الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

“شظايا” الحرب الروسية الأوكرانية تصيب الدول المغاربية

المغرب- حسن الأشرف

مثل حجرة عندما يتم رميها في بركة ماء راكدة، تتحرك موجات على شكل دوائر تبدأ صغيرة لتكبر شيئا فشيئا وتأخذ مساحات أكبر.. كذلك يحصل في الحرب الجارية حالياً على الأراضي الأوكرانية، عندما انطلقت العملية العسكرية الروسية، الخميس 24 فبراير الفائت، حيث بدأت التداعيات تكبر وتكبر، لتصل شظايا الحرب إلى بلدان بعيدة جداً جغرافيا عن روسيا وأوكرانيا.

وهكذا بدأت بلدان في شمال إفريقيا، من قبيل المغرب والجزائر، في التحضير لمواجهة أية آثار قد تؤدي إليها الحرب الروسية الأوكرانية، سواء كانت تداعيات سياسية أو جيوسياسية أو اقتصادية. ويحاول المغرب إمساك “العصا من الوسط” في مواقفه الدبلوماسية المعلنة حيال ما يجري في أوكرانيا، مع تأكيد المملكة على ضرورة احترام سيادة الدول، غير أنه بات يفكر جيدا في كيفية مواجهة ارتفاع أسعار المحروقات، وأيضاً سد الفراغ الذي سيحدثه، وقف توريد القمح من أوكرانيا وروسيا، بينما وضعت الحرب الجزائر بين مطرقة مسايرة الغرب في مواقفه وطلباته بشأن النفط، وبين سندان علاقتها التاريخية المعروفة مع روسيا.

اقرأ أيضًا: سفير موسكو بالمغرب لـ”كيوبوست”: دول الغرب تخطط لإضعاف روسيا

تداعيات اقتصادية

إن الحرب؛ كلَّ حرب، لا تسبب القتلى والجرحى والمعطوبين والنازحين فقط، بل تفضي أيضاً إلى ارتدادات وهزات اقتصادية، تتجاوز أطراف الحرب لتصل إلى العديد من دول المعمورة، حتى البعيدة منها جغرافيا، فالعالم قرية صغيرة، والبلد الذي يُصاب بزكام في شمال الكرة الأرضية يعطس له البلد الواقع في جنوب الكوكب.

وإذا كانت الخسائر البشرية أفدح ما يمكن تصوره، خاصة بين الأطراف المباشرة للحرب، فإن الأضرار الاقتصادية تصيب العالم بالهلع والقلق، وهو ما يظهر حالياً في مشكلات إمدادات النفط العالمية، وأسعار المحروقات، والذهب، وغيرها من الإشكالات.

المغرب يستورد القمح من أوكرانيا

والمغرب لم يكن في منأى عن هذه التداعيات الاقتصادية بالخصوص، فالمبادلات التجارية بين المغرب وأوكرانيا بلغت قيمتها سنة 2000 زهاء 4.70 مليار درهم مغربي، كما أن الحبوب تتصدر واردات المغرب من أوكرانيا، بنسبة تصل إلى 12% من مجموع واردات المملكة التي تصدر إلى أوكرانيا السمك والأسمدة الطبيعية والكيميائية، وبالتالي فإن الحرب الجارية سوف تؤثر على مخزون الحبوب في البلاد، ما سيؤدي حتماً إلى ارتفاعٍ في أسعار الحبوب، يزيد من تبعات الجفاف الذي تعاني منه البلد أصلاً.

وفي ما يخص المبادلات الفلاحية بين المغرب وروسيا، فإنها تمثل 19% من مجموع المبادلات الثنائية بين الطرفين، كما أن صادرات المغرب ارتفعت صوب روسيا بشكلٍ لافت، غير أن الحرب الجارية ستؤثر على حجم وقيمة الصادرات الفلاحية المغربية إلى هذا البلد.

اقرأ أيضًا: هل تصبح أوكرانيا “سوريا” اليمين المتطرف؟

وأما الجارة الجزائر، فإنها اقتصادياً تأمل الانتعاش على وقع الحرب الدائرة على الأرض الأوكرانية، فهي رابع أكبر بلد في العالم من حيث إنتاج الغاز، إذ تنتج  أكثر من 3% من الإنتاج العالمي، وتنتج روسيا أزيد من 16%، وجاءت الحرب لتجعل من الجزائر بلداً تتجه إليه الأنظار، باعتباره حلاً يمكنه أن يساهم في إمداد السوق العالمية بالذهب الأسود.

التداعيات الجيوسياسية

وعند الحديث عن التداعيات الجيوسياسية للحرب الروسية الأوكرانية، يقول الدكتور محمد عصام لعروسي، أستاذ العلاقات الدولية والخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، إنه يلزم وقت حتى تتبلور هذه النتائج والتداعيات على مستوى الخرائطية والأولويات الاستراتيجية على المستوى الدولي.

محمد عصام لعروسي

ويرى لعروسي، في حديثٍ مع “كيوبوست”، أن المشهد ضبابي يعتريه العديد من الشكوك والكثير من السيناريوهات المحتملة، خاصة أن الحرب تدور رحاها في القارة الأوروبية على غير العادة، إذ يشهد العالم النزاعات المسجلة في مناطق بعيدة عن القارة العجوز.

وسجل لعروسي أن الدول الغربية توجد في قلب المعركة، والجغرافيا لم تكن رحيمة بأوكرانيا، حيث وضعتها في وسط النزاع الذي يدور في الواقع بين الولايات المتحدة وروسيا، بينما كانت رحيمة بدول شمال إفريقيا لأنها بعيدة عن منطقة الحرب، غير أن التداعيات تظل محتملة، لكنها ليست أكيدة، شرط اختيار بدائل سياسية واقتصادية جيدة.

من الناحية السياسية، يكمل الخبير ذاته بأن المغرب عبر عن رفضه للحرب، وتمسكه بالحلول الدبلوماسية لحل الأزمات، وهذا نهج دبلوماسي مغربي قديم ينأى عن التقاطبات والتحالفات الدولية، وقد عبرت عنه الرباط غير ما مرة في العديد من الأزمات، حيث لم تكن تصطف مع جهة ضد جهة أخرى.

مبنى سكني تعرض للقصف الأخير في كييف، فبراير 2022- فرانس برس

واعتبر المتحدث أن قرار المغرب عدم المشاركة في القرار الأممي الذي يطالب روسيا “بالتوقف فوراً عن استخدام القوة ضد أوكرانيا”، والذي حاز بأغلبية أصوات 141 دولة، له دلالات جيوسياسية واستراتيجية، فالمغرب يبتعد عن الدخول في معترك الصراعات الدولية، لكونه حريصاً على الانفتاح على جميع أطراف النزاعات، إذ لا يمكن تصور أن يصطف المغرب مع روسا ضد أوكرانيا، أو مع أوكرانيا ضد روسيا، إذ يحاول كسب جميع الأطراف بهدف عدم تأثر مصالحه الحيوية، خاصة قضية الصحراء بمثل هذه الاصطفافات.

تحسنت العلاقات المغربية الروسية بعد زيارة الملك إلى موسكو- (صورة وكالات)

لعروسي يؤكد في هذا الصدد أن تداعيات الحرب الجارية لن تتجلى في الفترة الحالية، خصوصاً مع اعتماد المملكة دبلوماسية ذكية وناعمة تحاول عدم التورط في الصراعات، بخلاف الجارة الجزائر التي تعتبر روسيا حليفاً استراتيجياً وتقليدياً لها.

واقتصادياً، يقول المحلل إن المغرب قد يتضرر بسبب أنه يستورد النفط والقمح من روسيا وأوكرانيا، ولكن المصالح الاستراتيجية للمغرب، على المدى البعيد، لن تتأثر باعتبار أن المغرب يحاول تأجيل التداعيات السلبية من خلال الإمساك بالعصا من الوسط والالتزام ببعد النظر بشأن السيناريوهات المحتملة للحرب، فإما انتصار عسكري لروسيا، أو تقزيم روسيا وعزلها عن العالم.

وخلص الخبير الاستراتيجي إلى أن الدبلوماسية المغربية مطالبة بإجراء حسابات دقيقة حتى تتم الاستفادة من آثار الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ودعم المصالح الحيوية للمملكة، خاصة ملف الصحراء.

اقرأ أيضاً: الجهاد الأمريكي ضد الروس فصل جديد من الإرهاب

إعادة بناء نظام عالمي جديد

من جهته يؤكد الدكتور عبد الفتاح الفاتحي، مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أن  الحرب الروسية الأوكرانية ستفضي بالضرورة إلى تغييراتٍ قوية في العلاقات الدولية، وهو ما يفيد بأننا سنكون أمام تداعيات إعادة بناء نظام عالمي جديد، على أسس ما ستفرزه الحرب القائمة، وصراع القوى الكبرى على الزعامة.

عبد الفتاح الفاتحي

وأبرز الفاتحي، ضمن حديثٍ مع “كيوبوست”، أن العالم سيكون أمام نتائج ما بعد الحرب، أيا كانت نهايتها، وهو ما يستدعي إعادة النظر في السياسات الخارجية وسياسات الدول الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، موردا أن الدول العربية -ومن بينها المغرب- مطلوب منها إعادة صياغة مخططات لمختلف سياساتها، تبعا لكل سيناريو، وما يعقبه من نمط جديد للعلاقات الدولية. ووفق المتحدث ذاته، فإنه أمام حتمية تغييرات هيكلية تعقبها تداعيات على السياسة والاقتصاد، ومختلف القضايا الثقافية والاجتماعية، سيكون محتماً على العالم العربي، ومنه المملكة المغربية، إعادة ترتيب أولوياته في مختلف مناحي الحياة.

ويستطرد الفاتحي، بأن الإقبال على تغييراتٍ إجبارية شاملة سيكون مكلفا لجدتها وفجائية تطور مواقف الأطراف المتصارعة، وبالتالي لا مفر من تقدير سياسات متناسبة لكل السيناريوهات لتقليل الكلفة وتيسير التكيف والاندماج في النظام العالمي الجديد الذي هو قيد التشكل حالياً.

شاهد: فيديوغراف: جهاد في أوكرانيا

وزاد الباحث ذاته بأن “المملكة المغربية في سياق تدبير موقفها من الصراع، فضلت الحياد الإيجابي والمتوازن للإبقاء على مجال أوسع لتيسير عملية التكيف مع مخرجات نهاية الصراع كلية أو مؤقتاً”.

واسترسل بأن “المغرب يُبقي علاقة متوازنة مع كل الأطراف، خاصة أن للعديد من الدول العربية علاقات اقتصادية وعسكرية كبيرة مع روسيا وكذلك أوكرانيا”، مشيرا إلى أن “هناك تداعيات كبيرة على الواقع المغربي الذي ينجز أكبر صفقات استيراده للقمح من روسيا، ثم من أوكرانيا، وتربطه علاقات تجارية مهمة مع روسيا تتعلق بتصدير المواد الفلاحية المغربية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة