الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

صعود القومية في الهند وأثره على المنطقة

كيوبوست- منير بن وبر

تمثّل الطائفية أحد أبرز التحديات التي تواجه الهند، وجيرانها، في التاريخ الحديث والمعاصر؛ فبعد الحرب العالمية الثانية أدتِ التوترات وأعمال الشغب المتزايدة بين المسلمين والهندوس إلى تقسيم البلاد إلى دولتين: باكستان ذات الأغلبية المسلمة، والهند ذات الاغلبية الهندوسية.

 

لقي ما بين مليون إلى مليوني شخص حتفهم بسبب الاضطرابات التي صاحبت عملية تقسيم الهند، ناهيك عن تشريد حوالي 15- 20 مليون إنسان.

اليوم بعد مرور أكثر من سبعين عاماً على تلك الأحداث، لا تزال الطائفية والقومية أحد التحديات التي تهدد الديمقراطية والعلمانية الهندية التي يُنظر إليها كمثالٍ يُحتذى به، كما أن تزايد التوترات داخل الهند، وبين الهند وباكستان، تضيف المزيد من التشاؤم لمستقبل مضطرب في منطقة جنوب آسيا.

في أحدث موجات التوتر، أقسم المئات من النشطاء والرهبان الهندوس اليمينيين المتطرفين على تحويل الهند إلى “أمة هندوسية” حتى لو تطلب ذلك الموت والقتل. وذلك خلال مؤتمر -أواخر ديسمبر- استمر ثلاثة أيام في مدينة هاريدوار، شمال نيودلهي، نتج عنه دعوة مثيرة للقلق إلى العنف ضد المسلمين.

اقرأ أيضاً: هل هناك علاقة بين السلفية والعنف في الهند؟

لم يأتِ تصاعد القومية الهندوسية والعنف المتبادل بين المسلمين والهندوس في الهند بالصدفة؛ حيث كانت التوترات متزايدة بين المسلمين والهندوس، منذ منتصف القرن العشرين، وكان لها جذور قبل ذلك، وتمثّلَ في قضية كشمير وبنغلاديش، لكن صعود القومية أصبح أكثر وضوحاً منذ العام 1990م، وبروز حزب بهاراتيا جاناتا، أو حزب الشعب، وتولي ناريندرا مودي رئاسة الوزراء.

صعودة القومية الهندوسية

على خلفية مؤتمر هاريدوار، مؤخراً، قالت الزعيمة المتطرفة بوجا شكون باندي، زعيمة هندو ماهاسابها، في إشارة إلى مسلمي البلاد: “إذا كان 100 منا مستعدين لقتل مليونين منهم، فسوف ننتصر، ونجعل الهند دولة هندوسية”، تعتبر بوجا أحد الزعماء المتطرفين المثيرين للجدل، وقد سبق وأن قال زوجها أيضاً أنه -وزوجته- قد قاما بتدريب أطفالهم على قتل أي شخص “يتحدى وحدة وطننا الأم”، في إشارة إلى الهند الهندوسية.

بوجا شكون باندي- وسائل التواصل الاجتماعي

تقوم فكرة القومية الهندوسية على أن العقيدة والثقافة الهندوسية يجب أن تشكل الدولة وسياساتها. تُعد الهند دولة علمانية من الناحية الدستورية، إلا أن التقيد الصارم بالهويات الهندوسية والإسلامية يزداد شعبية منذ التسعينيات، على الرغم من جذوره العميقة، كما أشرنا، والمرتبط بتاريخ الإسلام والهندوسية في المنطقة. أدى تزايد الصراعات إلى تحقيق مكانة متزايدة لأيديولوجية هندوتفا، وهي حركة سياسية تعتنق الأصولية والهوية الهندوسية.

يسعى حزب بهاراتيا جاناتا، وهو الحزب الحاكم الحالي لجمهورية الهند، وغيره من الجماعات اليمينية إلى تقديم “هندوتفا” كأيديولوجية قائمة بذاتها، ويتم تحديد المسلمين والأقليات الأخرى في الهند على أنهم “غرباء”، ويمكن استيعابهم في الهوية الوطنية -ذات الأغلبية الأوسع- إذا قبلوا “الثقافة الوطنية”. بعد الفوز الساحق لحزب بهاراتيا جاناتا في انتخابات 2014، تزايد نشاط جماعات يمينية مثل هندو ماهاسابها، وهي جماعة تعتنق القومية الهندوسية المتشددة.

اقرأ أيضاً: الجيش الهندي..صراع مزدوج على جبهتين معاديتين!

مناصرة حكومية

تلقى القومية الهندوسية مناصرة كبيرة من رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، والذي ارتقى ليصبح قائداً كبيراً في حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم. معروف عن مودي أنه قومي هندوسي، ومعروف عن جماعته التدرب على السلاح والمشاركة في أعمال شغب ضد المسلمين. انضم مودي إلى حزب بهاراتيا جاناتا في عام 1987، و كان له دور فعال في تعزيز وجود الحزب والقومية الهندوسية في الدولة بشكلٍ كبير في السنوات التالية.

رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي- جيتي إمجس

يرى آخرون أن القومية الهندوسية التي يروِّج لها مودي ما هي إلا استراتيجية يتخذها لتحقيق شعبية في بلد يشكل الهندوس 80% من سكانه؛ فبحسب سونيتا فيسواناث، أحد مؤسسي منظمة هندوس لحقوق الإنسان، فإن الحكومة الهندية الحالية برئاسة رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزبه وصلوا إلى السلطة بسبب “كذبة خطيرة” كانوا يبيعونها إلى الهندوس في الهند: وهي الهندوسية، وأن البلاد لن تزدهر إلا إذا دعموا أيديولوجية هندوتفا، أو القومية الهندوسية.

أثبت التعصب للقومية الهندوسية أن له عواقب وخيمة، تظهر الأنشطة المتطرفة للقوميين الهندوس في مجالات السياسة والتعليم والثقافة التي تعزز المثل الهندوسية، وهو ما يؤدي إلى توتراتٍ دينية متزايدة، وخلافات عبر المجتمع الهندي.

تظاهرة مسلحة للهندوس في الهند – المصدر: رويترز

مع وجود توتراتٍ، يمكن أن يؤدي حادث ما بسيط -من وجهة النظر الخارجية- إلى اشتعال فتيل أزمة؛ كما حدث في العام 1992 عندما دُمر مسجد بابري في ولاية أتر برديش، شمال الهند، وذلك بعد عقودٍ من التوترات بين الهندوس والمسلمين؛ إذ يُعتقد أن المسجد بُني على قمة رام جانمابومي، وهو الموقع الذي يعتقد الهندوس أنه مسقط رأس الإله الهندوسي راما.

اقرأ أيضاً: أزمة كورونا في الهند.. 4 أسباب ستخرج الاقتصاد العالمي عن مساره

في العام 1992 وقفت قوات الأمن مكتوفة الأيدي بينما دمر النشطاء المسجد. وبالإضافة إلى التأثير السلبي للقومية الهندوسية على النسيج الاجتماعي، فإن هناك أضراراً على مستوى السياسة الداخلية والخارجية أيضاً. وفقاً لسونيتا فيسواناث، فإنه بالنظر إلى سجل حكومة مودي، لا يوجد مثال على استفادة الهندوس من السياسات القومية الهندوسية.

في 2018، نشرت مجلة السياسة الآسيوية مقالاً بقلم أندريا مالجي جاء فيه أن التحول نحو القومية الهندوسية على مدى العقود القليلة الماضية له تداعيات أمنية محتملة تتجاوز السياسة الداخلية. على سبيل المثال، كانت تجربة الهند النووية عام 1998 تحت إشراف حكومة حزب بهاراتيا جاناتا المنتخبة حديثاً آنذاك، وبعد فترة وجيزة، ردت باكستان بتجربتها النووية الخاصة. وبحسب أندريا مالجي، فإنه من الواضح بالفعل أن القوميين الهندوس يتخذون نهجاً أكثر تشدداً عندما يتعلق الأمر بالأمن، لا سيما فيما يتعلق بالمسلمين أو باكستان.

اقرأ أيضاً: إرهاب إيران في الهند، قمة جبل الجليد

برزت الهند باعتبارها أسرع الاقتصادات الرئيسة نمواً في العالم، ومن المتوقع أن تكون واحدة من أكبر ثلاث قوى اقتصادية في العالم خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة القادمة، مدعومة بديمقراطيتها القوية وشراكاتها القوية، لكن هذا التفاؤل تقيّده احتمالات عدم الاستقرار المتزايدة في منطقة جنوب آسيا، والتي من بين أسبابها تحديث الهند المستمر والقوي لجيشها، والتوترات بين الهند وباكستان، والديمقراطية المتآكلة في الهند بسبب التمييز المتزايد والتطرف ضد الأقلية المسلمة، وما يصاحب ذلك من ردود أفعال من قبل المسلمين، ناهيك عن الدعم الباكستاني للإرهاب في الهند، بحسب بعض التقارير؛ وهذا ما يجعل المستقبل المشرق للهند محاطاً بعدم اليقين، واستقرار منطقة جنوب آسيا موضع شك.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة