الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

شويتشي يوكوي.. 28 عاماً من الاختباء ونكران الحقيقة

الجندي الياباني الذي لم يتقبل حقيقة هزيمة بلاده في الحرب العالمية الثانية

كيوبوست- مدى شلبك

لم يتقبَّل الجندي الياباني شويتشي يوكوي، حقيقة هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، متأثراً بالفلسفة اليابانية التي تحث على الاجتهاد بالعمل والولاء للإمبراطور واليابان؛ فلجأ إلى غابات جزيرة غوام الأمريكية في غرب المحيط الهادئ، حيث قضى نحو ثلاثة عقود مختبئاً، بدلاً من تسليم نفسه؛ حتى العثور عليه صدفةً من قِبل صيادَين محليَّين في 24 يناير 1972م، وعند عودته إلى دياره صرَّح قائلاً: “أشعر بالخجل لأنني عُدت حياً”.

الحياة في الغابة

لم يكن يوكوي، الذي ولد في محافظة آيتشي اليابانية عام 1915م، الجندي الياباني الوحيد الذي سيطرت عليه الفلسفة اليابانية حول العمل بشرف والتضحية بالنفس، ضمن ما يُعرف بفلسفة بوشيدو اليابانية؛ مجموعة من القوانين الأخلاقية كان يتبعها المحاربون البوشي في اليابان أثناء العصور الوسطى، إلى جانب روح “جانبارو”؛ وتعني العمل بعناد خلال الأوقات الصعبة، فقد رفض آلاف الجنود اليابانيين الاستسلام بعد معركة غوام، وأُسر أغلبهم أو قُتل على يد القوات الأمريكية، بينما بقي نحو 130 جندياً مختبئين.

اقرأ أيضاً: قصة ياسوكي.. الساموراي الياباني الأسود

ومنذ تجنيده في الجيش الإمبراطوري الياباني عام 1941م؛ قاتل يوكوي في الصين حتى فبراير 1943م. وعندما تم نقله إلى جزيرة غوام، وبعد أن دمرت القوات الأمريكية كتيبته في صيف عام 1944م، فرَّ يوكوي برفقة تسعة من رفاقه إلى الغابة، وكانوا حريصين على أن لا يتم كشفهم، وبهذا السياق قال أومي هاتاشين، أحد أقرباء يوكوي، لـ”بي بي سي نيوز“: “لقد حرصوا منذ البداية على عدم اكتشافهم، ومحو آثار أقدامهم أثناء تنقلهم بين الشجيرات”.

وأوضح هاتاشين أن يوكوي ورفاقه اعتمدوا على ماشية السكان المحليين التي كانوا يلتقطونها ويأكلون لحمها؛ ولكن خوفاً من اكتشافهم من قِبل الدوريات الأمريكية، انسحبوا تدريجياً في عمق الغابة؛ حيث أكلوا الضفادع السامة وثعابين البحر والجرذان…

فخ الصيد الذي كان يستخدمه يوكوي لصيد ثعابين البحر- OTHER

بمرور الوقت وقع جزء من الجنود الفارين في قبضة الجنود الأمريكيين، أو ماتوا نتيجة نمط الحياة المتقشف في الغابة، وخسر يوكوي آخر رفيقَين له في حفرة جراء فيضانات عام 1964م، فأمضى السنوات الثماني الأخيرة في غابات غوام وحيداً تماماً، وحاول يوكوي، الذي وصفه قريبه بأنه “رجل واسع الحيلة”، تسخير كل شيء للبقاء حياً، فعاش حياة بدائية معتمداً فيها على مهاراته، فصنع مصيدة من القصب البري لاصطياد ثعابين البحر، وحفر لنفسه مأوى تحت الأرض، مدعوماً بعصي الخيزران القوية. كما اعتمد يوكوي على مهاراته في الخياطة؛ فقد كان خياطاً قبل تجنيده، لنسج الملابس من لحاء الشجر.

الحفرة التي أعدها يوكوي وكان ينام بها

العودة إلى الوطن

على الرغم من أن يوكوي عثر على منشورات باللغة اليابانية تم إلقاؤها من السماء تؤكد نهاية الحرب، جاء فيها “انتهت المعركة، لذا عد إلى المنزل بسرعة”، إلا أن يوكوي اعتبرها مؤامرة أمريكية وبقي مختبئاً، حتى عثر عليه صيادان محليان عند الغسق وهو ينصب أفخاخ صيد في أحد الأنهار عام 1972م، حين كان عمره 56 عاماً.

يوكوي بعد العثور عليه من قِبل الصيادَين- Asahi Shimbun

وعن ردة فعله عندما رأى بشراً بعد كل تلك السنين، قال قريبه هاتاشين: “أُصيب يوكوي بالذعر حقاً.. لقد كان يخشى أن يأخذوه كأسير حرب، وكان ذلك سيكون أكبر عار للجندي الياباني ولعائلته في الوطن”.

حاول يوكوي الاستيلاء على بندقية أحد الصيادَين؛ لكنَّ الرجلَين تمكنا من السيطرة عليه نتيجة وضعه الصحي الهزيل، جراء حياة التقشف التي عاشها في الغابة، واقتاداه تحت تهديد السلاح إلى مركز شرطة محلي.

بعد أسابيع قليلة من العثور عليه، أُعيد يوكوي إلى اليابان، محتفظاً ببندقيته، واعتبره اليابانيون بطلاً، فمع وصوله إلى اليابان في فبراير 1972م، كان بانتظار يوكوي آلاف الأشخاص، الذين اصطفوا على الطريق السريع وهم يلوِّحون بالأعلام اليابانية. على الرغم من الانقسام حوله؛ فقد أشاد به كبار السن من اليابانيين، إذ ذكَّر يوكوي بالانصياع للأوامر العسكرية حول عدم الوقوع بالأسر، أما الشباب فاعتبروا موقفه طفولياً، عبر التمسك بقرار دون التفكير بجدواه.

يوكوي عند عودته باكياً إلى اليابان- Keystone/ Getty Images

وفي زيارة إلى القصر الإمبراطوري، قال: “يا أصحاب الجلالة، لقد عدت إلى الوطن”، وأضاف “أنا آسف بشدة لأنني لم أتمكن من خدمتك بشكل جيد، لقد تغير العالم بالتأكيد، لكن تصميمي على خدمتك لن يتغير أبداً”.

التأقلم مع الواقع الجديد

بعد عودته إلى الواقع الجديد، إثر غيابه لثمانية وعشرين عاماً كجندي ومختفٍ، دهش يوكوي من التغيرات التي طرأت على وطنه، وعلى الرغم من محاولته الاندماج؛ إذ تزوج بعد أشهر من عودته ضمن زواج مرتب، وقدم محاضرات في الجامعات حول تكتيكات البقاء على قيد الحياة، إلا أنه لم يتقبل الحداثة، فقد رفض الابتكارات الحديثة، ودعا إلى حرث ملاعب الجولف وزرعها بالفاصولياء، وانتقد حرق النفايات بدل الاستفادة منها، كما كان يفعل عبر تحويلها إلى سماد.

وترشح يوكوي لانتخابات مجلس المستشارين عام 1974؛ لكن لم يحالفه الحظ. وعرض تجربته في غابات غوام عبر كتاب ألَّفه وأصبح واحداً من أكثر الكتب مبيعاً.

وظل يوكوي يشعر بالاغتراب حتى إنه قام بعدة زيارات إلى جزيرة غوام، التي تربطه بعالم يعرفه وظل ينتمي إليه.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات