الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

شياطين العلم.. من ديكارت إلى داروين وما بعدهما

كيف طورت المفاهيم الخارقة للطبيعة فهمنا للكون الطبيعي؟

كيوبوست- ترجمات

كايسي سيب♦

من الصعب جداً إحصاء الشياطين. جاء في الإنجيل أنه عندما كان المسيح على شاطئ بحر الجليل، التقى رجلاً يسكنه شيطان، فأمر المسيح الشيطان أن يخرج من جسد الرجل، وسأله: ما اسمه؟ فأجاب الشيطان “اسمي فيلق؛ لأننا كثيرون”. ولكن كم عددهم؟ في القرن الثالث عشر رأى رئيس الدير الألماني ريشالموس، أن عدد الشياطين لا يُحصى؛ فهم مثل حبات الرمل في البحر. وبعد ثلاثة قرون عندما ألَّف الطبيب الهولندي يوهن ويير، كتاباً في علم الشياطين، ذكر أسماء تسعة وستين شيطاناً يقودون الملايين من الشياطين موزعين على ما لا يقل عن أحد عشر ألفاً وأحد عشر فيلقاً؛ يضم كل واحد منها ستة آلاف وستمئة وستة وستين شيطاناً. وفي الفترة نفسها توصل الألماني بورهاوس إلى تقدير مختلف بلغ تريليونَين وستمئة وخمسة وستين ملياراً وثمانمئة وستة وستين مليوناً وسبعمئة وستة وأربعين ألفاً وستمئة وأربعة وأربعين شيطاناً.

تجنب علماء آخرون إعطاء عدد محدد، واختاروا بدلاً عن ذلك تقسيم الشياطين إلى تصنيفات وتسلسلات هرمية، كما فعل دانتي أليغييري في كتابه “الجحيم”، وكما فعل الملك جايمس في كتابه “علم الشياطين” الذي نُشر قبل عقد تقريباً من تكليفه بترجمة جديدة للكتاب المقدس. ووفقاً لمثل هذه التصنيفات، كانت الشياطين زمرة مشغولة جداً، مكلفة بالكثير من المهام من تشجيع المشاجرات والخلافات والحروب (كانت هذه مهمة شيطان اسمه بافوس)، وكذلك إدخال أخطاء في مخطوطات الكتبة، ووضع الأخطاء اللفظية على ألسنة الوعاظ أثناء العبادة (مهمة الشيطان تيتيفيلوس).

غلاف كتاب “الكوميديا الإلهية” لدانتي أليغييري

لقد تراجعت دراسات الشياطين في أيامنا هذه من الناحية الكمية والنوعية، إلا أن مؤرخة العلوم جيمينا كاناليس نشرت مؤخراً دراسة بعنوان «ممسوس.. تاريخ الظل لشياطين العلم» (مطبعة جامعة برينستون). لم تكن هذه الدراسة إحصاءً لبعل وستولاس وفولاك وأقربائهم، وبدلاً من ذلك جمعت كاناليس في كتاب واحد شياطين من أصول مختلفة تماماً، يقومون بمهام مختلفة تماماً، منها شيطان العالم جايمس كليرك ماكسويل، وشيطان الفيزيائي ديفيد بوم، وشيطان الفيلسوف جون سيرل، وشيطان علوم الطبيعة تشارلز داروين. ظهرت هذه الشياطين إلى الوجود في بعض أهم جامعات العالم، وظهرت أعمالها في صفحات العلوم والطبيعة. هم ليسوا مخلوقات خارقة للطبيعة؛ بل هم أنواع من التجارب الفكرية، عناصر تنوب عن قوانين ونظريات ومفاهيم لم يتم فهمها بعد. ومثل الشيطان الذي التقاه المسيح، هم أيضاً كثيرون. في الوقت نفسه، الذي قيل فيه إن العلم يزيل الغموض عن العالم، استعرضت لنا كاناليس كيف يملأ العلماء العالم مرة أخرى بالشياطين.

غلاف كتاب «ممسوس.. تاريخ الظل لشياطين العلم».. “أمازون”

وفقاً لما ذكرته كاناليس، عضو الهيئة التعليمية في جامعة إيلينويز، فإن علم الشياطين الحديث بدأ مع رينيه ديكارت، الذي تخيل شيطاناً في كتابه «تأملات في الفلسفة الأولى» منذ عام 1641. كان الفيلسوف الفرنسي يفترض تجربة فكرية غالباً ما توصف اليوم بأنها دماغ في وعاء. وبدلاً من التساؤل في ما إذا كان مجرد دماغ مفصول عن الجسد يختبر واقعاً مصطنعاً، اقترح ديكارت أن “أحد الشياطين الخبيثة فائقة القوة والمكر قد سخر كل طاقاته لغرض خداعي”. يمكن لهذا الشيطان أن يغير حواسنا وأن يقنعنا بالأكاذيب؛ بحيث يكون ما نراه ونسمعه أو نشعر به غير حقيقي. ولأن أي شيء يمكن أن يكون خداعاً يجب أن نفترض أنه كذلك، ومن خلال التشكيك المفرط يمكننا التمييز بين الحقيقي والمزيف.

لم يلحق بشيطان ديكارت شياطين آخرون على الفور؛ ولكن في عام 1773 اقترح عالم الرياضيات بيير سيمون لابلاس، تجربة فكرية خاصة به؛ فقد تخيل كياناً غامضاً “يحتضن، في لحظة معينة، كل علاقات الكائنات في هذا الكون”. وفي تلك اللحظة من المعرفة المطلقة يمكن لهذا الكيان “أن يحدد لأية لحظة من الماضي أو المستقبل الموقف المرتبط بها والحركات والملحقات المتعلقة بهذه الكيانات”. ولأن شيطان لابلاس عرف الموقع الحالي لكل الأشياء في هذا الكون وكل القوى المؤثرة على هذه الأشياء؛ فهو قادر على استنتاج كل ما حدث في الماضي، وكل ما سيحدث في المستقبل.

اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 4: مقال في المنهج…ديكارت

قبل عدة عقود افترض جون لوك أن الملائكة والأرواح فقط هي التي تملك هذه المعرفة المطلقة، باستثناء الله. ولكن لابلاس كان يرى أن الكون مستقر ويمكن التنبؤ به -ولذلك تمكن إدموند هالي من توقع الوصول المنتظم للمذنب- وأنه نتيجة لذلك يمكن أن يساعدنا التحليل الرياضي على فهم الكون بأكمله. ولذلك كان من المنطقي تماماً، حتى بالنسبة إلى أولئك الذين لا يمتلكون معلومات غير محدودة وقدرة إدراك غير منتهية، أن يستعملوا أية معلومات في حوزتنا وأي إدراك نمتلكه من أجل فهم العالم. ساعد إيمان لابلاس بالحتمية العلمية في الإلهام لبناء الآلات المصممة لإجراء الحسابات التي ينسبها إلى شيطانه.

قرأ تشارلز باباج أعمال لابلاس واستفاد منها في آلات “محرك الفرق” و”المحرك التحليلي” المصممة لإجراء الحسابات. أدرك آدا لوفلايس، صديق باباج الذي تتلمذ على يد مترجم لابلاس للغة الإنجليزية، أهمية محركات باباج، وشجعه على إيجاد تطبيقات إضافية لما يعتبر اليوم أقدم أجهزة الكمبيوتر.

جون لوك

داروين أيضاً عرف باباج، وربما كان الحديث عن الشياطين والحتمية قد ساعده كثيراً في تشكيل نظريته في التطور. فملاحظات داروين عن الموضوع تضمنت “كائناً أكثر حكمة بلا حدود من الإنسان”، كائناً “يمتلك قوة اختراق كافية لإدراك الاختلافات في التنظيم الخارجي والداخلي الأكثر عمقاً وغير المحسوس تماماً للإنسان، ويحظى ببصيرة تمتد قروناً في المستقبل ليراقب بعناية وانتقاء نسل أي كائن حي تم إنتاجه في الظروف السابقة”. وهذا الكائن الغريب يختفي نهائياً من النسخة النهائية من «أصل الأنواع»؛ حيث تظهر نظرية الاصطفاء الطبيعي، وتغيب الأسباب الخارقة والقوى الخارقة للطبيعة.

اقرأ أيضًا: الإسلام والانتخاب الطبيعي: علماء عرب سبقوا داروين بنحو 1000 عام!

في نهاية المطاف، كان لداروين شيطانه الخاص. كائن افتراضي ذو قدرة إنجابية غير محدودة وعمر مديد، موجود دون قيود بيولوجية، ومفيد كتجربة فكرية لفهم نظرية التطور. وبحلول ذلك الوقت، انتشرت الشياطين في مجموعة واسعة من المجالات العلمية. وترى كاناليس أن ذلك يرجع جزئياً لشعبية أحدها على وجه التحديد. إنه الشيطان الذي ابتكره الفيزيائي البريطاني جايمس كليرك ماكسويل؛ حيث وصف النسخة الأولى من مخلوقه في رسالة لزميل له كتبها عام 1867 على أنه “كائن شديد الانتباه وأنيق الأصابع”، ولم يكن قد أصبح شيطاناً بعد. يقف ذلك الكائن بين وعاءين، ويفتح بوابة بينهما ويغلقها، فيسمح بمرور جزيئات معينة فقط، وفرز الجزيئات السريعة عن البطيئة دون استهلاك أية طاقة، وبذلك يجعل أحد الوعاءين أكثر دفئاً من الآخر. هنا تخيل ماكسويل ما دعاه الآخرون “المحرك دائم الحركة”.

جيمينا كاناليس مؤرخة العلوم ومؤلفة كتاب «ممسوس.. تاريخ الظل لشياطين العلم»- جامعة إيلينويز

وفي وقتٍ لاحق كتب ماكسويل على صفحة ملاحظات عنوانها “في ما يخص الشياطين” يوضح كيف أصبح مخلوقه شيطاناً:

1- مَن أعطاها اسمها؟ تومسون.

2- ما طبيعتها؟ كائنات صغيرة جداً؛ ولكنها حيوية وغير قادرة على العمل، بينما قادرة على فتح وإغلاق الصمامات التي تتحرك دون أي احتكاك أو تباطؤ.

3- ماذا كانت غايتها النهائية؟ أن تظهر أن القانون الثاني للديناميكيا الحرارية مؤكد من الناحية الإحصائية فقط.

ترى كاناليس، في كتابها، أن شيطان ماكسويل أخطر من شيطان ديكارت؛ لأنه قادر على التصرف مباشرة في العالم الطبيعي من دون الحاجة إلى خداع أحد، وأقوى من شيطان لابلاس؛ لأنه إلى جانب المعرفة المجردة لديه القدرة عل تغيير مجرى التاريخ في منتصف الطريق. وهذا يفسر لماذا أصبح شيطان ماكسويل أشهر بكثير من شياطين التجارب الفكرية، ووصل تأثيره ليس إلى المجالات العلمية الأخرى؛ بل إلى الثقافة على نطاق أوسع بكثير.

عالم الفيزياء البريطاني جايمس كليرك ماكسويل- “ريسيرش غايت”

وحتى بعد أكثر من مئة وخمسين عاماً من النقد والتحديات، لا يزال شيطان ماكسويل يستمر في الترغيب والترهيب. تقتبس كاناليس من أحد علماء الكمبيوتر في “مايكروسوفت” قوله إن “شركات الإنترنت والتمويل اليوم تحاول أن تكون شيطان ماكسويل في شبكة المعلومات”. ومثاله على ذلك هو شركات التأمين الصحي التي تستخدم البيانات الضخمة من أجل فرز العملاء المرغوبين بالنسبة إليها عن غير المرغوبين، أو بمعنى آخر خلق شيطان يكون عمله أن يقول: “سوف أسمح للعملاء الذين لا يكلفون شركات التأمين كثيراً بالدخول عبر الباب، وسأترك العملاء المكلفين يذهبون إلى مكان آخر”.

على مدى تاريخ العلم، تظهر من وقت لآخر كائنات خارقة للطبيعة؛ ولكنها لم تكن تقترب من فصيلة الشياطين، وكما تلاحظ كاناليس، فإن فصيلة الشياطين طالبت بهؤلاء الأفراد بمفعول رجعي. فهذه التجارب الفكرية القديمة لم تكن تسمى شياطين في وقتها، وتقول كاناليس إن شيطان ديكارت لم يكن يعرف باسم شيطان بل باسم “المخادع” أو “العبقري الشرير”، بينما دُعي شيطان لابلاس باسم “العقل” أو “الروح” أو حتى “النبي”. في الواقع لم تعرف هذه المخلوقات باسم الشياطين حتى القرن العشرين، بعد ماكسويل.

اقرأ أيضًا: “جوجل” توقِف العمل بخطة “لون” لاستخدام مناطيد للتزويد بالإنترنت

قد يعتبر بعضنا شيطان شركات التأمين الانتقائي شيطانياً بالفعل؛ ولكن معظم الشياطين العلمية ببساطة تمثل فجوات في معرفتنا الحالية، وحسابات تجسد المجهول وغير المبرر. وبالنظر إلى توقهم للمعرفة قد يبدو أن دورهم ملائكي؛ ولكن نظراً لكونهم غالباً ما يمثلون نظريات تتحدى قوانين الزمان والمكان، أو آلات تتفوق على القدرات البشرية، وتقنيات تهدد الوجود البشري، يصبح من الملائم استعمال تسمية الشياطين. ربما لم يفهم ذلك فريق العلماء العاملين في مشروع مانهاتن الذين تبنوا شياطين الكم عند تصميم القنبلة النووية؛ فقد انزلقت لغتهم من الحديث عن الشياطين العلمية إلى الحديث عن العلوم الشيطانية.

يمكن أن تبدو الشياطين الدينية والشياطين العلمية متشابهة للغاية؛ ولكن الفرق الجوهري، كما تشير كاناليس، هو أن الشياطين الدينية يُعتقد أنها حقيقية حتى يثبت العكس، بينما الشياطين العلمية يُفترض أنها خيالية إلى أن يثبت أحد ما أنها حقيقية. وهي تأتي وتذهب مع تقدم العلم، وتنتقل من مخبر إلى آخر، ومن دفتر ملاحظات إلى آخر، بينما يتم شرحها أو استبعادها. واليوم يقال إنها تعمل في الأسواق المالية، وفي النظام المالي العالمي، وفي العلوم التطورية وفي علم النفس الإدراكي، وفي الكثير من المجالات.

تربط كاناليس بين علم الشياطين الخاص بها وما تسميه “جرأة خيالنا”، وقدرتنا على تخيل ما هو ليس موجوداً بعد، أو ما يبدو أنه لا يمكن أن يكون حقيقياً. وينتهي كتابها باستدعاء حقيقة أن العلماء، مثل الروائيين والفلاسفة، يعملون أحياناً بشكل أفضل وهم في حالة التأمل. قدم لنا كل من “فاوست” و”فرانكنشتاين” ولابلاس وماكسويل شياطين خيالية علمتنا أشياء عن الواقع. وحتى عندما أصبح المختبر هو الساحة الحاسمة بالنسبة إلى العلم، يبقى العقل هو الأهم. كتبت كاناليس في تذييل كتابها: “المهم في شياطين العلم هو كيف تصبح حقيقية؛ أي كيف يوجه خيالنا الاكتشافات وكيف يمكننا استخدامها لتغيير العالم”.

♦كاتبة في صحيفة “ذا نيويوركر”، ومؤلفة كتاب «ساعات الغضب»

المصدر: ذا نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة