الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“صلاح فضل” آخر نقاد الجيل الذهبي

رحل عن 84 عاما حافلة بالعطاء النقدي والثقافي

كيوبوست- إيهاب الملاح

عن 84 عاما وبعد معاناة عصيبة مع المرض، رحل عن عالمنا الناقد والأكاديمي المصري الدكتور صلاح فضل؛ رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وأحد أبرز النقاد والأكاديميين في العالم العربي، وصاحب النشاط المعرفي والفكري والثقافي لما يزيد على نصف القرن.

في كتابه «عين النقد ـ سيرة فكرية» (صادر عن منشورات بتانة 2018) يقدم صلاح فضل نموذجاً ناضجاً وشجاعاً للسيرة النقدية التي تمتزج فيها رؤية الناقد القدير، صاحب الخبرة النقدية العريضة، بالشهادة التاريخية على مرحلة زمنية، بل مراحل من العمر، عاينها وعاصرها منذ أن كان ذلك الطالب النابه الذي ورث من جده الأزهري نبوغه وحسه الجمالي والنقدي، حتى صار الناقدَ المبرَّز والأستاذ الجامعي المرموق، بكل ما أتيح له من ظروف وسياقات تأثر بها وتركت بصماتها على حياته ومؤلفاته، وإنتاجه النقدي ككل، ثم تقييمها بطريقةٍ علمية واضحة‏، وفي الآن ذاته تميزت هذه المقاطع السيرية بأسلوب سردي شائق تجعل قراءتها زاخرة بالمتعة والإفادة معاً.

غلاف كتاب “عين النقد”

إضاءة سيرية

الدكتور صلاح فضل من مواليد العام 1938 بإحدى قرى وسط الدلتا المصرية (شباس الشهداء)، وقد تلقى تعليمه الأولي (الابتدائية والثانوية) بالمعاهد الأزهرية، ثم سافر إلى القاهرة كي يلتحق بكلية دار العلوم التي تخرج فيها بتفوق عام 1962، وعين بها معيدا حتى عام 1965، وهو بذلك ينتمي إلى ذلك الجيل الذهبي خريجي الجامعة المصرية التي كانت تحرص على ابتعاث متفوقيها إلى جامعات أوروبا للحصول على درجاتهم العلمية الكبرى.

وكان من حظ الطالب المتفوق الذي تخرج في كلية دار العلوم آنذاك السفر إلى إسبانيا للتخصص في الأدب الأندلسي والأدب المقارن. ولم يفوت الطالب النابه الفرصة، فأتقن اللغة الإسبانية وأجادها وترجم عنها، وأخذ نفسه مأخذ الجد والحزم والانضباط حتى أتم دراسته العالية بتفوق، وحصل على درجة الدكتوراه في الآداب من جامعة مدريد المركزية عام 1972، وعمل أثناء بعثته مدرساً للأدب العربي.

اقرأ أيضاً: طه حسين في ذكراه الـ46.. الإسهام المعرفي والثقافي

وفي العام 1974 عمل أستاذاً زائراً بكلية المكسيك للدراسات العليا حتى عام 1977م. وخلال وجوده بالمكسيك أسس قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة المكسيك المستقلة عام 1975م. وانتُدب مستشاراً ثقافيّاً لمصر ومديراً للمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد بإسبانيا منذ عام 1980م حتى عام 1985م. وفي هذه الأثناء رأس تحرير مجلة (المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد)، واختير أستاذاً شرفيّاً للدراسات العليا بجامعة مدريد المستقلة.

عقب عودته إلى مصر، عمل أستاذاً للأدب والنقد بكليتي اللغة العربية والبنات بجامعة الأزهر، ومنذ العام 1979م انتقل للعمل أستاذاً للنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية الآداب في جامعة عين شمس، وعمل أستاذاً زائراً للأدب العربي في عدة جامعات عالمية. كما انتُدبَ بعد عودته إلى مصر عميداً للمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون بمصر منذ عام 1985 حتى عام 1988، وعمل أستاذاً زائراً بجامعات صنعاء باليمن والبحرين حتى عام 1994م.

وفي العام 2003 انتُخبَ الدكتور صلاح فضل، عضواً بمجمع اللغة العربية، ثم صار رئيساً له عام 2020، وقد حصل على العديد من الجوائز محليًا ودوليًا منها جائزة البابطين للإبداع في نقد الشعر عام 1997، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب، وجائزة النيل في الآداب.

الدكتور صلاح فضل أثناء تحكيم مسابقة أمير الشعراء

نشاط ثقافي زاخر

ومنذ إتمامه دراسته العالية، وحصوله على الدكتوراه من إسبانيا، وهو منخرط تماما في ممارسة نشاطه العلمي والثقافي بهمة عالية، وقد أخذ يراكم الإنجاز وراء الإنجاز، ويخرج على الناس بمؤلفاته وترجماته ومقالاته في جميع فروع المعرفة الأدبية والنقدية والشأن الثقافي العام؛ حتى صار من دون شك في الطبقة الأولى من النقاد المصريين والعرب؛ وعلى رأس الرعيل الأول من النقاد والباحثين الموسوعيين في الأدب والنقد والحياة الثقافية والفكرية بعامة، الذي تتلمذ على جيل الرواد الأول، وعلى تلاميذهم من الجيل التالي في الجامعة المصرية، وقد ظل طيلة العقود الثلاثة الماضية، وحتى رحيله صباح السبت، يتربع قمة الجيل الأكبر المخضرم في مصر والعالم العربي.

ما يزيد على نصف القرن من العطاء الزاخر والنشاط المعرفي والنقدي الذي يحتل مكانه في مدونة الإنتاج المعرفي والنقدي العربي بجدارة وامتياز. وقد شهر عن الدكتور صلاح فضل حضوره الشخصي العارم وفصاحته التي كانت مضرب الأمثال فضلا على بلاغته اللافتة في الحديث الشفاهي وقدراته العالية على الارتجال.

اقرأ أيضًا: جابر عصفور .. رحيل الناقد المستنير

تقريباً لم يترك الدكتور صلاح فضل تياراً نقدياً مؤثراً لم يكتب عنه، وقدم إسهاماً نظريا حقيقيا في عرض وتقديم تيارات النقد الجديد والحداثة وما بعدها، وكان له “فضل” التعريف بأبرز هذه المناهج (مثل كتبه عن «نظرية البنائية في النقد الأدبي»، و«علم الأسلوب ـ إجراءاته ومناهجه»، و«منهج الواقعية في الإبداع الأدبي» و«شفرات النص» و«قراءة الصورة وصور القراءة»، و«علم الخطاب وبلاغة النص» و«أشكال التخييل»، وغيرها، كانت من الكتب السباقة والمبكرة جدا في النقد العربي التي قدمت هذه المناهج والنظريات إلى القارئ العربي).

بعض أغلفة كتب الدكتور صلاح فضل

تخصص في الأدب الأندلسي والأدب المقارن، ودرس التيارات والمناهج النقدية المعاصرة، ونشط في الكتابة والتأليف والترجمة، وأسهم بنصيب وافر في النشاط الثقافي والأكاديمي والدبلوماسي العام، وتولى إدارة المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد، وعمل أستاذًا ومستشارًا ثقافيا بالمكسيك، وكتب بنشاط ودأب في أهم وأكبر الصحف والمجلات والدوريات المختلفة، وشارك في المؤتمرات والندوات والفعاليات البحثية والعامة..

من الصعب إحصاء الجوانب المتعددة والمتنوعة والمتداخلة لموسوعة ثقافية ونقدية تجسدت في شخص صلاح فضل الذي كان واعيا تماما بضرورة استجلاء هذه التجربة الثرية على كل المستويات، وإعادة قراءتها وكتابتها معا فيما سيطلق عليه “مقاطع من سيرة فكرية” توزعت على كتب ثلاثة؛ هي «تكوينات نقدية»، و«عين على النقد»، و«صدى الذاكرة» الذي صدر قبل رحيله بأقل من عامين.

غلاف كتاب “صدى الذاكرة”

عطاء نقدي

وعن عطائه النقدي الزاخر، يرصد أستاذ الأدب والنقد الحديث بجامعة القاهرة الدكتور حسين حمودة، بعض ملامح مشروع صلاح فضل النقدي بقوله:

“مشروع الدكتور صلاح فضل النقدي مشروع ممتد، ومتنوع وغني ومتسائل ومتكامل أيضاً. فهو ممتد زمنيًا، وعلى مستويات أخرى، مُنذ كتابه المبكر «من الرومانث الإسباني- دراسة ونماذج»، الصادر قرب منتصف سبعينيات القرن الماضي، وحتى كتبه الأخيرة ومنها «سرديات القرن الجديد»، و«أنساق التخييل الروائي»، و«أطياف نقدية» و«عين على النقد ـ سيرة فكرية». ومُنذ الكتاب الأول، وحتى الكتب الأخيرة، رحلة قطعها صلاح فضل، ولم يتوقف فيها أبداً، عبر ما يزيد على أربعة عقود، ولم يتشكك خلالها أبداً في جدوى العمل الدائب، ولم يَشكُ فيها أبداً من طول المسيرة، ولا من وعورة الطريق”.

حسين حمودة

ويصف حمودة هذا المشروع بأنه “متنوع لأنه زاوج بين ما لا يتزاوج عادة، وجمع بين اهتماماتٍ كلها تترامى في حقول إبداعية ومعرفية متنوعة، وتمتد نماذجها الإبداعية عبر فترات تاريخية طويلة جداً، وهو ومشروع متسائل لأنه تأسس على تساؤلات وقضايا حقيقية حول المناهج النقدية الغربية الحديثة، وعلاقتنا بها، وحول حراك الأنواع الأدبية، وحول وشائج الثقافات المتعددة، وحول ما يبقى وما يتوارى من نماذج الإبداع في عصور مختلفة، وحول أبعاد الصلة بين النقد النظري والنقد التطبيقي، وحول علاقة التخيل الإبداعي بالحرية، وغير هذا كثير”.

ويختتم حمودة “ولهذا كله، فمشروع صلاح فضل غني ومتكامل، ومن المؤكد أنه مما سوف يبقى فيما سوف يبقى من الكتابات النقدية العربية كبيرة القيمة، كبيرة المقام”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات