الواجهة الرئيسيةمصطفى سعيد

صوت السماء.. الشيخ محمد رفعت مع مصطفى سعيد

كيوبوست

ليس القصدُ من هذا المقال عرض تاريخ وسيرة هذا المقرئ الفذّ؛ فهذا يمكن الحصولُ عليه بغاية السهولة في زماننا هذا، بلِ الإضاءة على ما قد لا يمكِّن البحث العنكبوتي من سبر أغواره في تفرُّد هذا المقرئ الموسيقي العالم الأديب.

وُلِد الشيخ رفعت في القاهرة قبيل الغزو الإنجليزي لمصر سنة1882 ، وكأن ميلاده كان أملاً ورفضاً للهزيمة والصدمة الحضارية، بل كأن ميلاده تذكيرٌ بأن حضارتنا لا تزال في عطاءٍ ما دام في الكون إنسان.

درس الشيخ رفعت في الكتاتيب والمدارس التقليدية، لم يلتحق بالمدارس الحديثة فكانت العلوم التي درسها علوم القرآن واللغة والنغم؛ حيث كان النغم يُدرَّس في هذا النوع من التدريس مع سائر العلوم الإنسانية، وكانت العلوم تُدرَّس من المرشد إلى المريد.

 اقرأ أيضًا: «تجلي»| الشيخ محمد رفعت.. اكتتب المصريون لعلاجه وحُفظت تسجيلاته بسبب محبيه

أتمّ الشيخ رفعت حفظ القرآن طفلاً، وأُجيز مقرئاً في مراهقته. ورغم أنه لم يكن مقرئاً ثابتاً في أيٍّ من مساجد القاهرة الكبرى؛ فإن سامعيه دأبوا على المجيء إلى مسجد فاضل باشا، حيث كان يقرأ بانتظام.

شهد للشيخ رفعت بالتفرُّد أساتذتُه، والمقرئون من أجيالٍ سبقته؛ مثل المشايخ المقرئين: محمد أبو النور، وأحمد المقدم، وإسماعيل شاه، وأحمد ندا.. وغيرهم لا حصر لهم، ممن أجازوه أو شهدوا بتفرُّده من أهل النغم بكل طبقاته.

للشيخ رفعت مقدرةٌ صوتيةٌ وموهبةٌ استثنائيةٌ في النغم، كما درس أيضاً وأُجيز وظل طالباً للعلم حتى آخر يوم في حياته؛ فالموهبة دون دراسة لا تصنع تميزاً في الفنون الفصيحة. ولم يكتفِ الشيخ بالإجازة في عموم التلاوة؛ بل أُجيز في كل قراءة على حدة، فأجيز في سائر القراءات السبع، وفروعها، كما في الإنشاد والعلوم المتفرعة عنه.

يبدو أن مقدرة الشيخ رفعت تخطتِ النغم والحفظ إلى اللغة واستيعاب التفاسير؛ بل وتأويل النص نغماً، فمن يسمع منه القرآن لا يمكن أن يغفل لحظةً واحدةً عن النص لصالح النغم؛ فالنغم عند الشيخ أداةٌ لإيصال المعنى، لا يمكن أن يأخذ الشيخَ الاستعراضُ النغميّ فيشرد خارج عمق معنى النص استطراباً لسامعيه؛ بل إنه يأخذ النغم في رحلة غائصاً في أعماق قداسة النص وأوجه معانيه، فالطرب عند مستمعيه ليس لحسن النغم، بل لاستدراك معانٍ في النص برزت للسامع من تلاوة الشيخ رفعت وتصرفه في النغم، وصولاً إلى غايته من المعنى، بل لمعاني النص؛ من اختيار النغمة التي سيتلو منها هذه الآية أو تلك، إلى اختيار الطبقة، وصولاً إلى قسمة النغم على الكلام والصعود والهبوط به، والأهم متى يسكت!

اقرأ أيضًا: صراعات و”شللية” تهدِّد وقار القراء في مصر

ليس الغرضُ من هذا النص أي تحليل؛ فالتحليل النغمي دون سماع النغم، في رأيي المتواضع، لا يجوز؛ لكن من تلاوته قصار السور، التي لا تُضحِي قصاراً معه.. في مطلع سورة “الإخلاص”، لا يمكن للسامع إلا أن يفهم معاني كثيرة للتوحيد في أول آياتها، فالتكرار لا يعني الإطالة عنده، والتكرار هنا للنص ليس للنغم، إنما النغم متجدد يبين تجدد النص كلما قُرِئ.

حين بدأ بثُّ الإذاعة اللا سلكية للحكومة المصرية سنة1934 ، كان الشيخ رفعت أول صوت صدح فيها. وحين سُئِل الشيخ علي محمود أن يقرأ، قال: الشيخ رفعت للقراءة وأنا للإنشاد، رغم تسجيل الشيخ علي، وهو عبقري زمانه ونابغته في النغم، العديد من القراءات إلى جانب الإنشاد؛ لكنه يعلم، وهو رفيق درب الشيخ رفعت، كما يعلم القدماء عليهما والمحدثون بعدهما، أن قامتيهما في النغم استثنائية؛ الشيخ رفعت في القراءة، والشيخ علي في الإنشاد، فكانا مرجع أهل النغم قاطبةً، ويبقيان هكذا على مر الزمن.

اقرأ أيضًا: التلاوة مع التركيز على المقام النجدي في المساجد الطينية

ظل الشيخ رفعت يقرأ حتى آخر حياته؛ حتى حين أُصيب بداء الفُواء، لم يمنعه المرض من القراءة رغم إصابة الحنجرة إصابةً مباشرة. سجلت له الإذاعة، وقبلها بعضُ الهواة، بعضَ قراءته، وأذانَين؛ أحدهما مغربٌ في رمضان من نغمة الأوج، فعادة المغرب أن كان يؤذّن من السيكاه، ومغرب رمضان من الأوج؛ وهي من عائلة السيكاه، لكن مرتفعة الطبقة كان يؤذَّن منها مغرب رمضان احتفالاً ودعوةً للإفطار، والآخر أذان عشاءٍ من نغمة المستقيم “راست” على عادة أذان العشاء أيضاً.

رحل الشيخ رفعت في مثل هذه الأيام منذ سبعين سنة، تاركاً لنا قليل تسجيلاته شاهداً على استثنائيته، وتاركاً لنا إرثاً من مكارم الأخلاق وعلوّ الهمة وسمو الروح ونظرة ثاقبة آملة من عالم علويٍّ يرنو أولو الألباب سمواً إليه.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات