الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

صعود الصحوة الإسلاموية في الغرب

الإسلاموية في جوهرها أيديولوجية يمينية متطرفة أدركت أن العمل مع اليسار التقدمي هو أفضل تكتيكاتها الواعدة بالتسلل إلى الدوائر المناهضة للعنصرية.. من أجل ذلك عليك تحويل الدين إلى عرق وبالتالي فإن أي انتقاد يوجه إلى أيديولوجيتهم سيكون هجوماً على الأفراد المسلمين.. وبذلك يتشابك الصراع الديني مع مكافحة العنصرية وتصبح الثانية ذريعة لتقدم الأول.. إنها ضربة ذكية!

كيوبوست- ترجمات

لورينزو فيدينو♦

يعود تاريخ الإسلاموية في الغرب إلى نحو سبعين عاماً مع وصول أول أعضاء جماعة الإخوان المسلمين؛ إما للدراسة وإما هرباً من الاضطهاد في بلدانهم إلى أوروبا وأمريكا الشمالية. وقد أسس هؤلاء وغيرهم من المرتبطين بجماعات إسلامية مشابهة من شبه القارة الهندية وتركيا وجوداً قوياً في الغرب، حتى أصبحوا قوى مؤثرة في المجتمعات المسلمة غير المتجانسة فيه.

وبمرور السنين، أدركت القيادات البراغماتية للحركات الإسلامية أن أهداف هذه الحركات في “أسلمة المجتمع بأكمله وتنصيب حكومات إسلامية تحكم على أساس الشريعة” لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع. وفي وقت لاحق أدركوا أن تكتيكاتهم لم تعد صالحة، وأصبحوا يقدمون أنفسهم بصورتَين مختلفتَين؛ الأولى للمجتمعات المسلمة في الغرب التي لا تعرف الكثير عن الإسلاموية ولا تهتم بها أصلاً، والثانية للمؤسسات الغربية التي تشمل الجهات الفاعلة الحكومية والإعلام والمجتمع المدني.

وفي مطلع الثمانينيات، أدرك الإسلاميون أن وجودهم في الغرب لم يكن ملاذاً مؤقتاً، وأنه يمكنهم الاستفادة منه لتحقيق مجموعة واسعة من الأهداف. وافترض يوسف القرضاوي -الزعيم الروحي المفترض للحركة الإسلاموية العالمية- أن واجب الحركة الإسلامية في الغرب هو “ألا تترك المسلمين المغتربين فريسة لدوامة الاتجاه المادي السائد في الغرب، وأن تقدم نفسها بوصفها ممثلاً شرعياً للمجتمعات المسلمة ومحاوراً موثوقاً ومعتدلاً للحكومات الغربية ووسائل الإعلام والمجتمع ككل”. ولتحقيق هذه الأهداف كان لا بد للإسلامويين من تكييف خطابهم، وبرز في السنوات الأخيرة جيل جديد من الإسلامويين المولودين في الغرب ليشكل كوادر أكثر انسجاماً مع الحساسيات الثقافية الغربية. وابتكرت هذه الكوادر طرقها الخاصة لإيصال صوتها من خلال إنشاء مؤسسات جديدة ومنصات التواصل الاجتماعي. وهم نادراً ما يستخدمون إشارات إسلامية، وبدلاً من ذلك فهم يستخدمون لغة مكافحة التمييز والعنصرية والقمع الداخلي، ويتبنون قضايا لا علاقة لها بالإسلاموية؛ مثل قضايا البيئة أو خفض الرسوم الجامعية. وقد سمحت هذه المقاربات للجيل الجديد من الإسلامويين بشق طريقهم إلى الدوائر السياسية والإعلامية والمجتمع المدني وأقاموا تحالفات قوية في مجتمعاتهم، ودخل العديد منهم في الأحزاب السياسية، وتلقوا المنح والمساعدات من المؤسسات والهيئات الحكومية المرموقة.

اقرأ أيضاً: تاريخ المنظمات الإسلاموية في المملكة المتحدة: بدءًا من سلمان رشدي حتى اليوم

الإسلاموية والسياسات التقدمية

إن العلاقة بين اليسار والإسلاموية معقدة للغاية؛ ولكن يمكن وصفها بشكل عام أنها علاقة قائمة على التعاطف والرغبة في التعاون. وعلى الرغم من الاختلافات الجوهرية في العديد من القضايا؛ فقد وجد اليسار والإسلامويين أرضية مشتركة للعمل. ومن الأمثلة الواضحة على هذا التعاون “تحالف أوقفوا الحرب” الذي ظهر في المملكة المتحدة بين الرابطة الإسلامية في بريطانيا التي يرأسها أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين وعدد من الأحزاب اليسارية.

ويسعى الإسلامويون إلى إلقاء اللوم على الغرب في معظم مشكلات العالم، ويستفيدون من موجة الإسلاموفوبيا كسلاح خطابي متعدد الأغراض يهدف إلى تعزيز الهوية الإسلامية وتشكيل موقع قيادي لهم في المجتمعات المسلمة. وإذا كان يوسف القرضاوي قد حثّ الإسلاميين الغربيين في التسعينيات على إقامة “مجتمعهم الصغير داخل المجتمع الأكبر”؛ فإن الإسلامويين اليوم يتحدثون عن حاجة المسلمين في الغرب إلى “مساحة آمنة” لحمايتهم من العنصرية البنيوية والحفاظ على هويتهم. وفي الوقت نفسه يستغل هؤلاء القضايا التي تثير غضب معظم المسلمين من قضية سلمان رشدي وصولاً إلى الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وقضية الحجاب؛ ليقدموا أنفسهم على أنهم قادة التصدي للعدوان على المسلمين والإسلام.

يوسف القرضاوي الزعيم الروحي المفترض للحركة الإسلاموية العالمية- أرشيف

وعلى الصعيد الخارجي، فإن الإسلاموفوبيا تخدم غرضَين رئيسيَّين؛ الأول هو إتاحة المجال لطيف واسع من التحالفات مع مجموعات أخرى تواجه التمييز، حيث تحالف الإسلامويون الغربيون مع منظمات وكيانات كانت الحركات الإسلامية تناصبها العداء مثل المنظمات اليهودية ومنظمات المثليين. والغرض الثاني هو استخدام الإسلاموفوبيا لوصم أي انتقاد يوجه إليهم حتى ولو جاء من أشخاص مسلمين.

اقرأ أيضاً: فلورنس بارغو-بلاكلار: الحديث عن الإسلاموية بات شبه محرم في بلجيكا!

صحوة الشبكات الإسلاموية

بعد النجاح الذي حققته “اليقظة” الإسلاموية في المجتمعات الغربية على مدى العقد الماضي، بدأ الإسلامويون يصوغون قضاياهم التقليدية؛ مثل فلسطين والتمييز ضد المسلمين، في أطر أكثر تقدمية، وتبنوا قضايا غربية جديدة؛ مثل تغير المناخ والمساواة بين الجنسين. ويثير هذا النهج الجديد تساؤلات محقة حول مدى مصداقيته، إذ يجادل المشككون أن استخدام الإسلاميين لغة اليسار التقدمي هو مجرد وسيلة لتحسين صورتهم، ولا يتعدى كونه واجهة للتخلص من الصورة السيئة التي تلوث الأوساط الإسلامية. ويستشهد هؤلاء على دعم الهياكل الإسلامية لهذه التوجهات ببعض الأمثلة وأبرزها قناة “الجزيرة+” المعروفة بشعارها (AJ+)، التي تقدم نفسها على أنها مكرسة لحقوق الإنسان والمساواة وتضخيم أصوات المجتمعات المهمشة. وعلى الرغم من كون هذه المنصة جزءاً من قناة “الجزيرة” التي تمولها الحكومة القطرية والتي تعرف بدعمها لجماعة الإخوان المسلمين، فهي تستهدف جمهوراً مختلفاً تماماً عن جمهور القناة الأم، وتتبنى نهجاً مختلفاً وتعرض قضايا بعيدة عن قضايا الإسلاميين وتحرص على الانتشار في المجتمع الغربي من خلال اهتمامها بقضايا مثل التمييز وقضايا المثليين.

قناة AJ+ تهتم بقضايا المثليين لتقدم نفسها كمنصة تقدمية- أرشيف

وإذا كانت AJ+ عبارة عن منصة رقمية تستهدف جيل التيك توك، برسائل بسيطة ولكنها منتجة بطريقة احترافية للغاية؛ فهنالك كيانات ذات خلفية إسلامية واضحة تسعى إلى نشر نسخة أكثر أكاديمية عن اليقظة الإسلاموية، مثل مركز الدراسات الإسلامية والشؤون الدولية في جامعة إسطنبول الذي يرتبط بحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. وقد تلقى المركز تمويلاً حكومياً سخياً وأصبح يضم أكثر من عشرة آلاف طالب في غضون سنوات قليلة.

تأسس المركز على يد الناشط الفلسطيني سامي العريان، الذي حصل على اللجوء السياسي في تركيا بعد أن قضى حكماً بالسجن في فلوريدا بتهم إرهابية. وسرعان ما أصبح المركز يلعب دوراً رئيسياً في دراسات الإسلاموفوبيا ويضم العشرات من الباحثين والأكاديميين التقدميين والمتطرفين في مزيج مثالي يناسب توجهات اليقظة الإسلاموية. وقد تجلى ذلك بشكل واضح في مؤتمره السنوي لعام 2021 الذي عقد عبر الإنترنت بسبب جائحة كوفيد-19، والذي شارك فيه من بين آخرين جامعة حمد بن خليفة القطرية، ومنظمة “كيج” البريطانية المثيرة للجدل، التي أُنشأت للمطالبة بإطلاق سراح معتقلي غوانتانامو الإسلامويين. وكان من بين المتحدثين إسلاميون معروفون؛ مثل ياسين أقطاي كبير مستشاري رئيس حزب العدالة والتنمية وشفيقة أتالاي القيادية في جماعة مناهضة للإسلاموفوبيا في فرنسا، قامت الحكومة الفرنسية بحلها بعد مقتل المدرس صموئيل باتي، وأيضاً السجين السابق في غوانتانامو وعضو منظمة “كيج” معظم بيغ. بينما كان بقية المتحدثين أكاديميين غربيين من مختلف المجالات.

ويجسد الصحوة الإسلاموية العابرة للحدود التابعة للمركز الباحث الشاب من النمسا فريد حافظ. وهو زميل في المركز شارك في مؤتمراته السنوية الثلاثة، وهو أيضاً زميل في “مبادرة الجسر” التي يقوم بها مركز الوليد بن طلال للتفاهم المسيحي الإسلامي التابع لجامعة جورج تاون، الذي يديره اثنان من علماء الدراسات الإسلامية المتعاطفين مع الإسلامويين، وهما جون إسبوزيتو وجوناثان براون. وكلاهما يُقيمان علاقات وثيقة مع العريان، كما أن براون متزوج من ليلى ابنة سامي العريان، التي تعمل كمنتجة برامج في قناة “الجزيرة”. ولذلك فإن موقع حافظ في كلا المركزين غير مفاجئ.

اقرأ أيضاً: الفجوة بين وجهات النظر الشعبية والنخبوية تجاه الإسلاموية في سويسرا

وحافظ هو نجم صاعد في مجال دراسات الإسلاموفوبيا، وقد ألقى العديد من المحاضرات على جانبي الأطلسي ويتعاون مع عدد كبير من الباحثين في هذا المجال. وهو يعتمد إلى حد كبير الأطر التقدمية في مناقشة الإسلاموفوبيا؛ ولكنه في الوقت نفسه شخص مثير للجدل، فقد اعتقل في النمسا على خلفية عملية لمكافحة الإرهاب تقول الحكومة النمساوية إن كل المعتقلين في إطارها هم أفراد في شبكة دعم للإخوان المسلمين. ولكن حافظ أصر على براءته، وقال إن قضيته لا أساس لها من الصحة وهي ذات دوافع سياسية.

فريد حافظ – أكاديمي إسلاموي نمساوي من أصل مصري- أرشيف

وعلى الصعيد الأكاديمي، اكتسب حافظ اهتماماً دولياً كمحرر مشارك في مركز التقرير الأوروبي عن الإسلاموفوبيا، الذي يصدر مجلداً سنوياً يحدد فيه المساهمون الحوادث التي يزعمون أنه تحمل تمييزاً ضد المسلمين في أوروبا. ومن الجدير بالذكر أن الغلاف الخارجي للإصدار الأخير للتقرير يحمل صورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهذا مؤشر واضح على أن أهداف التقرير لا تقف عند الأفراد أو الفاعلين الذين يتخذون موقفاً واضحاً في كراهية المسلمين؛ ولكنه يطول أيضاً الشخصيات الرئيسية التي تتحدى الإسلاموية.

ويرتبط هذا المركز بعلاقات قوية مع تركيا البلد الذي يتهم الحزب الحاكم فيه أوروبا بالسماح بانتشار الإسلاموفوبيا، والمحرر المشارك في التقرير هو أنيس بيرقلي، الذي يشغل منصب مدير الدراسات الأوروبية في مؤسسة “سيتا” التي تعتبر إحدى الأذرع الدعائية لحزب العدالة والتنمية. وعلى مدى عدة سنوات، قام الاتحاد الأوروبي بتمويل التقرير كجزء من حوار المجتمع المدني بين الاتحاد وتركيا. ولكن نسخة عام 2020 من التقرير نشرها معهد ليوبولد ويس من فيينا، الذي لا يمتلك موقعاً إلكترونياً ولا يعرف أي نشاط له؛ ولكن البحث في قواعد البيانات النمساوية أظهر أن مدير المعهد هو فريد حافظ.

كان الدور التركي واضحاً جداً في إصدارات التقرير، وكذلك كان واضحاً جداً حضور السياسيين الأتراك البارزين لمناسبات إطلاق التقرير واستخدامهم نتائجه لدعم مواقفهم السياسية. ومثال ذلك تصريح نائب وزير الخارجية التركي ومدير شؤون الاتحاد الأوروبي فاروق قيمقجي، بأن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سيكون ترياقاً لهذه القضايا، وأن الاتحاد الأوروبي سيتمكن من تغيير صورته كنادٍ إمبريالي مسيحي.

اقرأ أيضاً: “اليسار الإسلاموي” و”البوتقة الإسلاموية” في فرنسا 2-2

ردود الفعل والتطورات المحتملة

لقد سمح تبني القضايا التقدمية الغربية للإسلامويين بتحقيق قبول واسع في الأوساط التقدمية من المؤسسات المناهضة للعنصرية ووسائل الإعلام والوكالات الحكومية التي تدعم التنوع وتناهض التمييز إلى الكنائس التقدمية. وقد وفر لهم هذا القبول حصانة من اتهام النقاد لهم بأنهم إسلامويون.

ولكن في الوقت نفسه، تعرضت ظاهرة الصحوة الإسلاموية إلى تمحيص كبير وانتقادات متزايدة في الغرب؛ خصوصاً في فرنسا والدول الناطقة بالفرنسية، حيث تظهر المخاوف من الإسلاموية بشكل أوضح. وقد أعلن الرئيس ماكرون بصراحة أنه ضد ثقافة اليقظة الإسلاموية. وفي هذه الأجواء، ليس من المستغرب أن تحتدم النقاشات حول مصطلح “اليسار الإسلاموي” المثير للجدل على أعلى المستويات الحكومية والثقافية الفرنسية؛ حيث صرحت وزيرة التعليم العالي الفرنسية فريديريك فيدال، بأن “اليسار الإسلاموي ينخر في مجتمعنا بأكمله”. كما أن صحيفة “لوفيغارو” كتبت في مقال لها عن التمويل الحكومي الذي تتلقاه منظمة FEMYSO، وهي منظمة طلابية مقرها بروكسل أسسها كبار قادة الإخوان المسلمين ويديرها تاريخياً أعضاء في الجماعة أو زعماء طلابيون مرتبطون بها.

منظمة FEMYSO تتلقى تمويلاً حكومياً في فرنسا- أرشيف

كما تلقت اليقظة الإسلاموية انتقادات حادة من أصوات إسلامية؛ منها المؤلف الفرنسي التونسي نعيم بستنجي، الذي يرى أن الإسلاموية في جوهرها هي أيديولوجية يمينية متطرفة؛ ولكنها أدركت أن العمل مع اليسار التقدمي هو أفضل تكتيكاتها الواعدة وأن “التسلل إلى الدوائر المناهضة للعنصرية هو أمر ضروري”. ويقول: “من أجل ذلك، عليك تحويل الدين إلى عرق، وبالتالي فإن أي انتقاد يوجه إلى أيديولوجيتهم سيكون هجوماً على الأفراد المسلمين. وبذلك يتشابك الصراع الديني مع مكافحة العنصرية وتصبح الثانية ذريعة لتقدم الأول. إنها ضربة ذكية.

وبغض النظر عما إذا كان تبني القضايا التقدمية من جانب الإسلامويين حقيقياً أم مجرد تكتيك، فقد أصبحت الصحوة الإسلاموية مصدر قلق للكثيرين. وقد تم تأطير هذا القلق جيداً من قِبل الناشط البلجيكي دياب أبو جهجاه الذي يتمتع بخلفية تجعل وجهة نظره مثيرة للاهتمام بشكل خاص. ولد أبو جحجاح في لبنان عام 1971 وقاتل مع الميليشيات الشيعية قبل أن ينتقل إلى بلجيكا عام 1991. وهناك أسس الجمعية العربية الأوروبية، وهي مجموعة ناشطة أصبحت مثيرة للجدل بشكل خاص في السنوات التي أعقبت هجمات سبتمبر 2001 الإرهابية، عندما عبَّر أبو جهجاه عن دعمه المقنع للهجمات وعن آراء أخرى معادية للغرب، مما أكسبه لقب “العدو العام الأول لبلجيكا”. ومنذ ذلك الحين ترك العمل العام واشتغل بالتدريس، ولكنه استمر في مراقبة المشهد الإسلامي في بلجيكا عن كثب.

اقرأ أيضًا: الإسلاموية مستعدة للعودة من جديد

كتب أبو جهجاه في مدونته: “هذه الصحوة الإسلاموية إلى جانب بقية الحركة التقدمية المتطرفة (التي كثيراً ما تسمى بالصحوة) تحلم بأرخبيل من الجزر الآمنة التي تتفاعل في عدالة ومساواة. وفي هذه الصورة الجميلة الملونة المثالية للمجتمع تكمن الطبيعة السامة للإسلاموية الأوروبية اليوم. فإلى جانب الصحوات الأخرى قام الإسلاميون الجدد بتفكيك النظرة العامة الشاملة لصالح تقاطع الاستثناءات، وبذلك ستصبح الاستثناءات في يوم ما هي القاعدة في نهاية المطاف”. ويضيف: “إن حقيقة أن نسبة كبيرة من الإسلامويين يعتنقون الآن سياسات تقدمية للغاية هو أفضل من اعتناقهم الفاشية الجهادية. ومع ذلك فإن الهجوم على الحداثة ومعظم قيمها -بما في ذلك العلمانية- يتم بطريقة أكثر دقة وفعالية ومن خلال تحالف واسع يمتلك إمكانات كبيرة لتوظيفها. وهذه الاستراتيجية لا تهدف إلى إقامة الدولة الإسلامية، ولكن يمكنها أن تؤدي إلى تشظي المجتمع على أساس الهوية؛ بحيث يمكن للجميع أن يكونوا “أنفسهم”. ويخلص أبو جهجاه إلى القول: “عندما تصبح الاستثناءات هي حجر الزاوية في المواطنة، فمن سيتجرأ على تحدي الدعوات لإنشاء محاكم خاصة وحتى قوانين خاصة”.

من الصعب القول ما إذا كانت توقعات أبو جهجاه بتطور الصحوة الإسلاموية صحيحة، ولكن ما هو واضح هو أن هنالك اتجاهاً متزايداً داخل الدوائر الإسلامية الغربية لتبني قضايا ولغة تقدمية للغاية ولإقامة تحالفات مع كيانات في بيئتها. والأسئلة حول هذا التطور الجديد كثيرة جداً، وتدور حول ما إذا كان هذا التوجه حقيقياً أم تكتيكياً وما إذا كان بإمكانه خلق انقسامات في صفوف الإسلاميين بسبب عدم ارتياح من هم أكثر تشدداً لتبني القيم الغربية التقدمية للغاية، وعما إذا كانت بعض الدوائر التقدمية سترفض احتضان الصحوة الإسلاموية.

ربما تتبلور هذه الديناميكيات بطرق مختلفة وفي ظروف مختلفة في بلدان مختلفة؛ ولكن من المؤكد أن حركة اليقظة الإسلاموية هي حركة تستحق المتابعة.

♦مدير برنامج التطرف في جامعة جورج واشنطن.

المصدر: مؤسسة هدسون

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة