الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

صعود الهند المعطَّل.. كيف خنقت الحكومة النمو؟

كيوبوست- ترجمات

جوش فيلمان

تركزت أنظار المحللين الاقتصاديين على الهند في الفترة الأخيرة؛ بسبب الانتعاش المفاجئ لاقتصادها. ومن هؤلاء المحللين جوش فيلمان، الممثل المقيم السابق لصندوق النقد الدولي في الهند، والذي كتب مقالاً نشره موقع “فورين أفيرز”، يشير فيه إلى العودة المفاجئة لصعود الاقتصاد الهندي خلال هذا العام، وذلك بعد أن تعطل هذا الصعود الذي بدأ خلال العقد الأول من القرن الحالي؛ حيث شهدت الهند ازدهاراً اقتصادياً بسرعة قياسية من خلال شركات تكنولوجيا المعلومات، لتصبح مؤهلة لأن تكون لاعباً عالمياً وحتى قوة اقتصادية عظمى، تحت تأثير الأزمة المالية العالمية في عام 2008 التي أدَّت إلى جمود التحول الهيكلي الذي كانت تشهده البلاد، كما تفاقمت الصدمة لعقد كامل بسبب سوء إدارة الاقتصاد الوطني.

في عام 2021، عادت الهند فجأةً للظهور؛ حيث قام المستثمرون الأجانب بتحويل الأموال إلى سوق الأوراق المالية في الهند، مقتنعين بأنها عادت لتتقدم على الصعيد الاقتصادي. في الواقع، تظهر شركة ناشئة تقدر قيمتها بأكثر من مليار دولار في كل شهر في مجال الحوسبة السحابية والتعليم والترفيه والتمويل والمدفوعات والسياحة. إجمالاً، يوجد الآن نحو 70 شركة من هذه الشركات؛ أي أكثر من أية دولة أخرى باستثناء الصين والولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: تلميذ أحمد السفير الهندي الأسبق في الإمارات لـكيوبوست”: شراكتنا مع أبوظبي استراتيجية

وفي الوقت نفسه، بدأت شركات التصنيع العالمية التي تسعى للحد من تركُّز مصانعها في الصين بتحويل أنظارها إلى الهند بتشجيع من بنيتها التكنولوجية التحتية، وسوقها المحلية الضخمة والمليئة بالكوادر الإدارية الناطقة باللغة الإنجليزية ومخزونها الهائل من اليد العاملة الشابة.

لا شك في أن الهند قد حققت تقدماً باهراً في توفير البنية التحتية المادية والرقمية المتينة، وفي تنمية قدرتها على توفير السلع الأساسية لسكانها، إضافةً إلى تقوية قاعدة مواردها البشرية من مهندسين ماهرين وجال أعمال؛ إلا أنها لم تتمكن من إصلاح إطارها الاقتصادي، حيث تتغير القوانين والسياسات الاقتصادية بشكل مفاجئ ومستمر، وكثيراً ما يكون هذا التغيير لصالح شركات محددة. وبالتالي، تعتمد قدرة الهند على تحقيق الازدهار مرة أخرى لتصبح بديلاً جدياً للصين من حيث قدرتها على مواجهة العيوب المزمنة في سياساتها.

الاقتصاد الهندي يبدي علامات التعافي في 19 من أصل 22 مؤشراً اقتصادياً- “ذا إيكونوميك تايمز”

خلال سنوات الازدهار، قامت الشركات الهندية بالاستثمار بشكل مكثف؛ ولكن بحلول الأزمة المالية في عام 2008 ونتيجةً لارتفاع أسعار الفائدة وانهيار سعر الصرف، واجهت شركات كبرى صعوبات في سداد ديونها؛ مما أدى إلى إثقال المصارف بديون متعثرة تتجاوز قيمتها 10% من أصولها.

وعلى الرغم من نجاح الجهود الحكومية تدريجياً في التخفيف من مشكلة الديون؛ فإن الكثير من الشركات بقيت عاجزةً عن الاستثمار بسبب عجزها المالي، كما ظلت المصارف مترددةً في الإقراض والتسليف ولم يتمكن الاقتصاد من استعادة ديناميكيته السابقة.

وإلى جانب تباطؤ النمو الاقتصادي، شهدت مؤشرات النمو الاجتماعي والاقتصادي انحداراً أيضاً؛ مثلاً استمر تراجع مساهمة النساء في اليد العاملة المحلية وانكماش القطاع الصناعي ليشكِّل 13% فقط من إجمالي الناتج المحلي.

اقرأ أيضاً: أزمة كورونا في الهند.. 4 أسباب ستخرج الاقتصاد العالمي عن مساره

ومع قدوم الجائحة في عامي 2020 و2021، انكمش الاقتصاد بمقدار 7%، وانتشر الفقر كثيراً، وواجهت الشركات المتوسطة والصغيرة صعوبات مالية إضافية نتيجةً لتغيرات السياسة الاقتصادية وفرض ضرائب جديدة على السلع والخدمات. كما طالت تأثيرات الجائحة المجال السياسي؛ حيث فرضت عدة ولايات شروط إقامة جديدة على الباحثين عن العمل تتعارض بشكل واضح مع مبدأ سوق العمل الوطني المشترك، كما عادت ظاهرة “حجز الوظائف” للأفراد الذين ينتمون إلى فئات اجتماعية محرومة.

وعلى الرغم من تباطؤ التحول الهيكلي في الهند؛ فإن الحكومة استمرت في بناء الأسس لاستعادة الازدهار من خلال تعزيز أجهزة الاقتصاد ومحاولة معالجة بعض مشكلات برامجها. أبرز التعزيزات التي حدثت على الأجهزة الاقتصادية تمثل في توسيع وبناء شبكات الطرق والسكك الحديدية، إضافةً إلى نظام المدفوعات الرقمية الوطني وواجهة المدفوعات الموحدة (المعروفة باسم UPI) التي سمحت للشركات الرقمية بالابتكار ووفرت وسائل فعالة جديدة للحكومة لتقديم الإعانات النقدية للفقراء.

أحد مشروعات الطرق السريعة في الهند- “وورلد هاي وايز”

وعلى الرغم من ذلك؛ فإن كاتب المقال يرى أنه لا يزال هنالك الكثير من العوائق أمام النمو المستدام في الهند، فمنذ الأزمة المالية، تخلت الصين عن نحو 150 مليار دولار من حصة السوق العالمية في السلع ذات العمالة الكثيفة، وعلى الرغم من ذلك؛ فإن الهند لم تتمكن إلا من الحصول على ما يقل عن 10% من تلك الحصة. نتيجةً لذلك، قامت حكومة مودي بإطلاق استراتيجية الاكتفاء الذاتي، والتي تستند إلى الإعانات المستهدفة، والعودة إلى الحمائية، وعدم المشاركة في اتفاقيات التجارة الإقليمية.

ومن المستبعد أن تنجح سياسة الهند الجديدة بشكل أساسي؛ لأنها شبيهة جداً بسياستها القديمة التي تبنتها بعد استقلالها، فالنهج الجديد صعب التطبيق، ويتطلب اتخاذ قرارات تعسفية ويخلق نظام استحقاقات من الصعب الخروج منه.

وربما يكون الجانب الأكثر تميزاً في السياسة الصناعية لمودي هو الترويج للشركات المهيمنة في قطاعات معينة من الاقتصاد. فمع الدعم الحكومي، ستتمكن الشركات المفضلة من تحقيق اقتصاديات ضخمة، إضافةً إلى إنشاء شبكات، والمساعدة في تحقيق أهداف اقتصادية وطنية.

اقرأ أيضاً: كيف كشفت جائحة كورونا عن وجه الهند القذر؟

ولكن من المهم أن تتم موازنة فوائد هذه الاستراتيجية مع آثارها السلبية؛ فمقابل كل شركة مفضلة يتم تشجيعها على التوسع، يتم تثبيط العديد من الشركات الأخرى؛ بسبب القواعد التي تجعل من الصعب عليها التنافس مع الشركات المفضلة. ولعل الأمر الأكثر إثارةً للقلق هو أن استراتيجية الشركات المفضلة تهدد بتكثيف مشكلة الهند التاريخية المتمثلة في “الرأسمالية الموصومة”. فالكثير من الهنود غير مطمئنين للقطاع الخاص والرأسمالية بشكل عام؛ حيث لا يزال القطاع الخاص يعاني وصمة نهوضه في ظل تفشي الفساد.

إلى جانب عيوب البرنامج الصناعي واستراتيجية الشركات المفضلة، يوجد خلل في المنهجية المتَّبعة لإنشاء سياسات جديدة؛ حيث تنطلق من معلومات غير صحيحة وتمتد إلى العملية بأكملها من التخطيط إلى التنفيذ.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أثار الخبراء شكوكاً جدية حول جودة وسلامة البيانات الرسمية في الهند. ومن دون وجود قدر أكبر من الشفافية، من الصعب الثقة في أن الحكومة تبني سياستها على معلومات جيدة.

رئيس الوزراء الهندي يطلق حملة إصلاحات اقتصادية أثناء الجائحة- “فير أوبزيرفر”

أما على صعيد التخطيط والتنفيذ، فقد فشلت الكثير من السياسات في تحقيق الأهداف المرجوَّة منها؛ بسبب الهيكل الفيدرالي الموجود في الهند والتخبط في القرارات الناتج عن سوء التنسيق بين الحكومة الوطنية وحكومات الولايات المعنية واختلال الثقة بينها.

فالعائق الأساسي أمام انتقال الصناعيين العالميين إلى الهند هو غياب إطار عمل واضح ومستقر للاستثمار، وهذا يفسر سبب تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى قطاع التكنولوجيا في الهند؛ لأن هذا القطاع، على عكس التصنيع، لا يخضع لقوانين مشددة، وبالتالي لا يخضع لنفس الدرجة من التخبط في السياسات الحكومية الناظمة للعمل.

اقرأ أيضاً: العلاقات الإيرانيةالهندية: من التعاون إلى التوتر

وفي النهاية، يشير الكاتب إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للهند قد استعاد مستواه الذي كان عليه قبل انتشار الجائحة، ويتوقع صندوق النقد الدولي أنه سينمو بنسبة 8.5 في المئة في عام 2022؛ أي نحو ثلاث نقاط مئوية أكثر من الصين.

ولكن لكي يحقق الاقتصاد الهندي إمكاناته، ستحتاج الحكومة إلى نهج شامل جديد في سياساتها. ويجب عليها إعادة توجيه سياستها الصناعية نحو تقليل الحواجز التجارية وزيادة الاندماج في سلاسل التوريد العالمية، والتخلي عن الشركات المفضلة لصالح نهج يعامل جميع الشركات على قدم المساواة. وفوق كل شيء، تحتاج عملية صنع السياسات نفسها إلى تحسين، حتى تتمكن الحكومة من إنشاء بيئة اقتصادية مستقرة ومستدامة يمكن أن يزدهر فيها التصنيع والصادرات.

ولن يقدم رواد الأعمال المحليون ولا الشركات الدولية على القيام بأي استثمارات جوهرية تحتاج إليها الهند لتغيير مسارها الاقتصادي، إلا إذا تمكنت الحكومة من تحسين إدارتها الاقتصادية بشكل أساسي، وغرس الثقة في عملية صنع السياسات.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة