الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

صفحات من إبادة الهنود الأمريكيين.. بريطانيا أهدتهم بطانيات مسممة بالجدري!

كيوبوست

كان آخر الاتهامات المتبادلة في الحرب الروسية- الأوكرانية الأخيرة، أن اتهمت موسكو حكومةَ كييف بأنها تدير مختبرات في أوكرانيا لإنتاج أسلحة بيولوجية بالتعاون مع واشنطن، التي نفت الأمر.

في حين ذكَّر الحديث الدائر عن تصنيع أسلحة بيولوجية، باستخدام الغرب الكائنات الحية الدقيقة للفتك بالأعداء، كما فعلت بريطانيا خلال القرن الثامن عشر مع السكان الأصليين في أمريكا؛ إذ استخدمت عينات من مرض الجدري، للقضاء على قبائل من السكان الأصليين.

حصار حصن “بت”

قبل أن يقرر المستعمرون الإنجليز نشر مرض الجدري بين قبائل الهنود الأمريكيين، كان محاربون من قبائل أوتاوا وديلاوير وشاوني ومينغو يقودون حرب “بونتياك”، نسبة إلى اسم قائدها، وحاصروا خلالها حصن “بت” (مدينة بيتسبرغ في ولاية بنسلفانيا حالياً)، والذي كان بمثابة نقطة استيطانية إنجليزية، وذلك في أواخر ربيع عام 1763م.

القائد بونتياك يحفز المحاربين للانتفاض ضد الإنجليز- للرسام ألفريد بوبيت

ولم تأتِ حرب “بونتياك” بلا سبب؛ إنما لعدم إيفاء البريطانيين باتفاق كانوا قد عقدوه مع رؤساء 13 قبيلة من الأمريكيين الأصليين في بنسلفانيا عام 1758م، وينص الاتفاق على عدم مشاركة السكان الأصليين في القتال بجانب الفرنسيين خلال ما عُرف بحرب الاستحواذ بين بريطانيا وفرنسا في أمريكا الشمالية خلال الأعوام (1754م- 1763م)، التي انتهت لصالح بريطانيا وهزيمة فرنسا، مقابل حصول تلك القبائل على الأرض وضمان امتناع البريطانيين عن إقامة مستوطنات استعمارية غرب جبال أليغيني بعد انتهاء الحرب.

اقرأ أيضاً: اعتذار ألماني عن الإبادة الجماعية في ناميبيا.. فماذا يقول التاريخ؟

لكن مع انتهاء الحرب لصالح بريطانيا، ووفاء السكان الأصليين بتعهداتهم بالبقاء على الحياد، ضرب البريطانيون الاتفاق عرض الحائط؛ إذ شرعوا في احتلال الحصون في مقاطعة أوهايو ومنطقة البحيرات العظمى، ما أدى إلى اندلاع حرب “بونتياك” التي ثار محاربوها في وجه المستوطنين البريطانيين الذي أُجبروا على الاختباء داخل حصن بت. وما كان مقلقاً أكثر من غضب السكان الأصليين؛ هو تفشي مرض الجدري داخل مستشفى الحصن المحاصر.

جيفري أمهيرست- Ann Ronan Pictures/Print Collector/Getty Images

في غضون ذلك، بدأت مراسلات بين العقيد السويسري المرتزق “هنري بوكيه”، ورئيسه “جيفري أمهيرست”، القائد الأعلى للقوات البريطانية في أمريكا الشمالية، في أوائل ستينيات القرن التاسع عشر. وأعلم بوكيه، عبر إحدى الرسائل، أمهيرست، بتفشي الجدري في حصن “بت”؛ ليرد أمهيرست: “أليس من الممكن نشر الجدري بين قبائل الهنود الساخطين؟ يجب علينا، في هذه المناسبة، استخدام كل حيلة في وسعنا لتقليلهم”، وفقاً لمقالة المؤرخة الأمريكية “إليزابيث فين” من جامعة “كولورادو بولدر”، والتي نشرت عام 2000 في مجلة “التاريخ الأمريكي”.

من جانبه، وعد بوكيه، أمهيرست، بأنه سيحاول نشر المرض بين الأمريكيين الأصليين عن طريق إهدائهم بطانيات ملوثة. وافق أمهيرست على الخطة، وكتب لبوكيه “بالإضافة إلى تجربة كل طريقة أخرى يمكن أن تعمل على استئصال هذا العرق المروع”.

هدايا مُسممة

في ذلك الوقت، وقبل أن يحاول بوكيه تطبيق خطته، أقدم ضباط بريطانيون على تنفيذ نفس الفكرة بشكل منفصل عن القيادة؛ ومنهم التاجر والقائد الميليشياوي الثري “ويليام ترينت”، الذي كتب في مذكراته أنه في 23 يونيو عام 1763م، قام مبعوثان من السكان الأصليين في ولاية “ديلاوير” بزيارة الحصن، وطلبا إجراء محادثات في اليوم التالي، وخلال الاجتماع حاولا إقناع البريطانيين بالتخلي عن حصن “بت”؛ لكنهما لم ينجحا، وعندما همَّا بالمغادرة، طلبا مؤناً وخموراً، ولبَّى لهما البريطانيون طلبهما، إضافة إلى هدية مُسمَّمة؛ بطانيتَين ومنديل يد من جناح مرضى الجدري داخل الحصن، وبهذا السياق كتب ترينت: “أعطيناهما بطانيتَين ومنديلاً من مستشفى الجدري، آمل أن يكون لها التأثير المطلوب”!

رسم لحصن “بت” خلال ستينيات القرن التاسع عشر- متحف فورت بيت.. لجنة المتاحف والتاريخ في بنسلفانيا

ولأن الخطة البيولوجية تلك لها عدة مخططين، لم تحسم بعد شخصية المنفّذ، إلا أن الأدلة تشير إلى ويليام ترينت، الذي قام بإنشاء مستوطنة حول منزله، والتي أصبحت تُعرف باسم مدينة ترينت، ثم ترينتون لاحقاً، وأصبحت عاصمة ولاية نيو جرسي. فوفقاً لمقالة فين، قدَّم ترينت لاحقاً فاتورة للجيش البريطاني، تفيد شراءه بطانيتَين ومنديلاً “لاستبدالها بتلك التي تم أخذها من أشخاص في المستشفى لنقل الجدري إلى الهنود”، بالمقابل أكد الضابط “سيميون أكويري” الذي كان على تواصل مع العقيد بوكيه، أن البطانيتَين ومنديل اليد قدمت إلى السكان الأصليين بالفعل؛ مما يدل على أنه ربما كان مشاركاً في الخطة.

اقرأ أيضاً: ما الفرق بين “التطهير العرقي” و”الإبادة الجماعية”؟

كما أنه لم يحسم إذا ما تفشَّى الجدري على نطاق واسع بين القبائل عبر البطانيتَين أم لا، فوفقاً لمقالة فين، فإن الأمريكيين الأصليين حول حصن “بت” أصيبوا بشدة بالجدري في ربيع وصيف عام 1763م، وبالمقابل كتب المؤرخ مايكل ماكونيل: “ومن المفارقات، أن الجهود البريطانية لاستخدام الوباء كسلاح ربما لم تكن ضرورية أو فعالة بشكل خاص”، مشيراً إلى أن الجدري قد دخل بالفعل إلى المنطقة بوسائل أخرى، وأصاب سكان أمريكا الأصليين بالفعل.

ورغم الحديث عن عدم جدوى نشر الجدري؛ فإن مراسلات الإنجليز أثبتتها، لتبقى النقطة السوداء غير الوحيدة في تاريخ جيش وقادة الاستعمار الإنجليزي؛ الذين اقترحوا خطة لا أخلاقية لمواجهة خصم بسيط، وأقدموا عليها آملين نجاحها!

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات