الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةرفوف المكتبة

شكري عياد وتأصيل “الأسلوبية” في النقد العربي

من رفوف المكتبة

كيوبوست- إيهاب الملاح

– 1 –

مع صدور أي طبعة جديدة من الأعمال النقدية التأسيسية في نقدنا العربي المعاصر، تفتح القراءة الجديدة منظورات ذات أفق واسع لرؤية جديدة وتأويل مغاير ونظرة متجددة! ولطالما كررت هذه الفكرة؛ ضرورة التذكير من آن لآخر بالجهود الأصيلة والرصينة في تاريخنا الفكري والثقافي والنقدي في القرنين الأخيرين؛ للبناء على هذه المنجزات أولا، والانطلاق منها ثانيا لمعالجات أنضج مدعومة بمكتسبات المنهجيات الحديثة والتطورات المذهلة التي تشهدها الإنسانيات عموما في العقود الأخيرة.

من بين أكثر المشروعات النقدية أصالة واختلافا مشروع الناقد الراحل شكري عياد، وهو أحد أبناء الرعيل الثاني أو الثالث في الجامعة المصرية.. ولعلي أقول مع المرحوم محمود أمين العالم عن إرث شكري عياد النقدي “إن ما تركه لنا من تراث نظري في مجال النقد الأدبي يعد إضافته الحقيقية الكبيرة المبدعة الجديرة بالدرس والتعمق”.

محمود أمين العالم

– 2 –

عن سلسلة كتابات نقدية (التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة) صدر كتاب جامع ومهم وأصيل من تراث الدكتور شكري عياد، مجلد يضم كتابين من أهم كتبه، ربما يمثلان الركيزة الأساسية وحجر الزاوية في مشروعه النقدي النظري الذي بلوره في عدد من الكتب النظرية؛ وهما: «دائرة الإبداع ـ مقدمة في أصول النقد»؛ و«اللغة والإبداع ـ مبادئ علم الأسلوب العربي».

وهما، في الحقيقة، كتابان منفصلان متصلان بالمعنى الدقيق، لأن الأول يركز على استخلاص جملة من المفاهيم والمصطلحات النقدية التي يكوِّن منها، ويشكِّل من خلالها، رؤيته لنظرية الأدب ونظرية النقد التي يبني عليها شبكة ممارسته النقدية القائمة على تمثل عميق لهذه المفاهيم النقدية (استنادا لمنجزات مدرسة النقد الجديد من ناحية، وأفكار مدارس النقد الاجتماعي الجمالي من ناحية أخرى وعدم إغفال ما قدمه التراث البلاغي والنقدي العربي القديم من جهود من ناحية ثالثة)

فيما يركز الكتاب الثاني محاولته الطموح لإرساء مبادئ علم الأسلوب العربي، بدراسة عميقة للتراث النقدي والبلاغي العربي القديم واستخلاص مفاهيم دقيقة وواضحة للغة كما رآها وتصورها النقاد العرب القدامي في مستوييها “التواصلي المباشر” و”الأدبي الجمالي” وكأن شكري عياد أراد بمحاولته هذه لملمة خيوط نظرية عربية قديمة في لغة الإبداع الأدبي وتحليلها والإفادة من معطياتها الخصبة (وهو الجهد الذي استكمله تلميذه فيما بعد الدكتور عبد الحكيم راضي في أطروحته «نظرية اللغة في النقد العربي القديم» التي أنجزها في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي).

شكري عياد

– 3 –

عن صدور هذين الكتابين بين دفتي كتاب واحد؛ يقول الشاعر والمسرحي جرجس شكري؛ المسؤول عن مشروع النشر بقصور الثقافة:

“كتابان للدكتور شكري عياد «دائرة الإبداع ـ مقدمة في أصول النقد»، و«اللغة والإبداع ـ مبادئ علم الأسلوب العربي»، صدرا في مجلد واحد اليوم عن مشروع النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة، وظني أن إعادة نشر الكتابين حدث كبير، وأذكر أنني قرأت الكتاب الأول «دائرة الإبداع» مطلع التسعينيات، ومن بعده كتاب «اللغة والإبداع».. وبهرني أسلوب الدكتور شكرى عياد، وما طرحه حول قضايا النقد الأدبي في الكتابين”

أما لماذا وضع الكتابين معا بين دفتي كتاب واحد في هذه الطبعة الجديدة، فمرجعه كما يقول جرجس شكري، وحدة الموضوع، “وسوف يتأكد القارئ أن الكتاب الثاني يكمل من خلاله الدكتور شكري عياد ما بدأه في الأول «دائرة الإبدع».. وقد وافقنى الدكتور جابر عصفور رحمه الله على ضم الكتابين في مجلد واحد، ووعد بكتابة مقدمة ولكن القدر لم يمهله، ويأتي هذا الإصدار في سياق المشروع الذي بدأناه في قصور الثقافة منذ ما يزيد عن أربع سنوات لنشر كلاسيكيات النقد العربي للأجيال الجديدة وكانت البداية بكتاب دكتور غالي شكري «المنتمي – دراسة في أدب نجيب محفوظ».. إلخ”.

اقرأ أيضًا: من تراث سهير القلماوي “النقدي”

جرجس شكري

– 4 –

في هذا الكتاب الجامع، يتضح السعي الدؤوب لعياد في البحث عن “الصفة” أو “العامل المهيمن” الذي يمنح العمل الأدبي “أدبيته”، محاولًا اكتشاف هذا العنصر الذي سماه “الأسلوب”، ومستخلصًا إياه من دراسة عميقة للغة وتصوراتها عند اللغويين والبلاغيين القدامى في التراث العربي، ومقارنًا إياها بالتصورات الحديثة لعلماء اللغة واللسانيات المحدثين.

وقدّم عياد طرحا متماسكا ومنطقيا لقضايا تتعلق بالوظيفة الاجتماعية للأدب، والنوع الأدبي، ومنها ما يتصل أيضًا بما سماه “التفسير الحضاري للأدب”، لكن كل هذه القضايا والموضوعات تكاد لا تغادر المحور الرئيسي الذي بنى عليه معالجاته جميعًا، وهو مفهوم أو مصطلح “الأسلوب”. يكاد مصطلح “الأسلوب” في فكر شكري عياد النقدي يتوازى في مواضع كثيرة مع مصطلح “النوع الأدبي” في معناه العميق والأبعد، لا معناه الخارجي أو الظاهري فقط، بحسب ما التفت إلى ذلك عددٌ من دارسيه.

يقول عياد في كتابه القيم إن “الأسلوب كلمة واسعة مطاطة، ولكننا لا نقصد بها هنا طريقة اختيار الألفاظ وتركيب الألفاظ في الجمل، وتسلسل الجمل لتعبر عن الحركة اللحظية للأفكار. أو بنوع من القياس فإن الأسلوب بالنسبة إلى الكتابة كنبض القلب بالنسبة إلى الحركات الجسمية قد تعنف وقد تسرع وقد تبطئ ونبض القلب موجود دائما. يساير هذه الحركات الجسمية هدوءًا وعنفا وسرعة وبطئا، ويظل له مع ذلك اطراده وانتظامه وصفاته الخاصة من قوة أو ضعف وسلامة أو مرض، فكذلك الأسلوب، تتنوع أغراض الكلام وفنونه، والأسلوب هناك دائما يساير هذه الأغراض والفنون، ويتشكل بالأشكال المناسبة لها”.

غلاف الكتاب

– 5 –

وفي هذا يفارق عياد، نسبيًّا، المعنى الشائع لمصطلح “الأسلوب”، في أبسط مفاهيمه؛ وهو قدرة المتكلم على التصرف بالتركيب العربي، حذفًا وإضمارًا وتقديمًا وتأخيرًا، وغير ذلك من ممكنات وطاقات اللغة التي تتيحها لمستخدمها في مستوياتها الأعلى من الكلام، بالإضافة إلى قدرة اللغة على “التطور والتغيير واحتمال الدلالات المتجددة بالاشتقاق والنقل وغيرهما، ومهارة صانع النص والكلام في نقل الدلالات واستعارة الألفاظ لتؤدي مقصوده.

يوضح عياد أن “علم الأسلوب” أو “الأسلوبية”، في الدرس اللغوي المعاصر، قد انبثقا من اللسانيات الحديثة التي ظهرت في الربع الثاني من القرن العشرين، ووُلدت على يدي “شارل بـالي” تلميذ اللغوي السويسري الشهير فرديناند دي سوسير، الذي اكتشف البنية القارة لأي نظام لغوي، ومؤسسا لمفهوم العلامة اللغوية، وبعد ذلك اتسع الخوض فيها وفي أُسسها وتحليلاتها في مجال الأدب والبلاغة، وكانت في ذلك كله مصدرا لتيارات لسانية وأدبية أخرى مثل “البنيوية” و”التفكيكية”، وتيارات ما بعد الحداثة..

ويخلص إلى اعتبار الأسلوب بأنه “جملة الصيغ اللغوية التي تعمل عملها في إثراء القول وتكثيف الخطاب، وما يستتبع ذلك من بسط لذات المتكلم، وكشف عن سرائره، وبيان لتأثيره على السامع”.

اقرأ أيضًا: حسن حنفي ومشروعه الكبير عن “التراث والتجديد”

وتظهر الأسلوبية في التحليل الأخير كجسر ممتد بين اللسانيات والتاريخ الأدبي يهدف، مثل التاريخ الأدبي، إلى إثارة الاختزالية المتميزة للإبداعات الكبرى، والتي يكشفها بوسائل التحليل اللساني في النص الإبداعي، دون الرجوع إلى مرجعية المؤلف ومقاصده.‏

فالأسلوب، إذن، هو الكاشف لنمط التفكير عند صاحبه، إذ يعبّر تعبيرًا كاملًا عن شخصيته، ويعكس أفكاره وصفاته الإنسانية، ويبيّن كيفية نظره إلى الأشياء وتفسيره لها وطبيعة انفعالاته، وغير ذلك مما يؤكد “الذاتية” أساسًا للأسـلوب.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات