الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

طاقة المستقبل ليست نووية

كيوبوست- ترجمات

سيرهي بولخي♦

بدأت العديد من الدول الأوروبية بالتفكير مجدداً في الطاقة النووية كبديل عن الغاز الروسي؛ مما دفع العديد من المراقبين إلى التحذير من الأخطار الهائلة التي قد تنجم عن محطات الطاقة النووية. وقد نشرت صحيفة “الغارديان” مقالاً حول أخطار هذه المحطات ومستقبل الطاقة في العالم.

يستذكر الكاتب بعض الأحداث التي هزت العالم؛ ابتداءً من الكارثة الوشيكة التي كادت تقع في مفاعل “ويندسكيل” البريطاني في عام 1957، عندما نشب حريق أدى إلى تسرب إشعاعي ذهب ضحيته 32 شخصاً وأُصيب أكثر من 230 آخرين بالسرطان. ثم يشير إلى حادثة الانهيار الجزئي الذي حدث في عام 1979 في محطة “ثري مايلز آيلاند” في بنسلفانيا الذي أدى إلى إخلاء 140,000 شخص من سكان المناطق المحيطة به، وإلى الانفجار الكارثي في محطة “تشيرنوبيل” عام 1986، وأخيراً إلى تسونامي 2011 الذي ضرب سواحل اليابان، وأدى إلى انقطاع الكهرباء عن محطة “فوكوشيما” وانهيار ثلاثة من مفاعلاتها.

في الواقع بدأت دول أوروبا بالتفكير بالعودة إلى الطاقة النووية قبل الأزمة الأوكرانية؛ حيث أعلن الرئيس الفرنسي ماكرون، قبل أسابيع قليلة من بدء الحرب، برنامجاً فرنسياً لبناء 14 مفاعلاً نووياً جديداً، واتخذت بلجيكا المجاورة قراراً بتمديد العمل في اثنين من مفاعلاتها النووية لمدة عشر سنوات إضافية، بعد أن كانت تخطط للتخلص من كل مفاعلاتها النووية بحلول عام 2025. وفي المملكة المتحدة، أعلن رئيس الوزراء بوريس جونسون، أن مفاعل “كالدر هول” سيصبح قادراً على توفير ربع احتياجات البلاد من الكهرباء بحلول عام 2050.

اقرأ أيضاً: العالم على موعد مع تحول في قطاع الطاقة.. فكيف ستتأثر حياتنا بذلك؟

في الظاهر، يبدو التوجه نحو الطاقة النووية منطقياً؛ فهو سيمكن الدول الأوروبية من تحقيق أهدافها في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وسيخلصها من التهديدات الروسية، ويسمح لها بالتوقف عن تمويل آلة الحرب الروسية؛ ولكن الحرب الأوكرانية قدمت تذكيراً مخيفاً بخطورة هذا الخيار عندما تسببت الآليات العسكرية الروسية في محيط محطة تشيرنوبل في ارتفاع حاد في معدل الإشعاع نتيجة لإثارة الغبار الملوث في المنطقة. وبعد أسبوع استيقظ العالم على أخبار مفزعة عن قصف روسي أشعل النار في أحد مباني محطة زابوريجيا النووية.

ويشير كاتب المقال إلى أن الخطر متأصل في المحطات النووية؛ ولكي يكون إنتاج الكهرباء من محطات نووية آمناً يجب أن يعمل كل شيء آخر في المجتمع بشكل مثالي، فالحروب والانهيارات الاقتصادية والعوامل البيئية وخطر الانشطار النووي؛ كلها تجعل من هذه المحطات أماكن محفوفة بالمخاطر.

التسونامي الذي ضرب شواطئ اليابان أدى إلى كارثة فوكوشيما- “الغارديان”

إن التطور التكنولوجي والتعاون الدولي المتزايد ومعايير الأمان الصارمة قد فعلت الكثير من أجل تجنب وقوع أي حادث نووي كبير منذ حادثة تشيرنوبيل قبل 25 عاماً. ولكن كارثة فوكوشيما أظهرت أن هذه التحسينات لم تقضِ على المخاطر المحيطة بمحطات الطاقة النووية، بالإضافة إلى مخاطر الإرهاب الدولي والهجمات السيبرانية والحروب التقليدية التي قد تستهدف هذه المحطات. والمشكلة الرئيسية في هذه المحطات تكمن في تصاميم مفاعلاتها التي تقوم على تصاميم نماذج عسكرية. وقد اقترح بيل غيتس، جيلاً جديداً من المفاعلات المعيارية الصغيرة، وتعمل شركة “تيرا باور” التابعة له حالياً، على مرحلة محاكاة الكمبيوتر لهذه المحطات؛ ولكنها لا تزال تحتاج إلى سنوات قبل أن ترى النور.

اقرأ أيضاً: قصف محطة “زابوريجيا” النووية في أوكرانيا يذكِّر العالم بكوارث نووية سابقة

وحتى لو أكمل المفاعل عمره الافتراضي دون أية حوادث؛ فهو سيترك وراءه كمية كبيرة من المخلفات المشعة والمواد الخطيرة التي تهدد الإنسان والبيئة لأجيال قادمة. والحل الوحيد المتاح الآن للتخلص من هذه النفايات هو تخزينها في مناجم عميقة تحت الأرض وإقفال هذه المناجم بالخرسانة؛ ولكن هذه المناجم ستبقى ملوثة لمدة 300 ألف عام مقبلة.

وهذا يتركنا أمام السؤال الكبير: إذا لم تكن الطاقة النووية خياراً آمناً للمستقبل، فما البديل؟ صحيح أن مصادر الطاقة المتجددة لا يمكنها سد الفجوة التي يملؤها الغاز الروسي؛ ولكن من المؤكد أن الاستثمارات الجديدة يجب ألا تذهب باتجاه تقنيات القرن العشرين التي عفَّى عليها الزمن، بل إلى تقنيات القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من أن الوقود الأحفوري لا يزال مصدراً لنحو 60% من كهرباء العالم؛ فإن مساهمة مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الكهرومائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية، أصبحت تمثل نحو 29%، وهي آخذة في النمو بشكل سريع.

ويخلص الكاتب إلى الإشارة إلى أنه في ظل الوضع الاقتصادي الحالي لا يمكن التخلي عن هذه المحطات؛ ولكن لا بد من الاعتناء الجيد بهذه المحطات ومنشآتها، كما يجب العمل على وضع معايير جديدة لحمايتها؛ ليس من الكوارث الطبيعية فقط، بل من الكوارث التي يصنعها البشر كالحروب أيضاً.

♦أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد

المصدر: الغارديان

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة