الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

صعود حركة هندوتفا يلقي بظلالٍ من الشك حول مستقبل الأقليات في الهند

كيوبوست – ترجمات

مانوج جوشي♦

في السنوات الأخيرة، شهدت الهند اتجاهًا مفزعًا وخطيرًا من العدوان والاعتداءات الجسدية على مجتمعاتها المسلمة والمسيحية. وفقًا لدراسة أعدها مركز أبحاث بيو، لدى الهند واحدة من أعلى مستويات الأعمال العدائية الاجتماعية في العالم التي تتعلق بالدين. ولكن في السنوات الأخيرة، تصاعد هذا الاتجاه، الذي يتضمن حملة متطورة وشريرة على وسائل التواصل الاجتماعي لتشويه صورة المسلمين. ومن أسفٍ أن كبار السياسيين، خاصة من الحزب الحاكم، ليس فقط يتجاهلون هذه التطورات، بل ويشجعونها من خلال الرسائل المشفرة.

مانوج جوشي

ينظر الهنود إلى العلمانية بشكل مختلف تمامًا عن نظرة العديد من الأوروبيين. إن “اللائكية” الفرنسية تجعل الدولة محايدة بل ومتشككة بعض الشيء تجاه الدين. في الهند، من المفترض أن تنظر الدولة إلى جميع الأديان على أنها متساوية، لكنها تتدخل بانتظام في المسائل المتعلقة بالدين.

العلمانية الهندية

تعلن ديباجة الدستور الهندي أن الدولة “جمهورية ديمقراطية علمانية اشتراكية ذات سيادة”. وقد أدخلت عبارة “علمانية اشتراكية” في عام 1976، كإجراء استبدادي حيث تم تعليق جميع الحريات المدنية، وكانت الشخصيات المعارضة الرئيسة في السجن. وكانت الصياغة الأصلية تقول “جمهورية ديموقراطية ذات سيادة”.

ومع ذلك، طورت الدولة تحت قيادة جواهر لال نهرو -أول رئيس وزراء للهند بعد استقلالها عن بريطانيا- نسختها الخاصة من العلمانية بعدم التردد في التدخل في المسائل المتعلقة بالدين والممارسة الدينية. ووضعت قوانين لحظر الممارسة الهندوسية المتمثلة في النبذ، وأصرت على تقنين القوانين المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث لتوحيد ممارسات الطائفة الهندوسية المتنوعة للغاية.

اقرأ أيضًا: التطرف الهندوسي: هل يقود إلغاءُ الاستقلال الذاتي لكشمير إلى عدمِ الاستقرار؟

وبصورة عامة، تعمدت عدم المساس بقوانين الأسرة الخاصة بالمسلمين والمسيحيين لطمأنتهم بأن الأغلبية الهندوسية الهائلة لن تُستخدم للتعدي على مساحتهم الثقافية. ولاية جوا الصغيرة هي الولاية الوحيدة التي لديها قانون مدني موحد، مستمد من القانون المدني البرتغالي لعام 1867. كل شخص في جوا، هندوسي أو مسيحي أو مسلم يخضع له.

أثر تقسيم عام 1947

يجب أن ينظر إلى التجربة الهندية، إذا جاز لنا أن نسميها كذلك، في سياق تقسيم الدولة في عام 1947 الذي شهد إنشاء الهند وباكستان، حيث الأخيرة وطن معلن ذاتيًا لمسلمي شبه القارة. ولكن الفكرة القائلة بأن الدين يمكن أن يكون أساس الجنسية لم تنجح، وفي عام 1971، انفصلت باكستان الشرقية، وشكلت دولة بنجلاديش.

آثار هجوم انتحاري في كشمير سنة 2019- AP

التقسيم كان صادمًا، وانتشرت المذابح، وفقدان الممتلكات، والنزوح على نطاقٍ واسع، والأسوأ من ذلك العواقب الاجتماعية والنفسية للتقسيم على 30 مليون مسلم أو نحو ذلك الذين بقوا في الهند، واختاروا عدم الذهاب إلى ما كان من المفترض أن يكون وطنهم.

وهنا، جاءت حنكة القيادة الهندية، في مرحلة ما بعد الاستقلال. وكانت رؤيتهم مختلفة لأمة يكون فيها الجميع متساوين بغض النظر عن العرق أو الدين. وتحقيقًا لهذه الغاية، شكلوا نظامًا سياسيًا اتحاديًا يحتفي بالتنوع العرقي والديني، ويعطى الأقليات مساحة للتطور.

لم تكن مهمة سهلة. في العقود التي تلَت ذلك، كانت هناك توترات وأعمال شغب استهدفت المسلمين في كثيرٍ من الأحيان. الحروب مع باكستان في 1965 و1971 نكأت جراح التقسيم، ولكن المبادئ العلمانية للهند كانت ثابتة. ومع ذلك، يتعرض المسلمون اليوم للهجوم من قبل قوى جديدة ودينامية من هندوتفا التي تهدد بقلب كل هذا.

اقرأ أيضًا: الهند.. استمرار الصراع والتطرف كمحفز على الإرهاب 

حركة هندوتفا

كثيرًا ما عُرِّفت الهندوسية بأنها طريقة حياة أكثر منها دينًا. وليس لها سلطة مركزية أو حتى مدونة سلوك راسخة تلزم جميع أتباعها الذين ينقسمون حسب اللغة والإثنية والطائفة. ومن ناحيةٍ أخرى، سعت حركة هندوتفا إلى ترسيخ الهيمنة السياسية والثقافية على أساس الأغلبية الديمغرافية التي تتمتع بها الطائفة الهندوسية.

كان من الممكن أن تكون الحركة غير استثنائية، لكن استراتيجية التعبئة التي اتبعتها انطوت على تشويه صورة عقيدة المسلمين والمسيحيين وممارساتهم. ويعتبر الهندوس البقرة مقدسة، في حين أن المسلمين والمسيحيين والهندوس الداليت (المنبوذين) يأكلون لحوم البقر. وباسم حماية الأبقار، يواجه المسلمون عنفًا عشوائيًا، بما في ذلك الإعدام خارج نطاق القانون.

تظاهرة مسلحة للهندوس في الهند الصورة من رويترز

يدفع دعاة هندوتفا بالأسطورة القائلة بأن المسلمين والمسيحيين في الهند بالأساس هم نتاج التحول القسري لأسلافهم، وأن هذه الممارسة مستمرة، ما يعرض العقيدة الهندوسية للخطر. وقد أدّى ذلك، في الآونة الأخيرة، إلى شنِّ هجمات على المسيحيين، وحتى الاحتفال بعيد الميلاد.

تعود أصول مشروع هندوتفا إلى أوروبا في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين التي شهدت صعود الفاشية والنازية. الرجل المسؤول عن مصطلح “Hindutva”، في دي سافاركار، سعى إلى “إضفاء الصبغة الهندوسية على السياسة، وعسكرة الهندوسية”، وهو رمز لحزب بهاراتيا جاناتا اليوم. وقد أثر على صعود منظمة راشترايا سوايمسيفاك سانغ (RSS) والمهاسابها الهندوسية.

اقرأ أيضاً: تنامي التطرف الهندوسي

يقود منظمة “آر إس إس” موهان باجوات الذي رشحه سلفه، وفقًا للتقاليد المتبعة. ويعمل من خلال فريق صغير من المساعدين والدعاة أو المتطوعين بدوام كامل. سانغ باريفار (الأسرة التنظيمية) ترأس منظمة آر إس إس، وأسست كوادرها ما أصبح يعرف اليوم باسم حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند، فضلًا عن عدد من جماعات هندوتفا؛ مثل فيشوا هندو باريشاد (المنتدى الهندوسي العالمي)، وجناح الشباب التابع له، باجرانج دال، والنقابة العمالية المهيمنة في الهند، وبهاراتيا مازدور سانغ، والمنظمة الطلابية التي تعرف باسم أخيل بهاراتيا فيديارثي باريشاد، ومجموعة من المنظمات المهنية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى المنتشرة في جميع أنحاء البلاد، وعلى جميع مستويات المجتمع.

يتم تنظيم آر إس إس في شكل فروع، لا سيّما في المناطق الناطقة باللغة الهندية في قلب الدولة. وتضم هذه متطوعين يرتدون زيًّا موحدًا ويمسكون بالهراوات، ويجتمعون كل يوم أو مرة واحدة في الأسبوع لتنفيذ تدريبات بالهراوات، وإجراء المناقشات وتمجيد أفكار هندوتفا. يتم تعيين دعاة المنظمة في مختلف المنظمات المهمة، مثل حزب بهاراتيا جاناتا، ويشكلون الإطار الصلب لحركة هندوتفا.

التجمع من أجل حزب بهاراتيا جاناتا- شترستوك

تهيمن الطبقة العليا من البراهمة على منظمة آر إس إس، ولكن كتكتيك استراتيجي، فقد تواصلت وحصلت على دعم العديد من الطبقات المتوسطة القوية انتخابيًا. فرئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، على سبيل المثال، ينتمي إلى تجمع من هذا القبيل، وقد لعب دورًا مهمًا في كسر الحواجز الطبقية الهندوسية، وتشكيل صعود حزب بهاراتيا جاناتا.

مرت الهند، نفسها، بمرحلة حرجة، في عام 1992، عندما سعت قوات هندوتفا لتعزيز صعودها من خلال هدم مسجد يعود بناؤه للقرن السادس عشر مدعية أن هذا مسقط رأس الإله الأسطوري، الإله راما. وردًا على ذلك، نفذت جماعات مسلمة سرية في بومباي (التي تعرف الآن باسم مومباي) سلسلة من التفجيرات التي أسفرت عن مقتل أكثر من 250 شخصًا. وفي الوقت نفسه، اجتاح تمرد انفصالي جامو وكشمير، الولاية ذات الأغلبية المسلمة الوحيدة في الهند.

اقرأ أيضاً: الجيش الهندي..صراع مزدوج على جبهتين معاديتين!

ومع ذلك، التزم السكان المسلمون، رغم عددهم الهائل في الهند، بالهدوء إلى حدٍّ كبير. وكان الشعور بالظلم الذي أدى إلى ظهور الإسلاموية في أوروبا، والشرق الأوسط، وباكستان، غائبًا في الهند. والواقع أن العديد من الأعمال الإرهابية، بما في ذلك تفجيرات بومباي، كانت جزءًا من حربٍ سرية باكستانية ضد الهند. جُل موقف المسلمين الهنود كان يتعلق بتصورهم بأن الدولة الهندية، في حد ذاتها، كانت محايدة بالفعل، وأن حالات العنف ضدهم كانت معزولة.

زخم مودي

لكن الأمور تغيرت منذ عام 2014. فلقد شكّل انتخاب مودي حدثًا خاصًا، حيث إنه كان أول مرة منذ 30 عامًا يحصل فيها حزب واحد على أغلبية واضحة في البرلمان. وكان مودي، أحد دعاة منظمة آر إس إس، رئيسًا لوزراء ولاية جوجارات، ويرتبط صعوده بمذبحة للمسلمين في عام 2002. كما أنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحركة هندوتفا. وقد وظف مودي مهارات سياسية كبيرة في بناء تحالفات محلية عززتها أيديولوجية هندوتفا، لترسيخ الأيديولوجية “الهندوسية” في النظام السياسي والثقافي في الهند.

وفي حين أن حزب بهاراتيا جاناتا يُقسم ظاهريًا على احترام الدستور والعلم الهندي، فإنه ينظر إلى ذلك إلى حد كبير على أنه أسلوبٌ تكتيكي؛ لأن كوادر هندوتفا تضطلع بمهمة حشد الأصوات على أساس الدين. وفي حين أن الحزب قد يضم عددًا قليلًا من المسلمين كشكلٍ صوري، فإنه لا يوجد عضو مسلم واحد منهم في البرلمان. وقد تم فعليًا منحهم مركزًا من الدرجة الثانية في نظام الحكم في الهند.

رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي- جيتي إمجس

منذ البداية، انتقدت سانغ باريفار -وهو المصطلح الجامع لوصف مختلف المنظمات القومية الهندوسية- النظامَ السياسي العلماني للدولة ودستورها. بل إن لديها تحفظات على العلم الوطني. ومع ذلك، فإن الرؤية طويلة الأجل لقوات هندوتفا تظل غامضة عمدًا.

حيِّز محدود للأقليات؟

وهكذا، فمن غيرِ الواضح ما هو وضع الأقليات في ظلِّ هذه المنظمات القومية الهندوسية. ذلك أن زعيم آر إس إس يقدِّم خطابًا يعجُّ بالكثيرِ من الأمور التي تبعث على الحيرة والالتباس، حيث يقول إن الحمض النووي لجميع الهنود واحد، وإن جميع الهنود هم هندوس، بغض النظر عن الدين والثقافة.

كما يتحدث هو ومساعدوه عما يعرف باسم “ghar wapisi”؛ أي إعادة تحويل الأقليات (إلى الديانة الهندوسية). ودعا حزب بهاراتيا جاناتا من جانبه إلى إلغاء قوانين الأسرة القائمة على الدين، والاستعاضة عنها بقانونٍ مدني موحد. وقد يبدو ذلك معقولًا، ولكنه يهدف إلى تقييد الحيز الثقافي للأقليات.

اقرأ أيضًا: في الهند.. محاولات لنفي المسلمين من المجتمع

إذا كانت المنظمات القومية الهندوسية قادرة على ترسيخ هيمنتها على الدولة، فإن العلمانية القائمة على الحق المتساوي لجميع الهنود في ممارسة عقيدتهم يمكن أن تبقى أيضًا. لكن من الناحية العملية، لن يحظى المسلمون والمسيحيون إلا بوضعٍ من الدرجة الثانية في الدولة. من شأن وجود طبقة دنيا، بشكل ممنهج، من المواطنين أن يقوِّض استقرار الهند، وهذه المشكلة سوف تتفاقم بالنظر إلى عدد السكان المتوقع. بحلول عام 2050، وفقًا لمركز أبحاث بيو، سيكون لدى الهند 1.3 مليار (%76.7) هندوسًا، و311 مليونًا (18.4%) مسلمين، و37 مليونًا (2.2%) مسيحيين. ولذلك، ستكون الهند موطنًا لأكبر عدد من السكان المسلمين في العالم.


♦كبير باحثين في Observer research foundation.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة