في السودان، أدخلت فرق المسحراتية الجديدة بعض الآلات الايقاعية الأخرى وآلات النفخ، مثل “الكشكوش/ المثلث” والساكسيفون والمزامير، لتصبح أشبه بالفرقة الموسيقية المصغرة، كما طورت كلمات الأناشيد المستخدمة وألحانها.

وتخصص تلك الفرق الثلث الأول من شهر رمضان، للترحيب بمقدم الشهر الكريم وحثّ الناس على الاحتفاء به والحرص على صيامه وقيامه، عبر الأهزوجة الشهير “شهر الصيام هلا ياناس الله”.

مجموعة شبابية من المسحراتية تجوب الأحياء الشعبية- وكالات

فيما تمضي أهازيج الثلث الثاني بوتيرةٍ تتراوح بين الإنشاد والمدائح النبوية التقليدية الخاصة بالطرق الصوفية المختلفة المنتشرة في كل مكان بالسودان، مثل:

وصلاة الليل مسافتها فاذهب فيها بالفهم وجِي

وتأملها ومعانيها، تأتِ الفردوس وتفترج

واشرب تسنيمَ مُفَجِرِهَا لا ممتزجاً وبِمُمْتَزِجِ

مُدح العقل الآتيه هدى وهوى متون عنه هجي

وكتاب الله رياضته لعقول الناس بمندرج

يا رب بهم وبآلهم عجل بالنصر وبالفرج.

مع ترديد بعض العبارات التقليدية بين الفينة والأخرى، مثل  “يا صايم وحد الدائم، وصايم قوم اتسحر”.

اقرأ أيضاً: “الضرا” أو إفطار الشوارع.. تقليد رمضاني عريق في السودان

أناشيد الوداع

ربما الثلث الأخير من رمضان، هو الأكثر سحراً وبهاءً، حيث تبذل خلال فرق المسحراتية خلاصة جهودها في الإنشاد والتطبيل، وتُخصص له أنشودة للوداع والتعبير عن الشوق لمقدمه في العام المقبل:

“شهر الصيام أوحشتنا

من بعد ما عودتنا”.

فيما يتغنى بعضهم: 

رَمَضَـانُ دَمْعِـيْ لِلْفِرَاقِ يَسِيْلُ

وَالْقَلْبُ مِنْ أَلَمِ الْـوَدَاعِ هَـزِيْلُ

رَمَضَـانُ إِنَّكَ سَـيِّدٌ وَمُهَـذَّبٌ

وَضِيَـاءُ وَجْهِـكَ يَا عَزِيْزُ جَلِيْلُ

فرقة شبابية سودانية تؤدي أناشيد دينية- وكالات

المسحراتي الأخير

رغم كل ذلك، فإن الواقع الماثل يشير إلى انحسارٍ كبير في ظاهرة المسحراتي، فلم يعد كثيرون يعيرونها اهتماماً أو يحتفون بوجودها، فيما يفضل آخرون الإبقاء عليها كموروثٍ تقليدي ينبغي الحفاظ عليه وعدم التفريط فيه، والعمل على استلهامه في المناسبات العامة، باعتباره تراثاً قومياً تاريخياً، وليس لأنه يؤدي وظيفة مهمة في وقتنا الراهن.

اقرأ أيضاً: ليالي رمضانية.. طلع البدر علينا

خالدة ود المدني

هكذا علقت خالدة ود المدني على ما أسمتها ظاهرة انحسار وتلاشي المسحراتي كجزءٍ من تقاليد رمضان بالسودان، وأضافت الكاتبة الصحفية في حديثها لـ”كيوبوست”، حاول المشتغلون في هذا الحقل (المسحراتية)، تطوير أدواتهم ومواكبة العصر، وبذلوا في ذلك جهوداً مقدَّرة على مستويين، بتطوير النص الشعري المستخدم في الأهازيج وتقديمه في قالب لحني يتسق مع روح العصر، وإدخال المزيد من الآلات الموسيقية والإيقاعية في أناشيد السحور، لكن رغم ذلك فإن تطور الحياة وسيرورتها لن يدعا المسحراتي وشأنه، خاصة وأن وظيفته صارت غير متسقة مع سياقات العصر الأمر الذي يهدد وجودها من أساسه، وربما نشهده قريباً وقد تحول إلى تطبيقٍ على الهواتف الجوالة، بحسب ود المدني.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة