الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

صعود حركة طالبان الباكستانية الجديدة

يرى مراقبون أن الحركة قد أصبحت أكثر تنظيماً وأقل مركزية وقللت من هجماتها العشوائية ضد المدنيين

كيوبوست- ترجمات

فرود بيزهان وداود خاتاك♦

نظراً للتمزق الداخلي والوهن الذي أصابها في أعقاب مقتل قادتها المتعاقبين، وطردها من معاقلها، أصبح ينظر إلى الجماعة المسلحة التي تُعرف بـ”حركة طالبان باكستان” على أنها قوة مستنفدة إلى حد كبير.

ولكن الحركة عادت إلى الظهور مجدداً العام الماضي؛ حيث وحدت الفصائل المتناحرة، وأطلقت موجة من الهجمات المميتة في المناطق القبلية في البلاد.

وفي تأكيد عودتها القوية، نفذت حركة طالبان باكستان هجوماً مميتاً بسيارة مفخخة خارج فندق ضخم يخضع لحراسة مشددة في مدينة كويتا جنوب غرب باكستان، البعيدة عن معاقل الحركة في الشمال الغربي.

اقرأ أيضاً: الاتفاق بين الولايات المتحدة و”طالبان” لا يضمن السلامَ في أفغانستان

ولكن “طالبان باكستان” لم تعد نفس تلك الجماعة المسلحة التي عاثت الفوضى في باكستان بين عامَي 2007 و2014، منذ أن أدت عملية كبرى للجيش إلى طرد مقاتليها عبر الحدود إلى أفغانستان.

وقد احتفظت حركة طالبان باكستان بقيادة نور والي محسود، وهو شخصية دينية أكثر منه مقاتلاً، منذ عام 2018، بصلاتها الوثيقة مع تنظيم القاعدة الذي تصنفه الولايات المتحدة كشبكة إرهابية.

تبنت حركة طالبان باكستان عملية تفجير سيارة مفخخة خارج فندق فخم في مدينة كويتا جنوب غرب البلاد- “راديو أوروبا الحرة”

ويرى مراقبون أن الحركة قد أصبحت أكثر تنظيماً وأقل مركزية، وقللت من هجماتها العشوائية ضد المدنيين. يقول عبدالباسط، الخبير الباكستاني في قضايا مكافحة الإرهاب والأمن، في إشارة إلى استهداف المدنيين: “تستهدف حركة طالبان باكستان في الغالب المؤسسات الأمنية الباكستانية ومسؤوليها، ونادراً ما تهاجم أهدافاً سهلة. ومن ناحية خطابها، ابتعدت الحركة عن الخطاب الجهادي العالمي إلى الخطاب الجهادي المحلي”.

هنالك أيضاً دلائل على أن حركة طالبان باكستان قد فتحت جبهة جديدة ضد المصالح الصينية في باكستان؛ حيث تتمتع بكين بنفوذٍ سياسي كبير، وتنفق مليارات الدولارات في مشروعات البنية التحتية.

اقرأ أيضاً: مستقبل اتفاق “طالبان- واشنطن”.. نهاية 18 عاماً من الصراع أم انهيار وشيك؟

جبهة جديدة ضد الصين

يقول مراقبون إن هجوم الحركة على فندق سيرينا في كويتا، عاصمة إقليم بلوشستان المضطرب، قد أظهر القوة العملياتية المتنامية لحركة طالبان باكستان؛ فقد كان هذا أول هجوم منذ سنواتٍ في باكستان يتم فيه استخدام سيارة مفخخة، أو ما يسميه الخبراء العسكريون “عبوة ناسفة يدوية الصنع محمولة على سيارة انتحارية”. كما كانت أول هجوم للحركة تنفذه في مدينة رئيسية منذ إعادة توحيدها.

يقول عبدالباسط: “إن هذا يدل على استعادة الحركة قدرتها على تجميع وتجهيز السيارات المفخخة، وضرب أهداف بارزة تخضع لحراسة مشددة”.

ولكن التفجير الذي تسبب في مقتل خمسة أشخاص، وجرح أكثر من عشرة آخرين اكتسب أهمية خاصة؛ لأنه وقع في بلوشستان، فهي ليست خارج معاقل حركة طالبان باكستان التقليدية فحسب؛ بل هي منطقة شاسعة غنية بالموارد اكتسبت أهمية كبيرة في السنوات الأخيرة.

ميناء جوادر.. صورة أرشيفية- “راديو أوروبا الحرة”

ويقع فيها مشروع ميناء عميق جديد في مدينة جوادر، وهو استثمار صيني رائد يأتي كجزء من الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني الذي تقدر قيمة استثماراته بنحو 65 مليار دولار. ويهدف هذا المشروع -الذي يضم إلى جانب المرفأ مطاراً وطرقاً سريعة ومستشفى- إلى ربط مقاطعة شينجيانغ الصينية ببحر العرب.

كثيراً ما استهدف الانفصالون البلوش مشروعات البناء الصينية في بلوشستان التي كانت مسرحاً لتمرد انفصالي واجهته الدولة بقمع وحشي أدى إلى مقتل الآلاف منذ عام 2004، حيث يسود شعور بالاستياء بين سكان الإقليم الذين يشتكون من استغلال الدولة أراضي إقليمهم.

ويقول مراقبون إن هجوم حركة طالبان باكستان على فندق سيرينا؛ حيث يقيم السفير الصيني إلى باكستان، ولكنه لم يكن موجوداً فيه عند الهجوم، هو مؤشر على أن الحركة المسلحة المتشددة قد انضمت إلى القتال المحلي ضد المصالح الصينية. وقد أصدرت الحركة بياناً بعد الهجوم قالت فيه إن الهجوم استهدف “السكان المحليين والأجانب”. والمثير للاستغراب أنها سرعان ما تراجعت عن هذا البيان، وأصدرت بياناً ثانياً حذفت منه كلمة “أجانب”، في ما يراه الخبراء على أنه جزء من سياسة “طالبان باكستان” الجديدة في عدم تحدي القوى الكبرى بشكل علني، كما كانت تفعل في الماضي.

اقرأ أيضاً: تجدُّد الاشتباكات بين “طالبان” و”داعش”

قال باحث محلي من منطقة جنوب وزيرستان القبلية، سمح له بزيارة معسكرات التدريب التابعة لحركة طالبان باكستان، في لقاء مع “راديو أوروبا الحرة”، إن الحركة قد انضمت إلى المجموعات البلوشية الانفصالية.

وقال المصدر، الذي اشترط عدم الإفصاح عن هويته خوفاً من الانتقام، إن الحركة تقدم تدريبات عسكرية للمقاتلين البلوش، وبالمقابل يقوم البلوش الانفصاليون بمساعدة حركة طالبان باكستان في تأمين الخدمات اللوجستية في بلوشستان. وقد تزامن هذا التحالف مع تصعيدٍ كبير في الهجمات ضد قوات الأمن الباكستانية في الإقليم في الأشهر الأخيرة.

ويقول الخبراء إن الانفصاليين البلوش، والكثير منهم علمانيون، قد دخلوا في أشكال من التعاون التكتيكي العملياتي مع الجماعات الإسلامية المتطرفة في الماضي. وهذا يشمل الحليف الرئيسي لحركة طالبان باكستان، تنظيم القاعدة، وكذلك تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف، وجماعة عسكر جنجفي؛ وهي جماعة سنية متشددة في بلوشستان نفذت هجماتٍ على مسلمين شيعة من جماعة الهزارة العرقية في مدينة كويتا.

مقاتلون من جيش التحرير البلوشي المحظور ينتظرون لتسليم أسلحتهم أثناء احتفال باستسلامهم في كويتا- “راديو أوروبا الحرة”

بلوشستان المتاخمة لأفغانستان وإيران ومنطقة الحزام القبلي المضطربة في باكستان، هي موطن لمجموعةٍ من الجماعات الطائفية والانفصالية والأجنبية المتشددة؛ بما فيها حركة طالبان الأفغانية. تقول عائشة صديقة، الكاتبة الباكستانية والخبيرة الأمنية: “لدى تنظيمَي داعش والقاعدة استراتيجية للتواصل مع والارتباط بالحركات المحلية والقضايا المحلية، والمجموعات البلوشية لا مانع لديها من التعاون مع مجموعاتٍ تختلف معها من الناحية الأيديولوجية”.

الإخوة الإيغور

صعَّدت حركة طالبان باكستان وحلفاؤها من لهجتهم المناهضة للصين مؤخراً. وقد أدان مفتي أبو ذر بورمي، وهو منظر مؤثر متحالف مع الجماعات السُّنية المتطرفة؛ بما فيها حركة طالبان باكستان، في تسجيل صوتي له أطلقه في مارس الماضي، الصين بسبب قمعها الأقلية المسلمة فيها.

اقرأ أيضاً: حسن عباس لـ”كيوبوست”: “لبيك باكستان” تتمدد وسط تخاذل الحكومة

تقدر الأمم المتحدة أن نحو مليون شخص من الإيغور والأقليات المسلمة الأخرى في الصين يعانون في معسكرات الاعتقال في مقاطعة شينجيانغ في شمال الصينية الشمالية الغربية. بينما تصر بكين على أن هذه المنشآت هي مراكز تعليم مهني تهدف إلى مساعدة الناس في الابتعاد عن الإرهاب، والسماح لهم بإعادة الاندماج في المجتمع. واتهم بورمي، وهو باكستاني من أصل روهينغي، الصين “باحتلال” المنطقة، وزعم أن قوات الأمن الصينية تغتصب النساء المسلمات في المنطقة. وقال بورمي: “الدول الإسلامية تلتزم الصمت، وأنا أطالب المجاهدين و(طالبان) بأن يفعلوا شيئاً من أجل هؤلاء المسلمين، وتلك الأخوات”.

في عام 2012 تبنت حركة طالبان باكستان عملية قتل سائح صيني في مدينة بيشاور شمال غربي باكستان، وقالت إن ذلك كان انتقاماً “لقتل الحكومة الصينية إخوتنا المسلمين في مقاطعة شينجيانغ”.

ويقول الخبراء إن حركة طالبان باكستان تقيم علاقات وثيقة مع حركة تركستان الشرقية الإسلامية، وهي مجموعة مسلحة معظم أعضائها من الإيغور.

جنود باكستانيون يستعدون للهجوم على مقاتلي حركة طالبان باكستان- “راديو أوروبا الحرة”

وقبل أن يتم طردها في عملية كبيرة للجيش الباكستاني عام 2014، قامت حركة طالبان باكستان باستضافة مقاتلي حركة تركستان الشرقية الإسلامية، في منطقة جنوب وزيرستان القبلية؛ حيث أسست هذه الجماعات الصينية مخيمات تدريب خاصة بها.

لجأ مقاتلو حركة تركستان الشرقية إلى شمال غرب أفغانستان، بعد أن تم طردهم في العملية العسكرية الكبيرة التي نفذها الجيش الباكستاني عام 2014، وانتقل العديد منهم إلى سوريا؛ حيث قاتلوا إلى جانب جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، ولكن مصادر محلية تقول إن معظمهم قد عادوا إلى أفغانستان. وتقيم الحركة علاقات قوية مع “طالبان” أفغانستان أيضاً. ففي عام 2018 قالت القوات الأمريكية العاملة في أفغانستان إن ضرباتها الجوية قد دمرت معسكرات تدريب لـ”طالبان” في مقاطعة بدخشان كانت تقدم الدعم لمقاتلي حركة تركستان الشرقية الإسلامية. وكذلك قال قائد قوات الناتو الجوية في أفغانستان، في حينه، جايمس هيك: “تتلقى حركة تركستان الشرقية الإسلامية الدعم من (طالبان) في جبال بدخشان”.

وتقدر الولايات المتحدة بأنه يوجد نحو 100 مقاتل للحركة في أفغانستان، بينما جاء في تقرير للأمم المتحدة، صدر في يوليو 2020، أن هنالك “نحو 500 مقاتل مرتبطين بالحركة يعملون في بدخشان”.

اقرأ أيضاً: باكستان.. حزب إسلامي يجبر الحكومة على مقاطعة فرنسا

تحسين صورة “طالبان باكستان”

تقول عدة مصادر محلية إن حركة طالبان باكستان تعمل من منطقة برمال في إقليم باكتيكا الواقع في شرق أفغانستان، والمحاذي لإقليم جنوب وزيرستان الباكستاني الذي كان في السابق معقلاً للحركة. وقبل ذلك، كانت قيادة الحركة تتمركز في منطقتَي شرق كونار ونوريستان الأفغانيتين.

وعلى الرغم من أن باكستان قد أقامت في السنوات الأخيرة سياجاً على معظم الحدود البالغ طولها 2.640 كيلومتر؛ فإن مقاتلي حركة طالبان باكستان قد تمكنوا من عبور الجبال الحدودية بعد أن دمروا أجزاء من السياج.

جندي باكستاني يقف في مواجهة السياج الحدودي مع أفغانستان في منطقة شمال وزيرستان- “راديو أوروبا الحرة”

يقول الخبراء الذين يدرسون حركة طالبان باكستان، إنها تمكنت من زيادة مواردها المالية بشكل كبير من خلال الابتزاز والتهريب، وفرض الضرائب على السكان المحليين، والأعمال التجارية في المناطق التي تنشط فيها.

وفي ظلِّ قيادتها الجديدة، أصبحت الحركة أقل مركزية؛ حيث أعطت القيادة صلاحياتٍ كبيرة للقادة المحليين. ويقود كل قائد محلي مجموعة تتألف من 25- 30 مقاتلاً؛ وهذا يتناقض مع سياسة القيادة السابقة التي كانت تعين قادة من مناطق محددة.

قدَّر تقرير صادر عن فريق المراقبة التابع للأمم المتحدة، صدر في يوليو 2020، أن هناك ما يصل إلى 6.500 مقاتل باكستاني في أفغانستان، ومعظمهم ينتمون إلى حركة طالبان باكستان.

تشير تقارير إلى أن الحركة قد قللت من هجماتها العشوائية ضد المدنيين، ويقول باحث يركز على نشاط الحركة، اشترط عدم ذكر اسمه خوفاً من الانتقام: “تشبه سياستهم الجديدة سياسة حركة طالبان الأفغانية، وهذا يعني استغلال ضعف الحكومة، ومظالم الناس، لتحسين صورة حركة طالبان باكستان”.

اقرأ أيضاً: تصاعد التطرف الديني في باكستان

هنالك مخاوف في باكستان من أنه في غياب اتفاق سلام في أفغانستان؛ فإنها ستغرق في حرب أهلية بعد انسحاب القوات الدولية منها، في سبتمبر المقبل. وهذا الوضع سوف يشجع ويقوي “طالبان باكستان”، ويسمح لها بإنشاء ملاذاتٍ آمنة تشنّ منها هجماتٍ متزايدة على الأراضي الباكستانية.

أقسمت قيادات حركة طالبان باكستان وتنظيم القاعدة، على الولاء لزعيم “طالبان” الأفغانية، الملا هيبة الله أخوندزادة. وتتمتع كلتا الجماعتَين بعلاقاتٍ أيديولوجية وتنظيمية وثيقة مع حليفهما الأفغاني. ويرى بعض الخبراء أن “طالبان باكستان” تشكل تهديداً لأفغانستان أيضاً، مع أنها لم تنفذ أية هجمات فيها حتى الآن.

تقول عائشة صديقة: “بعد الانسحاب تتوقع السلطات الباكستانية أن تتابع حركة طالبان باكستان دعمها لـ(طالبان) الأفغانية، وأن تتورط أكثر في أفغانستان”. وتتابع: “سيكون لديهم هنالك الكثير مما يدمرونه ويقاتلون من أجله؛ أكثر بكثير مما في باكستان”.

♦الكاتبان:

فرود بيزهان: مراسل راديو أوروبا الحرة، يغطي أفغانستان وباكستان، ويركز على الشؤون السياسية وحقوق الإنسان.

داود خاتاك: مدير تحرير راديو مشعل التابع لراديو أوروبا الحرة، مقيم في براغ، ويكتب في المسائل الاجتماعية والسياسية والأمنية في باكستان.

المصدر: راديو أوروبا الحرة

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة