الواجهة الرئيسيةترجمات

صعود السلفية في غزة

كيوبوست – ترجمات

د. سامي مبيض ♦♦

في 28 أغسطس 2019، اجتاحت هجماتٌ انتحارية، منسَّقة، متتالية، قطاعَ غزة، واستهدفت نقطتي تفتيش تابعتين لحركةِ حماس. وقع الأول في الدحدوح، غرب غزة، فيما أصاب الثاني نقطة تفتيش في منطقة الشيخ عجلين، مما أسفر عن مقتل ثلاثةٍ من رجال الشرطة. من جانبها، ردَّت حماس بشنّ حملة على المتطرفين الفلسطينيين، الذين يشتبه في تعاطفهم مع تنظيم داعش[1]. وسرعان ما أُعلن أن أحد الانتحاريين هو الابن المنشق لقائد رفيع المستوى في حماس، يعمل الآن مع فرع داعش في مدينة غزة[2].

أرضٌ خصبة للتطرف

رغم أن المتطرفين في غزة أبدوا إعجابهم بداعش، لكنهم لم يصلوا لحد إعلان الولاء للجماعة الإرهابية الدولية حتى الآن. لقد ظهرت سرية الشيخ عمر حديد السلفية، التي كانت تنظيمًا صغيرًا إلى حد ما وغير معروفة بشكل كبير، بطريقة منظمة للمرة الأولى بعد أشهر قليلة من إعلان الخليفة أبوبكر البغدادي عن تدشين إمارته من الموصل في شمال العراق، في يوليو 2014. والمعروف أن غزة هي موطن مزيجٍ ضخم من اللاجئين الفلسطينيين الذين فروا إلى المنطقة، من القرى التي يحتلها الإسرائيليون. ويعاني سكانُ القطاع العديد من المشكلات الاقتصادية المعوِّقة، بالإضافةِ إلى ما يعانونه كون حكومة حماس غير كُفُؤٍ، واستبدادية بشكل متنامٍ، ناهيك عن الحصار القاسي الذي تفرضه إسرائيل. وهكذا، يعيش سكان غزة في فقر مدقع، ويعلق بعض السكان آمالًا على السلفية، والمذهب المتطرف للقاعدة. ومن ثم لم يكن من المستغرب أن ينجح البغدادي في كسب عقول وقلوب المتطرفين في غزة أيضًا.

اقرأ أيضًا: بسبب “حماس” والحصار.. الأمراض النفسية تفتك بأهالي غزة

لم يتمكن الاقتصاد في قطاع غزة أن ينمو سوى بنسبة 0.5% فقط سنويًا، ونصف القوى العاملة مسجلون كعاطلين عن العمل، وفقًا للبنك الدولي[3]. ونظرًا لأن 60% من الباحثين عن عمل هم في أوائل العشرينيات من عمرهم، فهذا يجعلهم مجندين محتملين في الشبكات الجهادية الإقليمية. كما أن معدل الفقر يبلغ أعلى مستوى له على الإطلاق، حيث يصل إلى قرابة 80% بين سكان القطاع البالغ عددهم مليوني نسمة، رغم أن مسؤولي حماس يصرون على أنه لا يتجاوز 39%.[4]

إضافة إلى ذلك، يعاني سكان القطاع المكتظ عدم انتظام الحصول على الكهرباء ومياه الشرب النظيفة، مما يجعل غزة وفقًا للأمم المتحدة، منطقة “غير صالحة للعيش” بحلول عام 2020.[5] ووفقًا لرأي باحثين في الشأن الفلسطيني، فإن الجوع والإذلال موجود في كل مكان في غزة، وأصبح القطاع حاضنة للتطرف، ولا يمكن لحماس حتى أن توفر الأساسيات الضرورية للشعب، مما يجبرهم على البحث عن بدائل.

ميلاد “إمارة إسلامية”

ظهرتِ العناصرُ الأولى لتنظيم القاعدة في غزة في عام 2009، عن طريق طبيبٍ سلفي يُدعى عبد اللطيف موسى (الملقب بأبو أنور المقدسي). ومن على منبر مسجد ابن تيمية في مدينة رفح، أعلن تأسيسَ ما سماه الإمارة الإسلامية في غزة مع ميليشيا تدعى “جند أنصار الله”، قبل أن يلقى مصرعه على يد شرطة حماس[6]. وفي وقتٍ لاحق، تحول أنصاره، أو ما تبقى منهم، إلى داعش في مايو 2015، التي رأوا في نسختها من الإسلام الخلاص والأمل. في ذلك الوقت، كان داعش يتصدر عناوين الصحف العالمية، حيث كان يحكم أراضيَ شاسعة، تعادل مساحة بريطانيا العظمى، ويصل عددُ سكانها قرابة ستة ملايين نسمة، تمتد على صحاري سوريا والعراق[7]. ومن عاصمته في الرَّقّة على نهر الفرات، كان لديه كل السمات الخارجية للدولة، بما في ذلك جيش كامل، جهاز استخبارات ذو كفاءة عالية، علَم وطني، إدارة مدنية فعالة، وخزانة تعج بأموال النفط. وكانت الجماعاتُ المنتسبة له تظهر في نيجيريا، وليبيا، ومصر، ولبنان، وكمفاجأة صغيرة، في مدينة غزة أيضا.

كان من السهل على داعش إلى حد ما بدء العمليات في غزة، وتغذية التدفق المنتظم للأسلحة المهربة القادمة من سيناء، حيث كان يعمل بالفعل فرع آخر للتنظيم، هو أنصار بيت المقدس. وكانتِ الأسلحةُ التي تصل إلى الجهاديين المصريين والفلسطينيين، هي عبارة عن بقايا ساحة المعركة الليبية ضد معمر القذافي، التي تم تهريبها من خلال شبكة معقدة تضم قرابة 1,200 نفق.

اقرأ أيضًا: غزة تشتعل.. حراك جماهيري لإسقاط “حماس” وعصيان مدني قريب

جذب انتباه البغدادي

لجذب انتباه أبوبكر البغدادي، أطلق الجهاديون الفلسطينيون على مجموعتهم اسم عمر حديد، وهو إسلامي عراقي مثل البغدادي، قُتل في معارك الفلوجة غرب بغداد، في ديسمبر 2004. واكتسب حديد شهرةً في مدينته الأم في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، عندما هاجم المتاجر التي تبيع المشروبات الكحولية، حيث أخذ زجاجات الويسكي والخمر وصبها في الشوارع. عندما أمر صدام حسين باغتياله، اضطر حديد للاختباء لسنوات، إلى أن عاد للظهور كعضو في تنظيم القاعدة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003.[8] وينحدر حديد من قبيلة الدُلَيم القوية في العراق، وهو أحد أقارب زوجة البغدادي الثالثة سجى الدليمي[9]. وقد لفت الاسم انتباه البغدادي.

تصاعد هجمات سرايا عمر حديد

في البداية، كانت عمليات سرايا عمر حديد تفتقر إلى البراعة، وهو السبب الذي جعل عددًا قليلًا من الناس يأخذونها على محمل الجد. ومع ذلك، صعّدتِ الجماعةُ من هجماتها، سواء من حيث تواترها أو نطاقها. وفي أواخر عام 2014، أعلنت جماعةٌ تابعة لها مسؤوليتها عن هجومٍ على مركز ثقافي فرنسي في غزة؛ لأنه كان يُرّوج للموسيقى والمسرح، وهما من المحرمات بالنسبة لداعش[10]. وفي مايو 2015، أعلنت مسؤوليتها عن هجوم صاروخي على مدينة أشدود، أعقبه هجومان على شمال إسرائيل في يونيو 2015، دون وقوع إصابات[11]. وفي عام 2015، فجروا سيارة صابر صيام، أحد المسؤولين في حماس، وهددوا بملاحقة مسؤولين آخرين في حماس، واحدًا تلو الآخر[12].

وبعد ذلك بشهر، وزعوا منشورات في القدس الشرقية المحتلة، هددوا فيها بقتل مسيحيين فلسطينيين. وفي الآونة الأخيرة، تدعي حماس أن داعش كان وراء محاولة اغتيال توفيق أبو نعيم، رئيس الأمن الداخلي في غزة في أكتوبر 2017، ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله في مارس 2018.

قِبلة الفارين من حماس

أصبحت سرايا عمر حديد بؤرة جذب فورية لعدد من الفارين من حماس، الذين حمّلوا الحركة مسؤولية الانشغال الشديد بإدارة دولةٍ فاشلة، والبحث عن رعاة إقليميين، وبالتالي التراجع عن واجباتها الأصلية في شنّ حرب مقدسة ضد إسرائيل. وقبل أشهر من ظهور سرايا عمر حديد في عام 2015، كانت حماس تدرس عقد هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل، مما أثار غضب المتشددين داخل الجماعة.

وتشير التقديرات إلى أن هناك المئات من الشباب الفلسطينيين الذين انضموا إلى الجناح العسكري لحماس، كتائب عز الدين القسام، لشنّ حرب مقدسة والاستشهاد. وبدلًا من ذلك، تم توظيفهم كرجالِ شرطة من قِبل حماس. وأدى عدم انتظام مؤسسات الدولة التابعة لحماس في دفع الأجور إلى تسريع معدل الانشقاقات، وذلك بعد أن توقفت الأموال الإيرانية القادمة إلى غزة، في ضوء النفقات الأكثر إلحاحًا في ساحة المعركة السورية. وَوَعد داعش بتقديمِ ما فشلت فيه حماس، قائلًا إن هدفه النهائي هو القضاء على دولة إسرائيل، وتأسيس حكومة إسلامية في غزة، تحكمها قوانين الشريعة الإسلامية[13]. وقال أبو العيناء الأنصاري المتحدث باسم السرية “سنبقى كشوكة في حلق حماس… وشوكة في حلق إسرائيل”[14].

اقرأ أيضًا: الكفاءات تهرب من غزة.. مرارة واقع ونتائج كارثية

تهديد خطير

وجود عدد كبير من المنشقين عن حماس في صفوف سرايا عمر حديد جعل الأخيرة تشكل تهديدًا خطيرًا للأولى. ذلك أن هؤلاء الأشخاص يعرفون أنفاق حماس السرية، والمواقع الدقيقة لجميع أسلحتها. ومن أبرز المنشقين محمد الدجني، ابن قائد حماس أنور الدجني، الذي كان مسؤولًا عن “شؤون الجرحى” في غزة.

وفي يناير 2018، أُعدم فلسطينيٌّ بتهمةِ تهريبِ أسلحةٍ إلى كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحماس[15]. وفي وقتٍ سابق، قام داعش بقطعِ رأس الشيخ أبو صالح طه، أحد كبار قادة حماس في سوريا، في مخيم اليرموك بالقرب من دمشق، بعد أن اجتاحتِ الجماعةُ الإرهابية المخيَّم خلالَ المعارك المعقدة للنزاع السوري[16].

لا شك أن وجودَ جماعاتٍ مثل سرايا عمر حديد، يسبِّب إزعاجًا كبيرًا لحماس، لمجرد أنها تجذب نفس الجمهور الذي تدَّعِي حماس تمثيلَه، وهم المسلمون السنة في فلسطين، والعالم العربي الأكبر. إذ يدَّعِي كلاهما أنهما يحملان راية إقامة دولة إسلامية، وتدمير إسرائيل. والفرق الوحيد هو أنه في حين تم اختبار حماس في الحكومة -وثبت فشلها بشكل متكرر- لا تزال الجماعاتُ السلفية الأخرى جذَّابة إلى حد ما، وتقدم وعودًا بتصحيح أخطاء حماس كافة، وتحقيق حياة أفضل للفلسطينيين. ونظرًا لعدم وجود بدائل أفضل في غزة، فإن السكان يتواصلون مع هذه الجماعات.

المصدر: عين أوربية على التطرف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باحث وأستاذ جامعي سوري، متخصص في الدراسات التاريخية، عمل باحثا في مركز كارنيجي، مؤلف كتاب: تحت الراية السوداء- على مشارف الجهاد الجديد”، صدر في 2015.

المراجع:

[1] Adnan Abu Amer, “Gaza explosions leave Hamas exposed”, Al-Monitor, September 3 2019.

[2] I24 News. August 28 2019.

[3] “A Sustainable Recovery In Gaza Is Not Foreseen Without Trade”, The World Bank, March 15, 2018.

[4] “Israel-Palestinian conflict: Life in the Gaza Strip”, BBC, May 15, 2018.

[5] “Living conditions in Gaza ‘more and more wretched’ over past decade, UN finds”, UN News,  July 11, 2017.

[6] “What happened between Hamas and Daesh?”, Irfaa Sawtak, August 30, 2019.

[7] Atwan, Abdulbari. Al-Dawla al-Islamiya, 21.

[8] Sami Moubayed, “The seal of the ‘Caliph’ in Gaza City”, Gulf News, September 2015.

[9] Sami Moubayed, “The seal of the ‘Caliph’ in Gaza City”, Gulf News, September 2015.

[10] Dave Bender. “Islamic State Boasts of French Cultural Center Blast”, Gaza Operations, The Algemeiner, December 14, 2014. 

[11] Gili Cohen, Shirly Seidler, Jack Khoury, “IDF Strikes Gaza After at Least Two Rockets Fired Toward Southern Israel”, Haaretz, June 4, 2015. 

[12] Israeli National News (31 May 2015).

[13] Yaakov Levi, “ISIS Threatens to Destroy ‘Heretical Hamas’”,  Israel Today, June 9, 2015.

[14] Zack Beauchamp, “ISIS is threatening Hamas in Gaza. That’s scary news.”, VOX, July 2, 2015. 

[15] Ashraf Abdul Hamid. “ISIS Sinai executes a defector and threatens Hamas”, Al Arabiya, January 4, 2018.

[16] Ari Soffer. “Report: ISIS Beheads Senior Hamas Member in Syria”. Israeli National News, April 5, 2015. 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة