الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

صراع العجائز يعمق أزمة التنظيم ويزيد الانشقاقات

الدفع بطُلبة إلى الواجهة ضربة لمنير وإرهاصات بولادة تيار جديد.. واستثمارات التنظيم المالية والروابط الأُسرية عامل حاسم في حرب كسر العظام بين إسطنبول ولندن

كيوبوست

شهدت الأيام الماضية تطورات ليست إلا تفاصيل ضمن الانشقاق الذي يعيشه تنظيم الإخوان المسلمين؛ شهادة نشرها أحمد عبدالعزيز، القيادي ومستشار الرئيس الراحل محمد مرسي، الذي أُطيح به في ثورة شعبية في نهاية يونيو 2013. وكان عبدالعزيز مسؤولاً عن ملف الإعلام في التنظيم، وضالعاً في المشكلات المالية التي سببت التناحر بين عجائز التنظيم في إسطنبول ولندن.

88 صفحة من البكائيات وتنزيه الذات نشرها عبدالعزيز على الإنترنت، اعتبرت شهادة شخصية حدد فيها موقفه من الخلاف الجاري، وتنصل فيها من أي دور في ما يحدث، معلناً أسفه على ما يجري. بينما يذهب مراقبون إلى أن علاقته الوطيدة بخيرت الشاطر، الذي يقبع في السجن، توحي بأنه يهيئ نفسه لدور قيادي جديد تحت مظلة محمود حسين، الذي يهيمن على جبهة إسطنبول. وجاءت شهادة عبدالعزيز ملقيةً باللوم على محمود حسين، متضمنةً تهماً له، وانتقاداً لطيفاً لإبراهيم منير، الذي يبدو في نظر عبدالعزيز شخصاً ضعيفاً غير قادر على حسم الأمور.

اقرأ أيضًا: خلافات جبهتَي لندن وأنقرة تمهد لخارطة إخوانية جديدة

 وجاء تعيين مجلس شورى الجماعة في إسطنبول مصطفى طلبة، رئيساً للجنة القائمة بأعمال المرشد، ليعمق أزمة التنظيم؛ حيث قابلها إبراهيم منير بفصل طُلبة وإحالته إلى التحقيق مع مجموعة من قيادات إسطنبول؛ بمَن فيهم محمود حسين.

عمل طُلبة في السعودية قرابة عشرين عاماً في مستشفى دلة حتى 2018، وحتى بدايات شهر ديسمبر كان يمكن حجز موعد مع طلبة الذي كان اسمه ضمن قائمة أطباء مستشفى دلة في العاصمة السعودية الرياض.

ودارت شكوك حول تنسيق بين جبهة إسطنبول والمخابرات المصرية، للدفع بطلبة إلى الواجهة بعد سنوات من الابتعاد عن الأنظار وتجنب الإعلام، وتفادي ذكر اسمه ضمن صفقة لم يعلن عنها.

مصطفى طلبة

وذكرت شخصيات مقربة من قيادات التنظيم -الذي صُنِّف إرهابياً في مصر والسعودية والإمارات- أن هذه الخطوة بتعيين طلبة استهدفت إحداث انشقاق كبير في التنظيم قد يفضي إلى صفقة جديدة مع النظام المصري. وهي تسريبات غير مؤكدة، ولم يتم التحقق منها. وضاعفت تحولات موقف السلطات التركية مؤخراً أزمة جبهة إسطنبول والمئات من الإخوان الذين يعيشون في تركيا بعد تجميد نشاطهم الإعلامي، وتزايد الضغوط المصرية بتسليم عدد منهم متورطين في أعمال عنف.

 ويشكك مصدر سعودي رفيع، في حديث إلى “كيوبوست”، نهاية شهر يناير الماضي، في ما أُشيع من قِبل الإخوان حول تنسيق مصري- سعودي لدور جديد لطُلبة سيلعبه في المستقبل القريب على حساب منير ومحمود حسين. وقال المصدر: “مع الأسف هناك معلومات لا حقيقة لها عن دور سعودي في تهيئة طلبة لدور قيادي رُتب له في السنتين الماضيتين، كل ما أشيع كذب لا حقيقة له، لا بتنسيق سعودي- مصري ولا غيره”.

اقرأ أيضًا: ما الذي يخبرنا به انقسام الإخوان المسلمين؟

وأعلنت السعودية تنظيم الإخوان إرهابياً منذ 2014، واتخذت المملكة وأجهزتها الأمنية تدابير صارمة ضد التنظيم وفروعه والمتعاطفين معه، والمروجين لأفكاره، وضد المؤسسات والكيانات والأفراد الذين يمولون التنظيم أو يدعمونه، أو يمكنون لفكر الجماعة داخل المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية.

صراع السلطة مستمر بين إبراهيم منير ومحمود حسين

بينما ترشح بعض التسريبات -غير المؤكدة- دوراً حاسماً تلعبه الروابط الأسرية والمصاهرات داخل أعضاء التنظيم حالياً، لحسم الخلاف مع المرشد بالنيابة إبراهيم منير، وهي كما ذكرت تقارير نشرتها مواقع إخبارية، الورقة التي يلعبها محمود حسين لحسم الصراع لفريقه.

حرب البيانات

 طلاق بائن حمله البيان شديد اللهجة الذي أصدرته مؤخراً مجموعة الإخوان المسلمين التي يديرها إبراهيم منير، والذي جرى اعتراف التنظيم الدولي بتنصيبه كـ”قائم بأعمال الجماعة”، وهو مَن بات يُعرف في ما بعد بـ”زعيم جبهة لندن”، تبرأت فيه من “جبهة إسطنبول” التي يتزعمها مجلس شورى الجماعة، وأمينها العام محمود حسين، “المعزول” هو الآخر من منير ورفاقه. هذا البيان الذي حمل عنوان: “ليسوا منا ولسنا منهم”؛ جاء ضمن حلقة جديدة في مسلسل المناكفات في رأس هرم قيادة جماعة الإخوان المسلمين، وترسيخاً لحالة التشظي والانقسامات التي عصفت بالجماعة منذ أن ألقت قوات الأمن المصرية القبض على محمود عزت أواخر أغسطس 2020م، والذي كان يتسنم منصب القائم بالأعمال المعتمد من قِبل المرشد العام.

علم وشعار الإخوان المسلمين- أرشيفية

وكان مراقبون قد تنبؤوا لـ”كيوبوست”، في وقت سابق، أن هذه الأزمة ستتصاعد داخل الجماعة، وصولاً إلى القطيعة الكاملة، وانهيار وحدة التنظيم.

ويرى مراقبون أن البيان الأخير جاء رداً على خطوات استباقية مدروسة بادرت إليها “جبهة إسطنبول”، التي لا تزال، على ما يبدو، تحتفظ بالجزء الأكبر من أموال الجماعة، واستثماراتها في الخارج، وتقول إنها ما زالت تمتلك ولاء قواعد الإخوان داخل القطر المصري؛ إذ سبق لها أن دعت إلى تفعيل “مجلس شورى الجماعة”، قائلةً بعدم شرعية استئثار إبراهيم منير بعمل القائم بأعمال المرشد، إثر القبض على نائب المرشد العام الأصيل محمود عزت؛ حيث سارع التنظيم الدولي لتنصيب منير مكانه باعتباره الأكبر سناً، بينما تتهمه “جبهة إسطنبول” بالانفراد بالقرارات وأن تنصيبه خالف لوائح التنظيم الداخلية، داعيةً إلى انعقاد دائم لمجلس شورى الجماعة، وتنصيب “لجنة منتخبة تقوم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين”، يمثلها الطبيب المصري البريطاني مصطفى طلبة، وكان آخر ما قامت به أن أصدرت بياناً حمل عنوان “توضيح واجب”؛ كشفت فيه أن “الأزمة في حقيقتها ليست بين مجموعة من الإخوان أو بين أفراد منها”، وأن هذا “تقزيم متعمد للأزمة”، مؤكدةً أن أساس المشكلة “يكمن في طريقة إدارة الجماعة وآلية اتخاذ القرار، بعيداً عن الشورى الملزمة والالتزام برأي الأغلبية واحترام مؤسسات الجماعة”، متهمةً منير بأنه يعمل على تهميش مؤسساتها، الأمر الذي “اضطر مجلس الشورى العام، بصفته السلطة العليا في الجماعة، إلى التصدي لذلك واتخاذ ما يلزم من قرارات، تم إعلانها في حينه؛ وكان آخرها -وليس أولها- إعفاء الأستاذ إبراهيم منير، من موقعه كنائب للمرشد وقائم بعمله، ثم تكليف لجنة للقيام بعمل فضيلة المرشد العام، وإعلان ممثل لها”، حسب ما ورد في بيانها الذي نشرته على موقعها الرسمي “إخوان أون لاين”.

اقرأ أيضًا: خلافات جماعة الإخوان الداخلية هل تنذر باقتراب النهاية؟

التنظيم ينهار.. والانشقاقات امتدت من القيادات نحو القواعد!

صدام الحجاحجة

ويقول الباحث في الإسلام السياسي؛ الدكتور صدام الحجاحجة: “يبدو أن محمود حسين قد حسم الصراع لصالح جبهة إسطنبول؛ لكن في الوقت ذاته تظل تحت أيدي إبراهيم منير مجموعة لا يستهان بها من القواعد التنظيمية والروابط الإخوانية؛ خصوصاً أنه نجح في حشد قيادات تاريخية بارزة لصالح معسكره”.

وحسب الحجاحجة، فإن الصراع بين جبهتَي إسطنبول ولندن سيظل مستمراً لفترة طويلة، ولا يتوقع أن يتنازل أي طرف عن مطالبه؛ خصوصاً أن القيادات التاريخية انحازت لإحدى الجبهتَين، وهذا يعني أن حل الأزمة بات أمراً مستحيلاً.

إخوان لندن: إخوان إسطنبول يريدون الشر للجماعة!

“جبهة لندن” من جهتها اتهمت “جبهة إسطنبول” بقيادة حسين ورفاقه، بأنهم “تعدوا على الشرعية” ونشروا “الافتراءات” بشأن “خطة” مزعومة “لحرف الجماعة عن مبادئها وتجاوز ثوابتها”، وأنهم بذلك إنما “يبتغون السوء للجماعة”، ولكونهم “مصرون على التمادي والاستمرار في الخطأ رغم النصح المتكرر” -حسب ما ذكر البيان- فقد تقرر “التبرؤ منهم”، و”بطلان ما يُسمى (اللجنة القائمة بعمل فضيلة المرشد)”، وأن “كل مَن شارك فيها قد اختار لنفسه الخروج عن الجماعة” وَفق بيان إخوان لندن الأخير، الذي تم نشره على موقع الإخوان الذي استحدثته مجموعة منير مؤخراً، تحت عنوان “إخوان سايت”، والذي تديره من لندن.

وتأتي الأزمة المتفاقمة حالياً كامتداد للخلاف القديم بين قيادات جماعة الإخوان المسلمين، التي تعود أسبابها إلى الصراع المحتدم على القيادة المركزية في الجماعة والسعي للسيطرة على مصادر التمويل ومراكز السيطرة في الهرم التنظيمي؛ إذ حاولت الجماعة، منذ بداية ظهور الخلافات حول القيادة للعلن عام 2016، توظيف الأمر لخدمة بعض أهدافها، بادعاء أن الخلاف بين محمود عزت ومحمد كمال كان أيديولوجياً، يتعلق بمسألة استخدام العنف والأذرع المسلحة للتنظيم، ولكن تطورات الصراع، والمعلومات التي جاءت على لسان قيادات التنظيم في ما بعد، أكدت زيف هذه الادعاءات.

اقرأ أيضًا: جماعة الإخوان المسلمين وحالة الانهيار المستمر

ويقول المحلل السياسي الكويتي د.عايد المناع: بقي الصراع المالي محاطاً بقدر من السرية، رغم كونه السبب الأول فيها والمحدد الأهم والأقوى لدفتها، وسط غموض كبير بشأن تأثير تداعيات الصراع الراهن على إمبراطورية المال الإخواني.

عايد المناع

وأضاف المناع لـ”كيوبوست”: “بات البعد المالي للصراع حاضراً في المشهد بقوة، رغم الحرص الشديد من جانب قيادات التنظيم للإبقاء على سريته؛ خوفاً من أن تصيبه الملاحقات الأمنية التي تواجهها الجماعة في عدة دول تصنفها تنظيماً إرهابياً، أبرزها في النطاق العربي، السعودية والإمارات ومصر”.

الانشقاقات لا تعكس صراعاً على الأموال بقدر ما تخفي تنافساً بين أجهزة استخبارات دولية نحو التحكم في صناعة القرار داخل الجماعة

ولا يمكن بأية حال فصل المشروع السياسي الإخواني عن نظيره الاقتصادي داخل جماعة الإخوان، فكلاهما يرعى الآخر ويسهم في بقائه وتنميته؛ لذلك لا يمكن فصل التأثيرات الخاصة بأي مشروع للجماعة عن آخر، وقراءته منفصلاً دون الإشارة إلى التأثيرات التي ستتبعها كإلقاء حجر في ماء راكد، وبالتالي فإن الصراع التنظيمي بتعدد مآلاته؛ ومنها احتمالية تحول الجماعة من تنظيم إلى تيار، بالتخلي تماماً عن الهيكل التنظيمي التاريخي، وأيضاً حالة الانهيار والتشتت، يلقي بظلاله على ملف الاقتصاد أيضاً، وينذر بمؤشرات ضبابية حول مستقبله.

تراجعت شعبية وقوة جماعة الإخوان بشكل كامل

وبالتالي فإن كل طرف من طرفَي الصراع في الجماعة سيحاول في الوقت الراهن السيطرة على مصادر التمويل، كخطوة ضرورية لحسم الصراع لصالحه، وأن هذا الصراع لا تقف خلفه المبررات المالية وحدها؛ بل أيضاً يعكس حالة من تصارع جهات استخباراتية دولية أجنبية تربطها علاقة بهذا الفريق أو ذاك، وتسعى بشكل أو بآخر للسيطرة أو، في أضعف الاحتمالات، التأثير على عملية صناعة القرار في رأس هرم قيادة التنظيم.

مؤيد أبو صبيح

“حالة التشظي والانهيار التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين ستظل قائمة ومحتدمة داخل الجماعة، في ضوء استمرار الصراع الراهن؛ والذي كشف زيف الكثير من الادعاءات التي روجت لها الجماعة على مدار 90 عاماً، وأقنعت قواعدها التنظيمية بصدقها”، حسب المحلل السياسي مؤيد أبو صبيح.

وقال لـ”كيوبوست”: بالنسبة إلى الصراع الراهن بين الجبهتَين، يقول أبو صبيح، إنه يتمثل في محاولاتهما السيطرة على الملف المالي، الذي يعد الأداة الناجعة لطرفَي الصراع في حسمه، ومحو أية قدرة للتأثير من جانب الطرف الآخر؛ خصوصاً أن أدوات الحسم ترتبط جميعها بالملف المالي؛ سواء في مسألة استرضاء القواعد بالعودة إلى تقديم الدعم المالي المطلوب لهم ولذويهم، أو السيطرة على وسائل الإعلام التابعة للتنظيم وتوجيهها لخدمته، فضلاً عما تتيحه الموارد المالية من قدرة في التحكم في كل الروابط التنظيمية التابعة للتنظيم بشكل مباشر أو المؤسسات التي تعمل لصالحه تحت عطاءات مختلفة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة