الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

شون كونري الغني عن التعريف

وراء شخصية هذا الممثل تشعر بالصلابة والثبات وشفافية كريستالية لا يحظى بها سواه

كيوبوست- ترجمات

أنتوني لاين♦

بوفاة الفنان شون كونري عن تسعين عاماً، نكون قد فقدنا أحد أواخر نجوم السينما -وربما الأخير- ممن اشتهروا بلعب أدوار تتطابق مع شخصيتهم. وكي يخرجوا من هذا التطابق، قاموا بصنع أفلام روائية وليس وثائقية. وعندما يكون الأجر مناسباً فإنهم يتكبدون عناء تقمص شخصية أخرى بمساعدة ما يناسب من الأزياء والمكياج وخطوط الحوار، وفي حالة كونري، الشعر المستعار.

ولكن الشخصية الدرامية بالنسبة إلى هؤلاء الفنانين ليست سوى أحد وجوه الجوهرة، ووراء هذه الشخصية يمكنك أن تشعر بصلابة وثبات هؤلاء الفنانين. فعنوان فيلم “الصخرة” (The Rock) يشير بلا شك إلى شخصية كونري أكثر مما يشير إلى جزيرة ألكاتراز.

اقرأ أيضًا: رحيل شون كونري.. أو جيمس بوند الأول معشوق النساء

ما يميز النجم هو الهدوء والصلابة، وكذلك تألقه وجاذبيته التي تحكم بقية الممثلين. فحتى الممثل القدير إد هاريس، يبدو عليه الارتباك في فيلم “الصخرة” من مدى استحالة استفزاز كونري أو إخافته، فضلاً عن تغيير مساره. وفي فيلم “الشمس المشرقة” ( (Rising Sunتكفي نظرة واحدة لتعرف مَن هو البطل، فبينما يتمشى كونري مع ويسلي سنايبس وستيف بوسيمي، سرعان ما تنجذب عيناك إلى الرجل الكبير، وإلى مشيته المتأنية، وكأنه يضبط إيقاع العالم على إيقاعه الخاص. كان يبدو أطول مما هو عليه، ويتمتع بإطلالة واثقة لم يمتلكها أحد غيره، وحتى عندما لعب كونري أدواراً في أفلام لا تستحق موهبته، كان يكفي أن تشاهد أدواره فقط.

شون كونري في أحد أعماله – أرشيف

خذ على سبيل المثال المشهد الختامي في فيلم “أنت تعيش مرتين فقط” ” You Only Live Twice”، الذي يلعب فيه كونري دور جيمس بوند للمرة الخامسة؛ حيث يضطلع العميل 007 بمهمة إنقاذ العالم غير عابئ بالانفجارات والطلقات النارية والحرائق التي تحيط به، ويمضي قدماً عبر درج سري إلى غرفة التحكم. إن هذا المستوى من امتلاك الذات، الذي يتجاوز كثيراً مجرد الهدوء ويخلق مساحة خاصة وإيقاعاً خاصاً، هو أمر نادر لا نصادفه إلى على حلبات الرقص أو الملاعب الرياضية، ولا يجاريه فيه سوى الممثلة الكبيرة جينجر روجرز.

فمن أين جاءت تلك الموهبة؟ حسناً، نحن نعرف أن توماس كونري (شون هو اسمه الأوسط) كان طفلاً لطيفاً، وفي فترة المراهقة كان أصدقاؤه ينادونه بـ”بيج تام” أو “تام الضخم”. ونعرف أنه ترك المدرسة قبل شهر من بلوغه سن الرابعة عشرة، وعمل في توزيع الحليب في مدينة إدنبرة على عربة يجرها حصان، ثم التحق بالبحرية الملكية وغادرها مبكراً بعد إصابته بقرحة في المعدة.

ظهر كونري في عدد مارس لعام 1953 من مجلة الصحة والقوة (Health and Strength) في صورةٍ له جاثياً على ركبتَيه ويده اليمنى تغطي معصمه الأيسر وهو ينظر من فوق كتفه اليسرى بينما يستعرض عضلاته المفتولة، مع تعليق على الصورة يقول: “توم كونري، شاب مفتول العضلات من نادي دونيدن لرفع الأثقال”. توحي هذه الصورة أنه ربما يستطيع كونري أن يقتحم عالم السينما من أحد أبوابه الجانبية، وكسب قوته بفضل جسده الضخم وعضلاته ليس أكثر.

اقرأ أيضاً: كيرك دوغلاس.. أيقونة داخل شاشة السينما وخارجها

أكثر ما يميز كونري عن كثيرٍ من نجوم السينما هو ما ذكره كريستوفر براي في كتابه عن سيرة حياة كونري عن جهوده الكبيرة في التعلم الذاتي. فحسب ما ذكره براي، كان كونري الشاب يعاشر أصدقاء أكثر ثقافة ويرتاد المكتبات كثيراً، ويقرأ الكثيرَ من الكتب. كان يقول “يكفي أن أعرف أنني لا أعرف ما يكفي”.

ولكن إيان فليمينغ لم ينظر إلى الأمر من هذه الزاوية، فقد اعترض على دعوة شاب إسكتلندي وضيع مثل كونري للعب دور العميل 007، ووصفه بـ”سائق الشاحنة اللعين”، الذي ليس لديه ما يؤهله للعب هذا الدور، سوى أنه غنى ورقص بشكل سيئ في الصفوف الخلفية في عمل مخصص للجولات السياحية لشركة “ساوث باسيفيك”. وعلى الرغم من أنه شارك في النسخة البريطانية من عمل تليفزيوني أمريكي، ولعب دوراً في فيلم “زمن آخر.. مكان آخر” ” Another Time, Another Place” مع الممثلة لانا تيرنر؛ فإن أياً من العملَين لم يشفع لكونري عند فليمينغ ليلعب دور جيمس بوند.

من زاويةٍ محددة، كان كونري محظوظاً، فقد ظهر في دور جيمس بوند في وقت تصادف مع أكثر المراحل تساهلاً وأقلها إحراجاً في الأسلوب الحديث. فعندما قاد بوند سيارة أستون مارتن DB5 في فيلم “الإصبع الذهبي” ” Goldfinger” عام 1946 كان ذلك لأنها سيارة حديثة الطراز، بينما عندما قادها دانييل كرايغ في فيلم “السقوط من السماء” “Skyfall” عام 2012 كان لأنها لمسة من الحنين إلى الماضي. وأيضاً ما الذي يمكن أن يحول “سائق شاحنة لعين” إلى بطل المدينة أكثر من تلك البدلات الأنيقة والقمصان البيض وربطات العنق السوداء. وقد أدرك ذلك ألفريد هيتشكوك، ففي فيلمه “مارين” ” Marnie” الذي لعب كونري دور البطولة فيه، فقد كان يعرف كم يمكن لشخصية بوند القوية أن تجسد ما يستطيع هذا الرجل القوي فعله.

اقرأ أيضاً: الأوجه المتعددة لإيثان هوك

كما توقع محبوه، بدأ كونري يشعر بالملل من دور العميل 007 بعد سلسلة من الأفلام التي لعب فيها هذا الدور، ولكن لم يكن من السهل عليه أن يخلع هذه العباءة الثقيلة ويمضي قدماً. وفعلاً استغرق الأمر بعض الوقت والعديد من المحاولات المتعثرة؛ ولكنه نجح في نهاية المطاف. وإذا كانت الأعمال التي قدمها كونري في النصف الثاني من حياته المهنية تعتبر من أقوى الأعمال الفنية وأكثرها إمتاعاً في تاريخ السينما، فإن سبب ذلك يرجع إلى أنه كان يستمتع بعمله طوال الوقت.

وقد بدأت مسيرته الجديدة مع فيلم جون هيوستن “الرجل الذي سيصبح ملكاً” “The Man Who Would be King”؛ حيث لعب كونري دور داني دارفوت الرقيب في الجيش البريطاني الذي ذهب مع صديقه في مغامرة إلى بلاد بعيدة؛ حيث اعتبره سكانها إلهاً. إلا أن داني يموت في نهاية الفيلم، على عكس بوند الذي كان يشارف على الموت في كل أفلامه؛ ولكنه دائماً ما يتجاوز الأخطار ويخدع الموت.

شون كونري – أرشيف

وبمجرد أن بدأ كونري بالسير في هذا الطريق، تمسَّك به ببراعة وجلال، ومن الآن فصاعداً سوف يكون مصمماً على أن يستمتع بأعماله ولن يحرم نفسه من هذا الحق. ومن بين أفلامه التي استمتع بأدائها “روبين ومارين” “Robin and Marian” مع أودري هيبورن، وفيلم “اسم الوردة” “The Name of the Rose”، وفيلم “الممنوع لمسهم” “The Untouchables” الذي فاز من خلاله بجائزة أوسكار، وفيلم “صيد أكتوبر الأحمر” “The Hunt for Red October” الذي يلعب فيه دور قبطان غواصة روسية؛ حيث رفض كونري المجازفة بتغيير لهجته لتتناسب مع الدور، وقال للمخرج مرة: “إذا لم أتحدث بالطريقة التي أتحدث بها، لن أعرف من أنا بحق الجحيم”.

اقرأ أيضاً: نحن من نحن

وبالطبع يضع المعجبون بكونري قوائمهم الخاصة، وربما أحب كثيرون منهم فيلم “هايلاندر” “Highlander”؛ ولكن بالنسبة إليَّ لم أتقبل فيلماً يظهر فيه كونري وهو يتزين بقرط من اللؤلؤ في أذنه اليسرى، وبدلاً من ذلك قد أحيلكم إلى فيلم أكثر اعتدالاً وربما أقل “البيت الروسي” “The Russia House”؛ حيث يظهر دون أقراط في أذنَيه إلا أنه يرتدي ثياباً من قماش التويد ومعطفاً فضفاضاً. ولا شيء أغرب من المشهد في فيلم “الممنوع لمسهم” “The Untouchables” الذي يقوم فيه بإطلاق النار على رأس شخص من مسافة قريبة، بينما كان سترة من النوع الذي ترتديه عندما تدخن الغليون أو تقرأ الجريدة. لا يوجد ممثل آخر يمكنه أن ينجح في مشهد مثل هذا. كم يجب أن يمتلك النجم السينمائي من الثقة كي يتمكن من الانتقال بسلاسة من شخصية الأنيق المتكلف الهندام إلى شخصية الأشعث المهلهل، ويبدو مرتاحاً في كلتا الشخصيتَين؟!

اقرأ أيضاً: فيلم “2001 ملحمة فضائية”.. ماذا يعني وكيف صنع؟

لا يوجد فيلم يظهر فيه كونري أكثر استرخاءً مما يبدو عليه في دور سكوت بلير في فيلم “البيت الروسي” “The Russia House”، وهو قصة حب مأخوذ عن رواية جون لو كاريه؛ حيث قدم أكثر الأدوار المؤثرة التي لعبها. ففي هذا الفيلم يلعب كونري مرة أخرى دور الناشر؛ ولكنه يختلف كثيراً عن دور الناشر الذي لعبه في فيلم “مارين” “Marnie” لهيتشكوك.

والابتسامة الخفية التي رأيناها أول مرة في شخصية جيمس بوند، والتي أخافتنا في فيلم هيتشكوك تعود هنا؛ ولكن بشكل أكثر حكمة وأقل تلاعباً. العالم في الفيلم أخطر من أي وقت مضى مع نهايات الحرب الباردة، وربما لا يزال سكانه سيئين للغاية، ولكن هنالك امرأة واحدة جيدة، كاتيا (تلعب دورها ميشيل فايفر). اعترف بلير لها بحبه “أنا أحبك، كل إخفاقاتي السابقة كانت استعداداً للقائك”. لكنها تتجاهله وتتظاهر بالانشغال في المطبخ، وتتحدث عن حصار لينينغراد؛ ولكنه يصر ويتابع “إنه حب ناضج.. مطلق ومثير”. عندما رأيت هذا المشهد للمرة الأولى انقسمت إلى قسمَين، أصيب نصف بالإغماء لرؤية هذا الرجل مكشوفاً يظهر صدقاً عاطفياً غير مسبوق، والنصف الآخر يراه جيمس بوند القوي الصامد.

رحل شون كونري بعد أن ترك بصمة كبيرة – أ ف ب

والآن يرحل، وعلى جميع الأحوال، أن يولد المرء في إحدى ضواحي إدنبرة الفقيرة ويموت بسلام في جزر الباهاماس عن عمر تسعين عاماً، فهذا يعتبر رحلة لائقة. ولكن إلى أين ينتمي كونري؟ هل إلى ملعب الجولف؟ أم إلى تحت الماء؟ أم إلى الفضاء الخارجي؟ أم إلى السرير؟

شون كونري ينتمي إلى صفوف النجوم العظماء، وسواء حقَّقت أفلامه نجاحاً مدوياً أو فشلت، فهذه ليست القضية؛ فمعظم الأفلام تخبو مع مرور الزمن، ومع ذلك بقيت الصخرة.

♦ناقد سينمائي في صحيفة “ذا نيويوركر” منذ عام 1993 ومؤلف كتاب «لا أحد كامل».

المصدر: ذا نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة