الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

صراع بين العربية والفرنسية آخر فصول التوتر بين الجزائر وباريس

يراهن المتابعون على أن تضع الأزمة الديبلوماسية حداً لهيمنة اللغة الفرنسية على حساب العربية

الجزائر- علي ياحي

انتقلتِ المعركة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا إلى اللغة، بعد أن قررت وزاراتٌ إنهاء التعامل باللغة الفرنسية، ما فتح نقاشاتٍ واسعة بين الفرانكوفونيين والمعرّبين، المستفيد الأول منها اللغة الإنجليزية التي باتت مطلوبة بشكلٍ كبير.

وتتجه العلاقات بين باريس والجزائر إلى مزيدٍ من التصعيد، خاصة في ظلِّ الرفض الذي أبداه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بشكلٍ صريح، للقيام بالخطوة الأولى لمحاولة تخفيف التوتر مع فرنسا بعد تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون التي انتقد فيها الأمة الجزائرية، ولعل توسع دائرة الهيئات والمؤسسات الرسمية التي أنهتِ التعامل باللغة الفرنسية، دليل على تأزم الأوضاع بين الجانبين.

اقرأ أيضاً: هل دفعت تصريحات الرئيس الفرنسي الأخيرة بالجزائريين إلى الفخ التركي؟

ورغم أن التيار لا يمر بين البلدين دبلوماسياً، فإنه لا طرف كان يتوقع إقدام الجزائر على محاصرة اللغة الفرنسية، حيث قرر ديوانُ الممتلكات لوزارة الثقافة، وكل فروعه، إنهاء الفرنسية في الأختام والمراسلات، بعد أن أقدمت 3 وزارات على نفس الخطوة، ويتعلق الأمر بوزارة التكوين المهني ووزارة الشباب والرياضة، ووزارة العمل، وقبلهم مؤسسة “بريد الجزائر”.

لغة ميتة

وفي السياق، يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي؛ أسامة لبيد، في حديثٍ لـ”كيوبوست”، أن كل دول العالم تستعمل لغتها في تعاملاتها إلا الجزائر تستعمل لغة المستعمر في مختلف المجالات، وفي كل الوزارات والمؤسسات للأسف، وعليه فإن خطوة الوزارات إيجابية لتكريس وفرض اللغة العربية، وقال إنه “نأمل في تبني كل الوزارات والمؤسسات هذه الخطوة الإيجابية التي ترد الاعتبار للغة العربية”، مشيرا إلى أن اللغة الفرنسية ليست لغة العلم والتكنولوجيا، بل بالعكس هي لغة ميتة، عكس اللغة الإنجليزية العالمية.

أسامة لبيد

ويشدد لبيد على أن ما تعانيه اللغة العربية في الجزائر مرده ضعف الوعي السياسي الذي أشاع نوعاً من “التكابر” على اللغة الأم، موضحاً أن قرار وزارات إنهاء استعمال اللغة الفرنسية في مراسلاتها الرسمية هو رد الاعتبار للغة العربية في وقتٍ كانت تطغى فيه اللغة الفرنسية، رغم أن العربية هي الرسمية في الدستور.

اقرأ أيضاً: بعد إثارته من قبل ماكرون.. الوجود التركي في الجزائر بين الاستعمار والحماية

لقد رافقت هذه القرارات نقاشات وجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى صفحات الجرائد ومختلف القنوات، كون استعمال اللغة العربية مكرس دستورياً لكن التعامل بها يبقى مهمشاً، ما عدا وزارة الدفاع التي تعتبر الوحيدة في اعتماد اللغة العربية في مراسلاتها الداخلية، وفي بياناتها الرسمية، وفي شعاراتها، لتبقى المعركة بين الجزائر وفرنسا مستمرة على مختلف الجبهات.

ويقول عضو مجلس الأمة الجزائري؛ عبد الوهاب بن زعيم، في تصريحٍ مقتضب لـ “كيوبوست”، إنه حان الوقت لفتح كل الملفات مع فرنسا، ووضع النقاط على الحروف، معتبراً أن زمن المجاملات والدبلوماسيات قد انتهى، مضيفاً أن الفرنسيين لم يتعلموا الدفاع عن أرضهم ولا عن سيادتهم، عكس الجزائريين الذين دفعوا الثمن من أرواحهم ليستقل بلدهم، وتابع أنه الأمة الفرنسية ممكن تكون سلمت وعلمت أبناءَها النسيان، على عكس الأمة الجزائرية التي يبقى تاريخها حافلاً تتوارثه الأجيال القادمة.

عضو مجلس الأمة الجزائري؛ عبد الوهاب بن زعيم

ويراهن المتابعون على أن تضع الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، التي مسَّت الاقتصاد والثقافة، حداً لهيمنة اللغة الفرنسية على حساب العربية، بعد أن فشل الحراك الشعبي في تحقيق هذا الانتصار بالرغم من أنه أثار زوبعة لغوية، ونقاشات سياسية وأخرى “هوياتية” تتصل بموقع اللغة العربية، ومدى ارتباط الثقافة الفرنسية بمشروع الدولة.

إلى ذلك، بيَّنت سفارة فرنسا بالجزائر، أن باريس وضعت خطة متعلقة باللغة الفرنسية، وبتعدد اللغات عرضها الرئيس إيمانويل ماكرون، تتمحور حول 33 نقطة، تهدف إلى تعزيز اللغة الفرنسية والفرانكوفونية، عبر إقامة تعاون مع السلطات المحلية بغية ترقية مكانتها ونظمها التعليمية، وإلى تنظيم نشاطٍ تعليمي مباشر، تديره الشبكات الثقافية والمدرسية الفرنسية.

اقرأ أيضاً: حركة النهضة خارج الحسابات الجزائرية

إهانة للسيادة الوطنية

وفي الشأن ذاته، يرى أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر؛ بريك الله حبيب، في تصريحٍ لـ”كيوبوست”، أن استمرار استعمال اللغة الفرنسية في المراسلات الرسمية والإدارية هو نوع من الإهانة للسيادة الوطنية واللغة العربية التي أقرها الدستور الجزائري لغة رسمية إلى جانب اللغة الأمازيغية، وقال إن هذا الواقع  يستدعي إرادة حقيقة من جميع الدوائر السياسية، والمؤسسات السيادية في الدولة، من أجل إلغاء استعمال اللغة الفرنسية، وتثبيت اللغة العربية رسمياً في مختلف المراسلات.

بريك الله حبيب

ويواصل حبيب، أن بعض الأبواق الفرنسية لا زالت تتشدق في مختلف المنابر الإعلامية العالمية بالتبعية الثقافية الجزائرية لفرنسا بسبب هذه اللغة، موضحاً أن ما أقدمت عليه الوزارات خطوة مهمة جداً في مواصلة اجتثاث جذور السيطرة الفرنسية على بعض المرافق، بمساعدة جهاتٍ داخلية، وختم أن هذه الخطوات تدعو للاطمئنان.

اقرأ أيضاً: هل وصلت العلاقات الجزائرية- المغربية إلى نقطة اللا عودة؟

وتستمر محاصرة اللغة الفرنسية في الجزائر، بعد أن افتتحت وزارة التعليم العالي، معهدين الأول للرياضيات والثاني للذكاء الاصطناعي، يتم التدريس فيهما لأول مرة بالإنجليزية بدل الفرنسية، وهي الخطوة التي دفعت سفارة الولايات المتحدة الامريكية بالجزائر إلى التعليق عبر بيانٍ أن اعتماد الإنجليزية للتدريس في المعهدين، سيغير مستقبل التعليم في البلاد. كما أطلق “منتدى المواطنة والبيئة الجزائري” حملةَ جمع توقيعاتٍ مليونية لمطالبة الحكومة بتغيير لغة التدريس الثانية من الفرنسية إلى الإنجليزية، حيث تتواصل الحملة عبر الإنترنت، وأوضح في بيان أن الحملة تهدف إلى “السعي لمواكبة العالم لغوياً وفكرياً وعلمياً، ولننقذ أبناءنا من تضييع سنواتٍ في تعلم لغة لا تفيد في شيء”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

علي ياحي

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة