الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون دولية

شركات التكنولوجيا العملاقة ومكافحة الاحتكار ومستقبل الليبرالية السياسية

كيوبوست – ترجمات

أنتوني بار♦

أخيراً وبعد عام كامل من التحقيقات وساعات من الشهادات أمام الكونغرس، أصبح التقرير القضائي النهائي لمجلس النواب عن شركات التكنولوجيا العملاقة جاهزاً. وفي حين يشكو العديد من النقاد من أن الأوان قد فات لأي رد قابل للتنفيذ من قِبل الكونغرس في هذه المرحلة، فإن حقيقة ورود هذا التقرير في منتصف دورة انتخابية رئاسية أمر جدير بالملاحظة بالتأكيد.

وكما هو متوقع، فإن هذا التقرير لا يخفف من وقع كلماته. وبأسلوبٍ خطابي، يقارن التقرير صراحةً بين شركات التكنولوجيا العملاقة (خصوصاً “أمازون” و”أبل” و”جوجل” و”فيسبوك“) وأباطرة النفط وأقطاب السكك الحديدية في العصر الذهبي، ويتهمهم بالتصرف كما لو كانوا فوق القانون. وعلى وجه التحديد، هناك تهمة ذات شقَّين موجهة إلى هذه الشركات تتمثل أولاً في أنها تستخدم قوتها السوقية للعمل كحراس بوابات يمكنهم التحكم في الوصول إلى الأسواق وهيكلة قواعد التوزيع. وثانياً في أنها تستخدم قوتها السوقية لمراقبة الصناعة وتحديد المنافسين الصاعدين الذين إما تحاكيهم أو تشتريهم أو تقضي عليهم.

اقرأ أيضاً: منصة “فيسبوك” من التنصل إلى المسؤولية

وفي تلخيص لوائح الاتهام، يشير التقرير إلى أن هذه الشركات “تمارس هيمنتها بطرق تؤدي إلى تآكل روح المبادرة التجارية، وتحط من خصوصية الأمريكيين على الإنترنت، وتقوض من حيوية الصحافة الحرة المتنوعة”؛ وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى “نقص الإبداع والحد من خيارات المستهلكين وإضعاف الديمقراطية”. وبصفتي ناقداً لشركات التكنولوجيا العملاقة، فأنا أرحب بتدقيق الكونغرس. ولكنني متشكك في الإطار العام لهذه القضية؛ لأنها تعكس معتقدات خاطئة في ما يتصل بالليبرالية الاقتصادية والسياسية.

ولطالما أكدت الأرثوذكسية النيوليبرالية السائدة أن الليبرالية السياسية والاقتصادية تعززان بعضهما بعضاً ولا تنفصلان. وقد أجبرنا الصعود المذهل للأسواق الصينية على إعادة النظر في هذه الفكرة، وهو الأمر الذي أظهر لنا أن الليبرالية الاقتصادية لا تحتاج إلى أن تتزامن (على الأقل في الأمد القريب) مع الليبرالية السياسية.

الرئيس التنفيذي لشركة “أمازون” جيف بيزوس يتحدث عبر الفيديو خلال جلسة استماع اللجنة القضائية الفرعية لمجلس النواب حول مكافحة الاحتكار في مبنى الكابيتول هيل في واشنطن.. يوليو 2020- “أسوشييتد برس”

ولعل التحول الأخير ضد شركات التكنولوجيا العملاقة يكرر هذا الخطأ المتمثل في الخلط بين الليبرالية بشقيها؛ حيث من المفترض أن نعتقد أن مجرد تقييد الممارسات الاقتصادية لهذه الشركات يمكن أن يؤدي بطريقة أو بأخرى إلى تجاهل ممارساتها غير الليبرالية وتحييد آثارها على الديمقراطية.

الأمر لا يتعلق بالاقتصاد

ومن حيث المخيلة المدنية لدى الرأي العام الأمريكي، فإن التحول الأخير ضد شركات التكنولوجيا العملاقة لا يتعلق في الأساس بالقضايا التي يناقشها خبراء الاقتصاد؛ مثل كيفية تحقيق توازن السوق أو زيادة كفاءة التخصيص. كما أن التحول ضد الشركات العملاقة لم يكن راجعاً أيضاً إلى القضايا النموذجية التي تواجه المستهلك العادي؛ مثل قلة حداثة السلع وتنوعها أو ارتفاع تكلفة السلع والخدمات.

اقرأ أيضاً:مايكروسوفت” تستسلم في سوق الهواتف المحمولة أمام “أبل” و”جوجل

وبعبارةٍ أخرى، بالنسبة إلى المواطن الأمريكي العادي، فإن القلق بشأن شركات التكنولوجيا العملاقة لا يتعلق أساساً بالليبرالية الاقتصادية. فمن المؤكد أن هناك محادثات اقتصادية لا بد أن تجري؛ ولنقل حول إعطاء “جوجل” الأولوية لخدماتها الخاصة في نتائج البحث، أو إدارة شركة “أبل” لمتجر التطبيقات الخاص بها، أو استحواذ “فيسبوك” على “إنستغرام“، أو انتقام شركة “أمازون” من الموردين المتمردين. لكن هذه القضايا الاقتصادية المحددة دقيقة وعرضية للغاية؛ بحيث إنها لا تصف جوهر شكوانا الجماعية.

الرئيس التنفيذي لـ”جوجل” سوندار بيتشاي يؤدي اليمين أمام اللجنة القضائية في مجلس النواب 2018- “فرانس برس”

ولنتأمل الأسئلة التالية: هل جعلت قوة “أمازون” السوقية في قطاع التجزئة شراء سلع البيع بالتجزئة أرخص أو أكثر تكلفة؟ هل تستحق هواتف “أبل” الخلوية سعرها؛ خصوصاً بالنظر إلى المنافسة مع الشركات المصنعة الأخرى، بما في ذلك “أندرويد” و”سامسونج“؟ هل يجبرك أي شخص على الوجود على “فيسبوك”؟ وهل هناك نقص في منصات التواصل الاجتماعي المنافسة التي يمكنك الانضمام إليها بدلاً منه؟ هل تفضل أن تكون نتائج بحث “جوجل” أقل فائدة؟

وتتلخص وجهة نظري من طرح هذه الأسئلة في التصدي لفكرة أن هذه الشركات تضر المستهلكين، حتى عندما تستحوذ على حصص كبيرة من القوة السوقية وتدير أعمالها بممارسات مشبوهة مانعة للمنافسة للحفاظ على هذه القوة أو زيادتها. ومن الممكن أن تسلم بهذه النقطة، وتظل تجادل ضد شركات التكنولوجيا العملاقة باستخدام فرضيات نظرية مجردة حول كيف أن سوقاً أكثر تنافسية بشكل كامل مع زيادة كبيرة في البائعين قد تؤدي إلى جميع أنواع المخرجات الجيدة من حيث التسعير والابتكار؛ لكني متشكك بخصوص هذا الأمر أيضاً. فهذه الشركات ذات قيمة بالنسبة إلينا على وجه التحديد؛ بسبب مقدار القوة السوقية التي تسيطر عليها، وبالأخص أعداد المستخدمين الذين يتفاخرون بها.

اقرأ أيضاً: 20 عاماً على “جوجل”.. هكذا أحدث شابان أكبر طفرة تكنولوجية في العالم

وبالتالي، ما الهدف من الوجود على “فيسبوك” إذا لم يكن الجميع كذلك؟ ولماذا نستخدم “جوجل” إذا كانت القوة الكلية أقل إبهاراً أو فائدة من محرك بحث مثل “بنج”؟ ولماذا استخدم موقع للتجزئة منافس لـ”أمازون” يحتوي على عدد أقل من البائعين وأسعار أعلى وتسليم أبطأ؟ وعلى حد تعبير الخبير الاستراتيجي بن طومسون، فإن المشكلة تكمن في أن “الكثير من إجراءات مكافحة الاحتكار الحديثة ضد شركات التكنولوجيا أشبه بسلسلة ضغط؛ فالسبب وراء امتلاك هذه الشركات للسلطة هو أن العديد من العملاء يختارون استخدامها، ومن الصعب وربما ليس من الحكمة محاولة تنظيم الخيارات الفردية لمليارات المستخدمين”.

الشركات كجهات سياسية فاعلة

لذلك إذا كان التحول ضد شركات التكنولوجيا العملاقة لا يتعلق في المقام الأول بالليبرالية الاقتصادية، إذن فما السبب؟ أعتقد أننا نضع الشركات التكنولوجية العملاقة في مرمى نيران الكونغرس؛ لأننا قلقون بحق بشأن السلطة السياسية الهائلة (والمدمرة في كثير من الأحيان) التي تتمتع بها هذه الشركات الضخمة.

مئة صورة من الورق المقوى لمؤسس “فيسبوك” مارك زوكربيرج تقف خارج مبنى الكابيتول الأمريكي في واشنطن خلال شهادته التي استمرت يومين أمام الكونغرس.. أبريل 2018- “فرانس برس”

فنحن نشعر على نحوٍ متزايد بالهشاشة التي تتسم بها ديمقراطيتنا ونخشى منها، وترجع جذور تحولنا ضد شركات التكنولوجيا العملاقة إلى تلك المخاوف. وهذه المخاوف المتعلقة بالشركات التكنولوجية العملاقة تتناسب طردياً مع مقدار الأمل الذي استثمرناه سابقاً فيها. تذكروا كيف حلم الكثيرون في الماضي بـ”فيسبوك” وهو يربط العالم، وبـ”جوجل” وهو يجعلنا جميعاً أكثر ذكاءً. واستخدمنا بتفاؤل مصطلحات مثل “طريق المعلومات السريع” و”اقتصاد العمل الحر”، وتحدثنا بشاعرية عن كيفية مساعدة “تويتر” في النضال من أجل الديمقراطية في جميع أنحاء العالم.

وبالطبع، كان كل ذلك قبل انهيار السوق عام 2008، وروبوتات الذكاء الاصطناعي العنصرية، وحملة ترامب، وتقارير كامبردج أناليتيكا، وتقارير الحرب الإلكترونية الروسية، وأنظمة الائتمان الاجتماعي الصينية، وإدارات الشرطة الأمريكية التي تستخدم خوارزميات كأدوات للتنبؤ بالجرائم.

اقرأ أيضاً: سياسة “فيسبوك” حيال خطاب الكراهية تدفع إلى مقاطعته.. والخسائر بالمليارات

وبالتالي، فإن قائمتنا الطويلة من لوائح الاتهام السياسية ضد شركات التكنولوجيا العملاقة تشمل التالي: بيع بيانات المستخدم الخاص بطرق تسمح بتزايد تطور التلاعب من قِبل الجهات السياسية، السماح والتشجيع عن غير قصد على انتشار المعلومات المضللة؛ بما في ذلك تلك التي يفتعلها خصوم أجانب كشكل صريح من أشكال الحرب الإلكترونية، إسكات أصوات المعارضين السياسيين أو دفع وجهات نظر سياسية معينة سواء من خلال التحيز الفطري أو المكائد النشطة، تقويض (بشكل مباشر أو غير مباشر) الانتخابات الحرة سواء هنا أو في الخارج، مساعدة وتحريض الحكومات الاستبدادية بنشاط في الخارج، دعم مختلف تدابير الشرطة والأمن القومي الاستبدادية على الصعيد المحلي والتي تقوض الحرية المدنية، وغير ذلك من تشكيل للسياسة العامة بشكل غير ملائم؛ لا سيما من خلال جهود الضغط.

إيلون ماسك مؤسس شركات “سبيس إكس” و”تسلا” يعطي ظهره للرئيس ترامب بعد اجتماع بأبرز شركات التكنولوجيا- “بوليتيكو”

ومن الأهمية بمكان أن ندرك أن أياً من هذه المخاوف المشار إليها أعلاه لن تُحَل ببساطة من خلال إجبار هذه الشركات على أن تكون جهات اقتصادية فاعلة بشكل أفضل. ويمكننا أن نتصور النتائج التي يتم فيها تعزيز إنفاذ قوانين مكافحة الاحتكار (كما أوصى التقرير)، والتي يتم فيها حظر عمليات الاندماج الأفقية وجعل قوة حراس البوابات في السوق أكثر قابلية للتنافس. ومن المؤكد أن هذه النتائج جديرة بالثناء، وآمل أن يسعى الكونغرس إلى تحقيقها؛ لكن هذه الإصلاحات تُشكل أيضاً في الأساس إصلاحات تكنوقراطية لانعدام الكفاءة الاقتصادية، فهي لا تتعامل مع التحديات السياسية الأكبر.

اقرأ أيضاً: 20 شخصية تقود ثورة التكنولوجيا في الألفية الثانية

وكخطوة أولى إلى ما بعد تقرير مجلس النواب، يتعين علينا أن نعترف صراحةً بأن شركات التكنولوجيا العملاقة هي جهات سياسية فاعلة تقع ضمن سياق سياسي يشعر فيه الأمريكيون العاديون بالعجز في مواجهة الهياكل والأنظمة المعقدة والعصية على الفهم، ناهيك بالسيطرة عليها. ثم يتعين علينا أن نجيب على سؤال ما إذا كنا سنقبل سياقاً سياسياً واقتصاداً سياسياً يمحو أثر الوكالة الفردية وتقرير المصير المحلي.

فإذا كانت الإجابة عن هذا السؤال هي لا، وإذا كانت لدينا حقاً الإرادة لتغيير هذا السياق؛ فسوف نحتاج إلى إيجاد سبل للمساومة الجماعية من أجل تأكيد قوتنا في مواجهة المكائد الطبيعية للشركات التي تحركها الأرباح. وتقدم لنا المقاومة الشعبية الناجحة التي أبدتها مدينة نيويورك مؤخراً تجاه “أمازون” نموذجاً لما أتصوره هنا.

الخلاصة

أنا ممتن للتقرير الصادر عن مجلس النواب، وأعتقد أنه يشير إلى خطوط مثمرة للهجوم على الشركات التي بدت حتى الآن وكأنها لا يمكن المساس بها. كما أتفق تماماً مع تقييم صقر مكافحة الاحتكار، مات ستولر، بأن هذا التقرير “سوف يعمل على الفور على تمكين الجهات التنظيمية في مختلف أنحاء العالم والتي كانت تنتظر من الولايات المتحدة إضفاء الشرعية على إجراءات حقيقية ضد منصات التكنولوجيا الضخمة”؛ لكني أعتقد أيضاً أن أعظم أفكار ستولر هي تلك التي ربما يتم تجاهلها أكثر.

اقرأ أيضاً: شركات التكنولوجيا الكبرى والإرهاب.. وجهة نظر بريطانية حاسمة

ومن الجدير بالذكر أن هذا التقرير يعيد تأكيد دور الكونغرس كهيئة مركزية لصنع القرار السياسي في الولايات المتحدة؛ حيث ينتزع السلطة من القضاة الذين أعادوا كتابة السوابق القضائية بطرق سخيفة، فضلاً عن رجال إنفاذ القانون الكسالى. وفي النهاية، يبقى الكونغرس هو المسؤول الأكبر عن هيكلة الاقتصاد السياسي الأمريكي. وجوهرياً، نحن الشعب الذي يخضع الكونغرس للمساءلة أمامه، والذي يتلقى منه تعليماته. ولن يستطيع التكنوقراط في مجال الاقتصاد إنقاذنا من شركات التكنولوجيا العملاقة. وإذا كان لنا ذلك، فعلينا أن ننقذ أنفسنا.

♦خريج كلية تمبلتون الشرفية في الجامعة الشرقية، وله أبحاث حول النظرية السياسية، وسياسة التعليم، والفضيلة المدنية والأخلاقية للعديد من المنظمات غير الربحية والشركات.

المصدر: موقع مير أرثوذكسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة