الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

شكون قتل شكري؟

يجتاح السجال التونسي العام ويزداد زخماً في الذكرى السنوية التاسعة لاغتيال المناضل التونسي شكري بلعيد

تونس- فاطمة بدري

قبل أن تطوله يد الغدر في السادس من فبراير 2013، ظلَّ الشهيد الحقوقي والسياسي اليساري شكري بلعيد، يحذِّر من العنف الذي بدأ ينتشر في تونس بمباركة مباشرة وغير مباشرة من قيادات حركة النهضة الماسكة بزمام الأمور حينها؛ باعتبارها الحزب الحاكم بمعية حزبَين كان وجودهما صورياً لا أكثر. كان بلعيد يدرك جيداً أن المناخ المحتقن، الذي عبدت طريقه حركة النهضة بالقول والفعل، سينزلق بالبلاد إلى سيناريوهات خطيرة. ولهذا لم يتردد في توجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى الحركة بجرأته المعهودة التي واجه بها نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، قبلها؛ لكن ابن علي رد على تمرد بلعيد وجرأته بالاعتقال والملاحقة، في حين كان رد قاتليه (حركة النهضة كما تتهمها لجنة الدفاع عن شكري بلعيد، وكل الأحزاب اليسارية بتونس) الذين أربكهم وأقلقهم صوته القوي الذي لا يهادن ولا يتراجع، بالرصاص الغادر؛ اعتقاداً منهم أنهم بذلك قد أسكتوا الصوت الأعلى والأكثر تأثيراً في صفوف معارضيها. لكن رغم مرور تسع سنوات من المراوغة والمماطلة ومحاولات طمس قضية اغتياله عبر توجيه القضاء الخاضع لسلطة حركة النهضة؛ فإن كل سنة تمضي كانت كفيلة بالزج بإسلاميي تونس أكثر في قضايا الاغتيالات السياسية التي شهدتها تونس، خصوصاً في ظل المعطيات التي كشفتها لجنة الدفاع عن الشهيدَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، التي أثبتت وقوف ما يُسمى بالجهاز السري لحركة النهضة وراء الجريمة.

اقرأ أيضاً: في الذكرى التاسعة لاغتيال شكري بلعيد.. مطالبات بمحاسبة النهضة

قبل ساعات من اغتياله أمام منزله، قال شكري بلعيد، في تصريح أدلى به إلى قناة تليفزيوية تونسية، إن حركة النهضة قد فتحت الباب أمام مرحلة الاغتيالات السياسية. لم يكن الرجل القوي حينها يرمي تهمه جزافاً أو كان يصدر كلماته محكوماً بعداوة أيديولوجية أو فكرية للحركة؛ بل كان منطلقه أحداثاً تجري تباعاً وتأخذ البلاد إلى منعرجات خطيرة في تلك الفترة. ولعل ذلك مرد عجلتهم في قرار اغتياله؛ لأن هؤلاء يعون جيداً أن استمراره في كشفهم سينتهي بهم عراة أمام التونسيين، سيسقط أقنعتهم التي ارتدوها لتوّهم من أجل السيطرة على الحكم والسلطة.

ولا أحسب أن أحداً من التونسيين قادر على نسيان موجة العنف السياسي التي خيَّمت على الحياة العامة في البلاد؛ خصوصاً أواخر سنة 2012، والذي كانت تحركه المجموعات العنيفة القريبة من حركة النهضة الحاكمة، آنذاك، أو ما يُعرف بـ”روابط حماية الثورة”، والتي ندد بها بلعيد مراراً؛ لا سيما عندما أخذ هذا العنف منحى تصفوياً وبدأ مسلسل استهداف خصوم الحركة يأخذ نسقاً تصاعدياً بلغ حد القتل في ظل مساندة ودعم من قيادات الحركة التي تمسك بكل السلطات حينها. دعنا نتوقف عند بعضها؛ كانت البداية في الـ17 من أكتوبر 2012 عندما قامت هذه المجموعات باغتيال لطفي نقض، المنسق الجهوي لحزب نداء تونس بمحافظة تطاوين (جنوب). ورغم بشاعة الحادثة التي حدثت في وضح النهار؛ فإن حركة النهضة تضامنت مع الجناة بدل إدانة الحادثة واستنكارها على الأقل، بل إن أحد أعضاء مجلس شورى الحركة وصف الجريمة بـ”العمل البطولي”.

العنف الذي حذر منه بلعيد كان سبباً في اغتياله- (صورة وكالات)

وفي الرابع من ديسمبر 2012، هاجمت ما تُسمى بـ”روابط حماية الثورة” العنيفة، المقر المركزي للاتحاد العام التونسي للشغل، الذي كان بصدد إحياء الذكرى الستين لاغتيال الزعيم فرحات حشاد. ورغم قرب مقر الاتحاد من وزارة الداخلية، التي كان يقودها حينها القيادي بحركة النهضة علي العريض؛ فإن الوزارة لم تستجب لنداءات النقابيين من أجل التدخل الأمني لحمايتهم من عنف هذه المجموعة المحسوبة على الحركة، بل إن وزير الداخلية تلقى اتصالاً مباشراً من الأمين العام للاتحاد حسين العباسي، طالباً النجدة، فطمأنه بأنه سيرسل عناصر الأمن لحمايتهم، ولم يفعل، وكرر العباسي الاتصال، وكرر العريض الطمأنة؛ ولكن لم يفِ ولم يرسل قوات الأمن لنجدتهم، لتبدو العملية مخططة ومدبرة، وأن المجموعات العنيفة التابعة لحركة النهضة تحركت وهي تعي أنها ستكون محمية ولن تطولها يد الأمن أو القضاء؛ لا سيما في ظل عدم اتخاذ الحزب الإسلامي التونسي أي إجراءات بحق مرتكبي العنف واكتفائه بالقول إن ما حدث هو تبادل للعنف بين متظاهرين طالبوا بوقف الإضرابات وبعض النقابيين حتى بعد نشر الاتحاد فيديو يوثق بوضوح اعتداء هذه المجموعة باستعمال العصي والحجارة، وإصابة عدد من النقابيين؛ بعضهم إصاباته خطيرة.

اقرأ أيضاً: سبع سنوات على اغتيال شكري بلعيد.. الحقيقة التي لم تكتمل

كانت العنف السياسي استراتيجية حركة النهضة في هذه الفترة؛ خصوصاً بعد فشلها في ترويض المعارضة واتحاد الشغل وعجزها عن وقف التصدع الذي بدأ يضرب الائتلاف الحاكم الذي تسيطر عليه؛ لهذا كانت المجموعات العنيفة المحسوبة عليها مكلفة بالعنف المادي ضد خصومها الشرسين، بينما تولَّى بعض قياداتها وأئمة الجوامع، الذين اختارتهم الحركة بعناية، الإشرافَ على حملات التشويه والتكفير والشيطنة، والتي كان شكري بلعيد أكثر مَن تعرَّض إليها؛ خصوصاً أمام عجزها عن وقف الحراك الاجتماعي الذي شهدته تونس في الأشهر الأخيرة من سنة 2012. حينها، كان بلعيد في مرمى هجوم قيادات الحركة؛ بدءاً من علي العريض وزير الداخلية، حينها، الذي قال “حيث وجد شكري بلعيد وحزبه إلا وكان يدعو إلى الفوضى والتخريب والتحريض”، وصولاً إلى القيادي الإسلامي الحبيب اللوز، الذي وُصِف بـ”العميل والمرتزق للأجهزة الأمنية”، متهماً الجبهة الشعبية (تجمع الأحزاب اليسارية في تونس) التي ينتمي إليها بلعيد، بإعطاء الأموال للمتظاهرين، فضلاً عن حملات الشيطنة والتكفير التي تطوله من أبناء الحركة والتهديدات بالقتل.

كانت الحركة تدرك أن هذه الاستراتيجية التي تنتهجها لن تقود إلا إلى استشراء العنف وتعرض حياة خصومها إلى الخطر؛ ولكنها ظلت متمسكة بها، حتى عندما تعرض السياسي الراحل شكري بلعيد، إلى التهديد بالتصفية لم تكترث ولم يقدم قياديوها الماسكون بكل السلطات أية خطوة لحماية حياته؛ ليبدو وكأن الحركة إما أنها ضالعة في عملية الاغتيال والفاعل الأساسي للجريمة، كما تؤكد ذلك لجنة الدفاع عن الشهيدَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وإما أنها مهدت الأرضية لحدوثها، واكتفت بدور المتفرج ما دام ما حدث قد أسكت أحد الأصوات التي ظلت تؤرقها وتهدد بقاءها في السلطة، بل يبدو أن هناك وعياً كبيراً من طرف الإسلاميين بأن تغييب بلعيد قسراً سيأخذ معه أي أثر يُذكر للمعارضة؛ خصوصاً لليسار، وهو ما حدث فعلاً.

فتحت “النهضة” الباب للمتطرفين وحاملي لواء العنف عمداً- (صورة وكالات)

رحل بلعيد غدراً في زخم موجة العنف التي هيَّأت لها حركة النهضة الأرضية لتسود في البلاد، ومع موته تنفس الحزب الإسلامي الصعداء وضمن البقاء في السلطة عقداً كاملاً؛ تغلغل خلاله في كل مؤسسات الدولة. وشعرت الحركة بالارتياح وهي المسيطرة على السلطة القضائية والماسكة بكل خيوطها منذ أن تولى أحد أبرز قيادييها نور الدين البحيري، وزارة العدل سنة 2011، وقيامه بما سمَّته الحركة حينها عملية إصلاح قام بمقتضاها بإبعاد أكثر من 80 قاضياً لا يحظون برضا الحركة، ووضع مكانهم قضاة ممن دخلوا بيت الطاعة “النهضاوي”.

اقرأ أيضاً: قضية اغتيال شكري بلعيد.. غموض وتساؤلات!

سيطرة “النهضة” على القضاء مكَّنتها من تجميد قضية اغتيال بلعيد، وكذلك اغتيال السياسي القومي محمد البراهمي، الذي لقي حتفه هو الآخر بعد أشهر قليلة من استشهاد بلعيد، وجعلت مسألة الكشف عن الجناة بين مَن خطَّط ومَن دفع ومَن سهَّل العملية ومَن نفَّذ، تراوح مكانها في ظل عدم تجاوب السلطة القضائية مع تحركات ووثائق ومطالب لجنة الدفاع عن الشهيدَين التي اتهمت صراحةً القضاء بالمماطلة. زِد على ذلك ما تم كشفه لدى توقيف وكيل الجمهورية السابق بالمحكمة الابتدائية بتونس بشير العكرمي، المحسوب على حركة النهضة، عن العمل وإحالة ملفه إلى النيابة العامة؛ إذ اتُّهم العكرمي بالتستر على قضايا لها علاقة بالإرهاب وإهمال العديد من الأدلة في ملفات اغتيال بلعيد والبراهمي.

وأمام هذا الواقع، ظل سؤال “شكون قتل شكري؟” (مَن قتل شكري؟) يجتاح السجال التونسي العام ويزداد زخماً في الذكرى السنوية لاغتياله منذ تسع سنوات؛ لكن وفي ظل الوضع السياسي الجديد الذي باتت عليه تونس منذ الـ25 من يوليو الماضي، ومع التحركات القائمة من أجل الضغط على القضاء لالتزام الاستقلالية والنزاهة والخروج من جلباب “النهضة” وفتح الملفات الكبرى التي ظلت حبيسة الأدراج، يبدو أن إمكانية الإجابة عن هذا السؤال قريباً باتت ممكنة، ويبدو أن كلمات الشهيد الراحل شكري بلعيد “سنلاحقهم ونحاسبهم ونحاكمهم” التي صدح بها يوماً رداً على استهداف أهالي محافظة سليانة بالرش، ستجد سبيلها على الأرض.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة