الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“شمس المعارف” ونضج السينما السعودية

كيوبوست- عبيد التميمي

مما لا شك فيه أن السينما السعودية رغم محاولاتها الطموحة والتوجه الاستثماري الواضح لها؛ فإنها لا تزال سينما مبتدئة لا تخلو من العيوب والأخطاء، وقلة الخبرة هذه تجعل من الجمهور والنقاد يغفرون هذه الأخطاء والعيوب بشكل متواصل، ونقرأ عبارات مثل “كمحاولة أولى، هذا فيلم جيد” أو أية عبارة من هذا القبيل؛ لكن ألا يعتقد جمهور السينما السعودي ونقاده أن هذه المرحلة الانتقالية انتهت؟ ألم يحن الوقت للحكم على صناع السينما السعوديين بعدسة محايدة لا تقوم بمحاباتهم مهما كانت أخطاؤهم؟ فيلم “شمس المعارف” من كتابة وإخراج الأخوَين قدس، هو دليل على ذلك بلا شك.

هناك عدة مشكلات حقيقية تعانيها السينما السعودية، وأعتقد أن هذه المشكلات هي العقبات الفعلية التي إن استطاع صناع الأفلام السعوديون تخطيها سوف ينتج عن ذلك أفلام بجودة أفضل بكثير. هذه المشكلات هي: ضعف السيناريو والحوار، والاهتمام المفرط فيه بجودة التصوير، وتحميل لقطات الفيلم أكثر مما تحتمل، وعدم المقدرة على الخروج من دائرة الاسكتشات الكوميدية.

وخليط هذه المشكلات ينتج عنه العديد من الأفلام متشابهة العيوب، بنفس السيناريوهات المؤدلجة والعدسات الإخراجية الشابة التي تحاول إظهار عمق جديد للقصة المروية، عمق لا تمتلكه القصة أو الشخصيات على أية حال.

اقرأ أيضًا: فهد الأسطا لـ”كيوبوست”: المجتمع السعودي يعيش مرحلة تغيُّر جذري.. والانفتاح لصالح صناعة السينما

ضعف السيناريو والحوار كان في البداية يمكن لومه على كون السينما ما زالت في بدايتها؛ لكن مع مرور الوقت وازدياد عدد المحاولات لم يعد من الممكن أن نعزو هذا الضعف المتكرر إلى نفس السبب الوحيد. كان هناك دائماً خلل واضح في كتابة السيناريو، وأعتقد أن العامل الآخر بجانب عامل انعدام الخبرة، هو عدم وجود إرث أدبي سعودي سينمائي حقيقي يمكن الاتجاه إليه، حتى مع وجود العديد من صناع السينما السعوديين الذين يستلهمون شغفهم من السينما الغربية، ويجعلونها منطلقهم الأول، إلا أنها لا تكفي إطلاقاً؛ لأن هناك اختلافاً جذرياً في الأيديولوجيا، ونوع الدراما، والكوميديا، واختلاف نوعية الجمهور، ويصبح من شبه المستحيل نقل تجربة سائق تاكسي في نيويورك من سبعينيات القرن الماضي بشكل سلس إلى الشاشة السعودية والعربية.

ولم تساعد الموجة الظاهرة في السنوات الأخيرة التي كانت تنصّب من الصحوة موضوعاً دائماً تتم مناقشته ومعالجته في الأفلام والمسلسلات؛ حيث إن ما حصل لم يكن مطلقاً دراسة حقيقية لموضوع الصحوة، بل كان عبارة عن إلقاء اللوم بشكل كامل عليها بكل سطحية، وبعيداً كل البعد عن مناقشة الموضوع بشكل فعلي، وليس هناك شيء أكثر مللاً من شر مطلق غير مُبرر أو مدروس. وبعد أن كان النص خالياً من الروح مفعماً بالبدائية، أصبح نصاً مؤدلجاً وموجهاً لكي يلوم كل أخطاء الماضي والحاضر على موضوع واحد فقط.

تزامنت مشكلات السيناريو مع تدفق صناع أفلام جدد على السينما شغوفين للغاية بتقديم سينما ذات أبعاد متعددة ومحتوى عميق يحتاج المشاهد إلى عدسة مكبرة كي يدقق في كل كادر وكل لقطة؛ لكي يفهم مقصد المخرج من المشهد والفيلم.

لا توجد إطلاقاً أية مشكلات في محاولة تصوير الفيلم بطريقة مغايرة وتحميل مشاهده أكثر من معنى واحد، المشكلة الحقيقية هي كون هذه المشاهد لا تحتمل أكثر من معنى واحد أصلاً، ويصبح الهدف الرئيسي من الفيلم هو رسم لوحة فنية، لوحة خالية من أي روح أو تماسك أدبي، وأحجية معقدة لا يعلم المشاهد بوجودها من الأساس. التكثيف من الرمزيات والإيحاءات في نص ركيك غير متماسك لا ينتج سوى أفلام مجوفة، تبدو براقة وجذابة من الخارج؛ لكنها فارغة تماماً من الداخل، كيف لشخصيات لم يبذل صناع الفيلم أي مجهود في تطويرها وتطوير محيطها وبيئتها أن تقود فيلماً من المفترض أن يحمل عدة معانٍ ويمكن تفسيره بعدة تفاسير؟

بحلول عام 2011، تفجرت طاقات العديد من الشباب السعودي من خلال الـ”يوتيوب”، وبدأت البرامج اليوتيوبية الشهيرة بتصدر المشهد الكوميدي تحديداً، والجيل الشاب الذي قاد هذه الموجة هو الذي توجه إلى صناعة اسكتشات “يوتيوب” من خلال برامج مثل “خمبلة والخلاط”، ولاقت هذه البرامج نجاحاً هائلاً، محققةً مشاهدات مليونية، وأصبح الجمهور السعودي، والشاب منه تحديداً، يبتعد عن الوسائل التقليدية للترفيه -مسلسلات رمضان الكوميدية كأكبر مثال- ويتجه إلى مشاهدة الاسكتشات عوضاً عن ذلك.

المشكلة في صناعة الاسكتشات أنها لا تقود بالضرورة إلى سينما، والكوميديا التي يتم تقديمها في اسكتش مدته ربع ساعة بالكثير لا يمكن نقلها إلى الشاشة الكبيرة وصمودها لمدة تسعين دقيقة مثلاً. حتى صناعة الأفلام القصيرة كانت تعاني؛ لأنه حتى مع مدتها فهي تحتاج إلى درجة معينة من تطوير الشخصيات، بينما الاسكتشات تحتاج إلى محيط كوميدي جديد، وطاقم تمثيلي خفيف الظل، يمكنه إضافة لمسة خاصة على الشاشة.

اقرأ أيضًا: ما سبب انقطاع السينما السعودية في فترة الثمانينيات؟

نتيجة لهذه المشكلات، كنا نشاهد أفلاماً سعودية تعاني الرسائل الموجهة التي يتم حقنها مباشرة في وجه المشاهد، وأفلاماً أخرى ذات محتوى كوميدي قديم ومستهلك للغاية، أو أفلاماً قصيرة لا تستطيع تخطي كونها اسكتشاً أو رسالة مبهمة لا يبدو أن أحداً ما قادراً على تفكيكها. لحسن الحظ، “شمس المعارف” كان مغايراً تماماً.

إنه لمن المنعش جداً أن أمتدح عملاً سعودياً دون أن أضطر إلى ذكر عبارة مثل “بالنسبة إلى كونه أول عمل فهذه بداية مبشرة”؛ لأن قبل الحديث عن “شمس المعارف” والخوض في تفاصيله ومناقشة فكرته، يجب تأكيد نقطة مهمة جداً، هذا فيلم يستحق الاهتمام والتقدير؛ ليس لأنه سعودي، وليس لأنه أولى محاولات الأخوَين قدس في صناعة فيلم طويل؛ لكن لسبب واحد وبسيط؛ لأنه يستحق ذلك.

بالنسبة إليَّ، “شمس المعارف” هو الخطوة الأولى الحقيقية التي تخطوها السينما السعودية في الاتجاه الصحيح، فيلم مباشر برسالة بسيطة جداً، يقدم شخصياته ويطورها بشكل ممتاز ويوظف كل طاقات الممثلين على أتم وجه، والأهم من كل ذلك أنه لا يحاول تحميل نفسه أكثر مما يحتمل، فلا توجد لحظة واحدة خلال ساعتَي العرض أحسسنا فيها كمشاهدين أن الفيلم يحاول إيصال معانٍ جديدة وأفكار “عميقة” غير تلك التي يتم استيعابها من أول مشاهدة.

النقطة الإيجابية الأولى التي كانت في صالح الفيلم هي في شخصية البطل “حسام”؛ شخصية حسام تمتلك هدفاً معيناً وتوجهاً واضحاً؛ مما يخلق مساحة للتطور مع مرور أحداث الفيلم. وعلى الرغم من بساطة هذه النقطة، أعني امتلاك بطل ذي أهداف ودوافع واضحة؛ فإنني أعتقد أن العديد قد لا يدرك صعوبة القيام بهذا الأمر، بطل قصة دون أهداف ودوافع يعني قصة خامدة لا تتحرك، وقصة خامدة لا تتحرك تعني أنها سوف تصبح مملة بشكل سريع.

حسام على مشارف إنهاء المرحلة الثانوية، وأمام مفترق طرق بين إكمال مسيرته الجامعية أو ممارسة شغفه الحقيقي وهو صناعة الأفلام، يدخل الفيلم تحت تصنيف أفلام وقصص “Coming-of-age”، وهو تصنيف بقدر ما تم استكشافه بشكل شامل في السينما، إلا أن الأفلام والقصص الناتجة عنه وقت إتقانها تكون رائعة.

في السنوات الأخيرة فقط شاهدنا أفلامLady Bird” ” و”Columbus” كأمثلة ناجحة للغاية من الناحية النقدية على الأقل. إضافة إلى ذلك، لا أعتقد أن موضوع دخول سن الرشد ومفترقات الطرق والحيرة المستقبلية، هي أمور شاهدتها تناقش بكفء في السينما السعودية.

لكن لم تكن لتنجح شخصية حسام دون الثلاثي المتمثل في إبراهيم ومعن وعرابي. هذه الشخصيات هي التي كانت توفر التوازن والبعد الكوميدي الذي تحتاج إليه شخصية حسام التي تميل إلى الجدية. أداء أحمد صدام وإسماعيل الحسن في المشاهد التي جمعتهما معاً كان مفاجأة سارة للغاية؛ خصوصاً أنني دخلت إلى الفيلم دون أدنى فكرة عن هويتهما وأية خبرة قد يمتلكانها في التمثيل، لذلك فحجم المفاجأة والفرحة بتصدر هذين الاسمين العديد من مشاهد الفيلم الكوميدية الرائعة كان كبيراً.

اقرأ أيضًا: كيف تغيَّرت النظرة السعودية إلى الحب والمواعدة؟

بالطبع دفة القيادة التمثيلية كانت تقبع بالكامل في حوزة صهيب قدس بشخصية عرابي، وأعتقد أنه كان يواجه التحدي الأصعب في ظل ظهوره المتكرر على “يوتيوب” في برامج واسكتشات مختلفة؛ لذلك كان عليه أن يخرج نفسه والمشاهدين كذلك من هذا الإطار، ويجعلنا نتقبل شخصية هذا المدرس الشغوف والعاطفي والمفعم بالحركة، وأذكر نقطة الحركة لأن صهيب قدم أداءً كوميدياً جسدياً رائعاً.

والعقبة الأخرى التي كان يواجهها صهيب قدس هي في كون شخصيته تحمل العبء الكوميدي الأكثر في الفيلم، وفي الوقت نفسه تكتسب شخصيته بعداً درامياً جديداً في أواخره، وأعتقد أن هناك تحدياً حقيقياً في تحويل شخصية كانت مصدراً أساسياً للكوميديا طوال الفيلم إلى شخصية درامية حقيقية خلال مشهد واحد. وبرأيي، صهيب قدس نجح في ذلك التحدي.

نص الأخوَين قدس كان مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بالثقافة السعودية، كان الجهد المبذول واضحاً في تصوير محيط المدرسة والمنزل والشارع السعودي، ونتج عن ذلك درجة محسوسة من الواقعية في نقل هذا المحيط. وإجمالاً، كانت طريقة التصوير متوافقة مع سرعة النص؛ خصوصاً في بدايات الفيلم السريعة التي تم فيها تقديم الشخصيات والحبكة الرئيسية.

بالطبع هذا ليس فيلماً متكاملاً وهناك بعض العيوب الواضحة فيه؛ مدة الفيلم مثلاً كانت أطول مما احتاجت إليه القصة، وكان يمكن التخلي عما يقارب عشرين دقيقة من الفيلم؛ لكن هنا ظهرت جودة الشخصيات والممثلين الذين لم يجعلونا كمشاهدين نمانع ازدياد مدة الفيلم عن الحد المعقول.

كمثال آخر، كان هناك بعض اللحظات المبالغ بعاطفيتها ومثاليتها، مثل مشهد تشجيع حسام لطلاب ثانويته بالمطالبة بمشاهدة الفيلم في حفل التخرج؛ لكن هنا يظهر الجانب المشرق، حيث إنني لا أغفر هذه العيوب بسبب كون الفيلم في بداية مسيرة صانعيه، لكن لأن إيجابيات الفيلم تفوق سلبياته بشكل هائل، ولأن هذه السلبيات موجودة في العديد من الأفلام الغربية والتي يمتلك صناعها باعاً طويلاً في مهنتهم.

إيميل الكاتب: [email protected]

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبيد التميمي

كاتب سعودي

مقالات ذات صلة