الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

ضابط بريطاني حذر الغرب من إعادة صنع الجماعات المتطرفة

يعتبر كروك أنه من خلال النزاع في سوريا وليبيا فإننا نشهد كيف يتخطى الغرب الحدود الدولية والقانون الدولي.. بغية تكوين مجموعات خاصة تدعم مساعيه في تغيير الأنظمة الحاكمة

كيوبوست

خلال السنوات الأولى لما يُسمى بـ”الربيع العربي”، في حلقةٍ من برنامج “رحلة في الذاكرة” الذي يُبث عبر قناة “روسيا اليوم”، ظهر رجل الاستخبارات البريطاني ألاستير كروك، متحدثاً عن تجربته المهنية كضابط في الاستخبارات البريطانية، بناءً على خبرته في التواصل مع الحركات الجهادية، محذراً من تكرار الولايات المتحدة والغرب ذات الأخطاء التي ارتكبوها في أفغانسان، في الدول التي وصلها الربيع العربي، دون التفكير في العواقب بعد الانتقام من خصومهم وتحقيق الأهداف المرحلية، ومن ثم ترك المشهد لسيطرة المتطرفين.

عن كروك

خلال الحلقة، التي بثّت في 2013، تم استعراض حياة ألاستير كروك المهنية، وخدمته 30 عاماً كضابط في الاستخبارات البريطانية، تنقل خلالها بين عدة بؤر؛ منها أيرلندا وأفغانستان وناميبيا وكولومبيا والشرق الأوسط، وهو أحد أبرز مَن عمل ضمن الدبلوماسية الموازية، التي تلجأ إليها الاستخبارات البريطانية في النزاعات التي تستحيل فيها الاتصالات الرسمية بأطراف النزاع.

بدأ كروك نشاطه الاستخباراتي عام 1975م، عندما تم إدخاله إلى دائرة المفاوضات السرية مع مقاتلي الجيش الجمهوري الأيرلندي الانفصالي، بعد ذلك تولى كروك عملية المفاوضات مع منظمة شعوب غرب إفريقيا في ناميبيا، خلال وجود القوات السوفييتية في أفغانستان، ثم أُرسل كروك إلى باكستان؛ حيث نظم الاتصالات مع “طالبان” والجماعات الإسلامية.

ألاستير كروك- the alt world

في أواخر التسعينيات من القرن العشرين، عيِّن كروك مستشاراً لشؤون الشرق الأوسط في ممثلية الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، والسياسة الأمنية، وكانت مهمته الأساسية إقامة اتصالات مع “حماس” والجهاد الإسلامي وغيرهما من الجماعات الفلسطينية المسلحة، وكان هو الشخص الوحيد الذي جرى من خلاله الاتصال بالجماعات التي لا تعترف بريطانيا بها رسمياً.

كذلك أسهم في إقامة اتصالات بين الجيش والمخابرات الإسرائيلية من جهة، والفلسطينيين من جهة أخرى. في عام 2003 تم استدعاؤه إلى الوطن؛ حيث أُحيل إلى التقاعد بعد حفل تكريم، وحينها أُشيعت أخبار أنه فقد ثقة رئيس الجمهورية طوني بلير؛ لعلاقته الوثيقة مع الحركات الإسلامية وتعاطفه معها.

محذراً أمريكا

وخلال وجوده في أفغانستان ولقائه أفغانيين من شتى الأطياف والميول السياسية، اتضحت الصورة بالنسبة إلى كروك، عندما رأى السلفيين يدخلون إلى أفغانستان من كل حدب وصوب، وكان واضحاً أن العناصر السلفية لتلك المجموعات تزداد تراصاً وتتحول إلى مادة قابلة للانفجار.

لحظتها، حذَّر كروك الأمريكان من خطورة التطورات في أفغانستان؛ إذ رأى أن الأمور ليست بتلك البساطة، فهناك جماعات تحظى بالشرعية والثقة من قِبل السكان، وجماعات أخرى ذات طابع شمولي ديكتاتوري تمثل الخطر الحقيقي، ونقل ملاحظاته تلك إلى مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1987.

اقرأ أيضًا: أفغانستان.. تهديدات إرهابية وعدم استقرار سياسي

لكن من الواضح أن الغاية الأساسية التي كان الأمريكان يسعون لتحقيقها هي الانتقام؛ فبعد أن أنهى كروك تصريحه، قال أحدهم: “اسمع.. إننا استمعنا باهتمام إليك؛ لكن أريد أن تعرف أن هذه الحركات التي تحذرنا منها هي التي ستسمح لنا بركل مؤخرات الشيوعيين هناك”. عندما انسحبت القوات السوفييتية من أفغانستان كان كروك موجوداً في مقر إقامة السفير الأمريكي في باكستان، الذي هتف: “عظيم تحقق الثأر لفيتنام لقد فعلناها”، ولم يفكر السفير، حسب كروك، في العواقب.

انسحاب السوفييت من أفغانستان- جورجي ناديجدين/ أرشيف تاس

توقع كروك نشوب حرب أهلية في أفغانستان، وأبلغ السفير الأمريكي بذلك، والإجابة كانت: “عما تتحدث لا تقلق بهذا الخصوص، ما دام السوفييت قد انسحبوا فسيطير نجيب الله من منصبه بعد نصف ساعة، سيسقط ويأتي غيره ونغلق هذ الملف للأبد”، وجمعوا ملفاتهم فعلاً، ولم يشأ أحدهم بعدها التحدث مع الأفغان، وما لبثت أن اندلعت الحرب الأهلية، وفقاً لكروك، أما العواقب فقد جاءت درامية عبر سلسلة تفجيرات في دول غربية.

وأوضح كروك أن الشيء نفسه جرى في المنطقة العربية، “دعونا نركل مؤخرة القذافي”! دون السؤال عن العواقب، ويكتفي الساسة الغربيون بتكرار لازمتهم المفضلة: “الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية”، بينما لم يفعلوا شيئاً للعراق وأفغانستان.

بين أفغانستان وسوريا

رأى كروك أن ما مرَّت به أفغانستان مشابه لما تمر به سوريا، بينما يتقاطع الدور الذي تلعبه تركيا في سوريا بالدور الذي لعبته باكستان في أفغانستان؛ إذ شكلت باكستان ممراً لعبور السلفيين إلى أفغانستان، وكذلك تفعل تركيا؛ إذ تحاول تقديم المساعدات للقوى المعتدلة، وتفصلها عن المتطرفين، والأمر لن ينجح، والسبب في ذلك أنه بمجرد الابتعاد عنها (الجماعات المتطرفة)، سيخرجون عن السيطرة، وفقاً لمصالحهم الخاصة، وسيفعلون كل شيء على طريقتهم.

اقرأ أيضاً: كردستان العراق بين القبضة التركية وبلطجة الميليشيات

وفي باكستان، كان الرئيس محمد ضياء الحق، أول إسلامي يترأس دولة علمانية، ويحاول أسلمة المجتمع، ولم يكن يعرف كيف ستنعكس سياساته على مجتمعه، كذلك أردوغان لا يعرف كيف ستنعكس سياساته الخارجية على بلاده تماماً؛ ففي باكستان التي أصبحت منطقة عبور للسلفيين، تغلغلوا فيها وأثاروا نعراتٍ طائفية سابقاً، وهذا ما حدث في تركيا بين العلويين والقوميين في الشمال.

أما الزعماء المعتدلون في أفغانستان كأحمد شاه مسعود، فقد قتلوا على أيدي سلفيين متطرفين بعد خروج السوفييت، لذلك تأكد كروك على مرّ السنوات من أن السلفيين هم مَن يتلاعبون بالغرب، وليس العكس. وعبّر كروك، خلال المقابلة التي أجريت قبل ثماني سنوات، عن ضرورة أن تأخذ تركيا إجراءات فورية، فبحال استمرت الحال كما هي عليه، سيأخذ الثوار وضعاً قانونياً وينشئون هيئات، ويجلبون الدعم من هنا وهناك، وستعيد تركيا في سوريا تجربة باكستان في أفغانستان.

واعتبر كروك أنه من خلال النزاع في سوريا وليبيا، فإننا نشهد كيف يتخطى الغرب الحدود الدولية والقانون الدولي؛ بغية تكوين مجموعات خاصة تدعم مساعيه في تغيير الأنظمة الحاكمة في دولٍ معينة، بطريقة غير شرعية وخارج أطر الأمم المتحدة.

إضعاف سوريا بدل مواجهة إيران

عن المبرر الذي يستخدمه الغرب دائماً لخلق اضطرابات في مناطق معينة، أشار كروك إلى انتهاكات حقوق الإنسان، الموجودة في كل مكان؛ لكنها تتصدر المشهد في إطار الاضطرابات الجارية، مؤكداً أن الحرب قبل كل شيء شكل من أشكال انتهاك حقوق الإنسان.

لكن توزيع الاتهامات سهل، ويتم ليضع الغرب أساساً للمضي في تحقيق سيناريوهاته، وسوريا بمرحلة ما كانت الأهم من بين المآسي التي يشهدها العالم؛ لأن إضعاف إيران يأتي من خسارتها سوريا، كونها الحليف العربي الذي سيفقدها الحلقة مع لبنان في حال سقوطه، وهذا الهدف الرئيسي الذي انتهجه الغرب، بدلاً من مواجهة إيران مباشرة، حسب كروك.

اقرأ أيضاً: لماذا تدخلت تركيا في ليبيا؟

ويضيف كروك أنه على المدى البعيد لا يمثل ذلك الإضعاف إلا خنجراً يقترب من روسيا والصين بعد إيران؛ فالغرب يلمح إلى أن دورهما (الصين وروسيا) يمكن أن يأتي في أية لحظة؛ خصوصاً أن أكثر العناصر الإسلامية راديكالية، قد تغلغت في روسيا نفسها، التي تضم أكثر من 20 مليون مسلم روسي، والصين فيها مئة مليون مسلم صيني، ومعظمهم من السُّنة؛ أي أن الإسلام المتطرف يستطيع التفجير من الداخل، بمساعدة الإخوان المسلمين، وغيرهم من جماعات متطرفة، وبذلك يكون هدف الغرب أكبر من الإطاحة ببشار الأسد؛ إنما إضعاف إيران.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة