الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

صورة الصين السيئة تقوض أهدافها الاستراتيجية

كيوبوست- ترجمات

جوشوا كورلانتزيك♦

نشرت صحيفة “ذا ديبلومات” مقالاً بقلم جوشوا كورلانتزيك، يناقشُ فيه تدهور صورة الدولة الصينية على المستوى العالمي، خلال السنوات الماضية، وانعكاسات هذا التدهور على طموحات بكين، وأهدافها الاستراتيجية. ويشير الكاتب -في مطلع مقاله- إلى أن هذا التدهور لم ينحصر فقط في صورة الصين لدى الديمقراطيات المتقدمة، بل تعداها ليصل إلى الدول النامية في آسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية التي تمتعت الصينُ بعلاقاتٍ إيجابية معها، على مدى العقود القليلة الماضية.

وصورة الصين اليوم هي في وضعٍ سيئ للغاية، وقد أظهرت دراسة أجرتها مؤسسة “بيو” (Pew) عام 2021، شملت 17 بلداً منها الولايات المتحدة، أن “وجهات النظر السلبية تجاه الصين قد وصلت أو تكاد تصل إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، والغالبية العظمى من الآراء في الدول المتقدمة التي شملتها الدراسة كانت تنطوي على آراءٍ سلبية على نطاقٍ واسع عن الصين”.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تجنب حرب بين الولايات المتحدة والصين؟

ويرجع هذا التدهور إلى أسبابٍ عديدة، هي مزيج من الدبلوماسية السيئة، والميل المتزايد نحو الإكراه الاقتصادي، وفشل القوة الناعمة للصين، وعلاقاتها المتنامية مع روسيا، وغيرها من الأسباب. وقد تزايدت عدوانية الصين في عهد الرئيس شي بعد أن عزَّز سلطته على المستوى المحلي، وتخلص من معارضيه المحتملين. حيث أظهر -من خلال خطبه وأفعاله- أنه يسعى لأن تستعيد الصين وضعها كقوةٍ إقليمية وعالمية مهيمنة، وأن تسوِّق نموذجها للعالم.

ويشير الكاتب إلى اقتحام أربعة دبلوماسيين صينيين عام 2018 مقر وزير خارجية بابوا نيو غينيا أثناء قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي الذي عُقد هناك، من أجل منع إصدار بيانٍ ختامي للقمة، كان من المفترض أن يحتوي على إشارة إلى الممارسات التجارية غير العادلة.

وخلال فترة جائحة كوفيد-19 هاجم الدبلوماسيون الصينيون بعباراتٍ فجة الدول الأجنبية، ونشروا معلومات مضللة حول أصول كوفيد-19 وطريقة تعاطي الولايات المتحدة مع الجائحة، والعديد من المواضيع الأخرى. والآن أثناء الحرب الأوكرانية، دأب هؤلاء على نشر معلوماتٍ مضللة تصوِّر روسيا على أنها الضحية في هذه الحرب.

صورة الصين العالمية تدهورت أكثر بسبب موقفها من الحرب في أوكرانيا- مجلس العلاقات الخارجية

في الوقت نفسه، أصبحت الصين أكثر جرأة في استخدامها للإكراه الاقتصادي ضد الدول التي تنتقد سياساتها الخارجية والداخلية، كما حدث عندما فرضت رسوماً جمركية على مجموعةٍ من الصادرات الأسترالية بعد أن طالبت أستراليا بإجراء تحقيقات شفافة حول أصول كوفيد-19، وبعد أن انتقدت حكومة موريسون السابقة انتهاكات حكومة الصين لحقوق الإنسان.

ويرى الكاتب أن استبداد الصين المتزايد، وعزلتها عن العالم، وتركيزها على حملة الرئيس شي لإعادة هيكلة اقتصاد البلاد، وسعيه للقضاء على كوفيد-19، وضمان ولاية ثالثة له، وترسيخ حكمه، كل ذلك قد أضر كثيراً بصورة الصين في الديمقراطيات الكبرى في العالم.

كما أن استراتيجية الصين للقضاء على الجائحة قد أدَّت إلى عزلها عن العالم، وأضرَّت بقوتها الناعمة، حيث قلصت الصين برامج الطلاب والزائرين الأجانب، بعد أن كانت هذه البرامج تساعد في تحسين صورتها في الخارج، ولا سيما في الدول النامية، ما أدى إلى انخفاضٍ كبير بعدد الصينيين الذين يسافرون إلى الخارج.

اقرأ أيضاً: الصين والعصر النووي الجديد

وكذلك الأمر بالنسبة لأدوات قوة الصين الناعمة الأخرى، مثل شبكة التلفزيون الصيني العالمية، وراديو الصين الدولي، وصحيفة “تشاينا دايلي” الناطقة بالإنجليزية، ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تعاني جميعها من تراجع كبير في دورها الذي كانت تؤديه في تسعينيات القرن الماضي، والعقد الأول من القرن الحالي.

من المؤكد أن صورة الصين العالمية المتدهورة لن تلغي قدرتها على ممارسة القوة العسكرية والاقتصادية الهائلة على أراضيها أو في الخارج. وهي اليوم القوة الاقتصادية المهيمنة في آسيا، وتعمل على تغيير ميزان القوى لصالحها بشكلٍ متزايد، وتسعى للسيطرة العسكرية على بحر الصين الجنوبي. وحتى إن انخفضت شعبية الصين أكثر، فهي ستظل تمتلك كلَّ الأدوات الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية والعسكرية.

ولكن انهيار شعبية بكين في العالم سيخلق عوائق أمام تحقيق أهداف سياساتها الخارجية في مجالاتٍ تتراوح بين الدبلوماسية، والاقتصاد، والحوكمة العالمية، لتصل إلى المجالات الاستراتيجية. وبعد الغزو الروسي وموقف الصين منه، بدأت الصين تخسر بعض داعميها التجاريين في الدول المتقدمة، وبدأت هذه الدول باتخاذ سياساتٍ أكثر صرامة تجاه الاستثمارات الصينية فيها، وأكثر تشدداً تجاه سياساتها الخارجة المتعلقة ببكين. وعلى الرغم من ذلك، فقد نجحت عدوانية الصين واستخدامها للإكراه الاقتصادي في إسكات بعض الشركات الكبرى التي أصبحت تتجنب توجيه أي انتقاد للبلاد، ومنها شركات هوليوود، والرابطة الوطنية لكرة السلة، وسلاسل الفنادق، وبعض شركات التكنولوجيا الكبرى.

متظاهرون في مانيلا يطالبون بوقف التنمر الصيني- مجلس العلاقات الخارجية

وفي المقابل، هنالك عدد متزايد من الشركات التي بدأت تميل إلى التردد في القيام باستثماراتٍ جديدة في الصين، بينما بدأت شركات أخرى بتنويع مواطن تصنيعها إلى بلدن أخرى، مثل البلقان وأمريكا الوسطى، وتايلاند وفيتنام.

ومع إصرار الصين على عدم التراجع عما وصفته بالشراكة الاستراتيجية “اللامحدودة” مع روسيا، يمكن القول إن الدول الأوروبية سوف تتخذ المزيد من الخطوات للحدِّ من علاقاتها التجارية مع الصين. تماماً كما تفعل الولايات المتحدة لفصل اقتصادها عن اقتصاد الصين. كما أن الصورة السيئة للصين تعيق تحقيق الأهداف الاستراتيجية الصينية في الدول الديمقراطية الأخرى، إذ بدأ السياسيون في هذه الدول يشعرون بالقلق من ردود أفعال ناخبيهم تجاه التقارب مع الصين.

اقرأ أيضاً: ما هي بالضبط سياسة أمريكا تجاه الصين؟

ويضرب كاتب المقال مثالاً على ذلك بالانعطافة التي قام بها الرئيس الفلبيني دوتيرتي بعد ازدياد عدد الفلبينيين الذين يفضلون الابتعاد عن الصين، وتعزيز الروابط مع الولايات المتحدة. وأيضاً دفعت الخشية من سيطرة الصين على شبكات الاتصالات إلى حظر الولايات المتحدة لشركة هواوي، وإلى تراجع العديد من الدول الأخرى التي كانت قد فكرت في السماح لهذه الشركة بإقامة أنظمة الاتصالات الخليوية ذات النطاق العريض (5G)، وقد وصل عدد البلدان التي حظرت أو وضعت قيوداً على شركة هواوي الصينية ما يصل إلى 60% من دول العالم.

ثم يخلص المقال إلى أن تراجع ثقة العديد من الدول بالصين، وعدم قدرة رئيسها وكبار مسؤوليها على السفر بسبب إجراءات كوفيد-19 قد أضعف قدرتها على القيادة في قضايا عديدة، وعلى رأسها تغير المناخ، فإن صورة الصين السيئة وروابطها الوثيقة مع روسيا، وتراجع قدرتها على لعب أي دور قيادي علمي متماسك، تشكِّل واقعاً مؤلماً للجميع، وليس فقط لبكين.

♦زميل أول في مجلس العلاقات الخارجية، متخصص في شؤون جنوب شرق آسيا.

المصدر: ذا ديبلومات

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة