الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

سيكولوجية المغاربة بين ضريح سيدي عبدالرحمن و”موروكو مول”

الدار البيضاء – إلهام الطالبي

زوار ضريح سيدي عبدالرحمن، يتسوقون أيضًا في المركز التجاري موروكو مول”، يقول محمد، أحد حراس ضريح سيدي عبدالرحمن في منطقة عين الدياب بالدار البيضاء بالمغرب.

بجوار أكبر مركز تجاري في المغرب “موروكو مول،” يقع ضريح سيدي عبدالرحمن. ولكلٍّ من المكانَين رمزية خاصة؛ فالأول فرصة للزائر للتسوُّق ومواكبة أحدث الماركات العالمية، والثاني فضاء للتبرُّك من الضريح، والتمسك بعادات وتقاليد الأجداد.

ألجأ إلى الضريح عندما أشعر بالضيق

تتقدَّم سلمى بخطوات بطيئة، تضع نظارة سوداء وتحمل هاتفًا ذكيًّا.. ترتدي لباسًا عصريًّا، وتعبر الجسر نحو الضريح، وتختار بين الفينة والأخرى النظر إلى البحر.

بمجرد ما تطأ قدماها الضريح، يستقبلها بائع الشمع.. تشتري شمعتَين؛ لتُشعلهما خلال زيارتها الضريح.

تقول سلمى في حديثها إلى “كيوبوست”: “هنا أجد راحتي وسكينتي، ألجأ إلى هذا المكان عندما أشعر بالضيق”.

تعتقد سلمى، 29 عامًا، أن بركة الضريح ستخلصها من الشرور والحسد، وستجعلها تشعر بالراحة وتتغلَّب على إحساسها بالضيق، على حد تعبيرها.

يستقبل الضريح فئات من مختلف الطبقات الاجتماعية، تحرص على زيارته بين الفينة والأخرى؛ للتيمُّن ببركة “الولي الصالح” من خلال التمسح بجدران الضريح وقبره، ووهب الشموع والمال لحراسه والمسيرين والمتسولين.

اقرأ أيضًا: أرض تنبت الأولياء

نحن جميعًا متساوون في هذا المكان

وتنقسم زيارة الأضرحة والأولياء في المغرب حسب اختصاص كل وَلي، ويتوجه البعض إلى سيدي عبدالرحمن؛ بهدف المساعدة على الإنجاب وتجاوز حالات العقم والزواج.

 ويقصد البعض الآخر الضريح؛ لعلاج ما يصفونه بالمَسّ أو لطلب الصحة والبركة أو الدعم النفسي.

يقع الضريح على صخرة بشاطئ عين الدياب؛ ما يجعله يحمل دلالات روحية للزوار ويجعلهم يشعرون بالطمأنينة.

شاطئ عين الدياب في المغرب – أرشيف

 تجلس النساء بعضهن بجوار بعض، ويبدأن في الحديث عن مشكلاتهن مع ما يصفنه سحرًا أو حسدًا.. تبكي سلمى وهي تتحدث عن تجربتها بعد الطلاق، تنحي باللائمة على السحر والحسد.

تتبادل النساء أطراف الحديث، ويصغي بعضهن إلى بعض.. يبكين مع بعض ويعتبرن أنفسهن ضحايا، وأن هذا المكان هو ملاذهن الوحيد الذي يشعرن فيه بالراحة.

تضع مريم، شابة مغربية، 36 عامًا، يدها على الضريح، وتحمل بيدها الأخرى هاتفها الذكي؛ تبدأ بسؤاله عن أسباب حظها العثر، ولماذا تتأزم أوضاعها، تبكي بشدة، وتقترب منها صديقتها وتحضنها وتبكيان معًا.

تلتمسان من ضريح سيدي عبدالرحمن أن يحسن أحوالهما وجميع النساء الموجودات.

تقول مريم بنبرة حزينة، خلال حديثها إلى “كيوبوست”: “في هذا المكان نحن جميعًا متساوون، يجلس الغني والفقير بعضهما بجوار بعض؛ هنا نبكي ونُعبر عن أوجاعنا بحرية”.

ارتداؤنا على الموضة لا يعني أن نمسح جزءًا من تراثنا

بملابس عصرية وهواتف ذكية، تطوف النساء الضريح. وتعتبر ميلودة، امرأة تبلغ 40 عامًا، أن زيارة الضريح ملاذها الذي تلجأ إليه للهروب من المشكلات، موضحةً: “هنا أرتاح.. إنه مهم جدًّا في حياتي”.

ما معنى أن يواكب الفرد الموضة ويحافظ على زيارة الأضرحة في الوقت نفسه؟

اقرأ أيضًا: الصوفية في الأردن: مستقبل غامض وعلاقة ملتبسة بالدين والسياسة

بالنسبة إلى ميلودة، فقدومها إلى المركز التجاري “موروكو مول” لا يكتمل دون زيارتها إلى ضريح سيدي عبدالرحمن.. تقول في هذا الصدد، خلال تعليقها لـ”لكيوبوست”: “ارتداؤنا على الموضة لا يعني أن نمسح جزءًا من تراثنا وثقافتنا؛ زيارة الضريح لا تعني السحر، إنه مكان روحاني بالنسبة إلينا.. مكان نتجرد فيه من كل شيء وننسى همومنا”.

هل يتأرجح الفرد المغربي بين التقاليد ومواكبة العصر؟

مباشرةً بعد انتهاء ميلودة من الطواف في الضريح، تنتقل للتجوُّل في “موروكو مول”، والتسوق في عالم الموضة والأزياء.

ويتضمن المركز التجاري “موروكو مول” فضاءات للتسوق والترفيه والمطاعم ضمن تصور عمراني متجدد قائم على حركية مستوحاة من البيئة البحرية ومغمورة بضوء طبيعي، على خلاف ضريح سيدي عبدالرحمن الذي لا يزال عمرانه تقليديًّا.

اقرأ أيضًا: المغرب تصدر قانونًا ثوريًا لمكافحة العنف ضد النساء

هل يعكس وجود ضريح سيدي عبدالرحمن بجوار “موروكو مول” تأرجح الفرد المغربي بين التقاليد ومواكبة العصر؟

تعتقد ميلودة أن زيارتهن إلى ضريح تمنحهن السكينة، وقد تُمَكِّن بعض النساء من الإنجاب أو إيجاد حلول.

ميلودة تركب سيارة فارهة وتقتني لباسًا عصريًّا، وتعتبر أن الموضة والماركات العالمية جزء من حياتها؛ بيد أنها ما زالت تزور الضريح للتبرُّك منه.

الفرد المغربي يعيش في فترتَين متناقضتَين

ورغم التطور الذي يعيشه المجتمع المغربي؛ فإن الأضرحة ما زالت تحظى بمكانة خاصة لدى البعض، وتُعد ثابتة رغم حدوث مجموعة من التحولات التي مسَّت بنية المجتمع.

ترى مليكة، شابة مغربية، 33 عامًا، أنها تزور الضريح فقط لإحياء ذكريات الطفولة حينما كانت ترافق جدتها. وتقول في هذا السياق لـ”كيوبوست”: “أستغل وجودي في (موروكو مول)؛ لزيارة الضريح.. أنا لا أبحث هنا عن حل لمشكلاتي أو طمأنينة. أدرك جيدًا أنه مجرد ضريح؛ لكنه يحمل دلالات خاصة بالنسبة إليَّ، إنه يسافر بي إلى الماضي وذكرياتي مع جدتي، هذا المكان هو جزء من تاريخ جميل، أزوره بين الفينة والأخرى؛ لإحياء تلك الذاكرة”.

تعتبر مليكة أن الفرد المغربي رغم انفتاحه على العصر؛ فإنه لا يزال متمسكًا بالتقاليد، موضحةً: “وجود أكبر مركز تجاري بجوار ضريح سيدي عبدالرحمن هو دليل على أن الفرد المغربي يعيش في فترتَين متناقضتَين في الآن ذاته، فهو تقليدي وأيضًا عصري؛ إنه معقد ويصعب فهمه بسهولة”.

سيكولوجية الفرد المغربي المركبة

وكان أول مَن استخدم عبارة “المجتمع المغربي المركب”، الباحث في علم الاجتماع بول باسكون، واستعمله لأول مرة سنة 1969 في محاضرة عمومية نُشرت في مجلة المشروع مترجمةً عام 1981.

يرى باسكون أن المجتمع المغربي مجتمع مركب ومعقد، لا يمكن للباحث أن يختزله في نمط إنتاجي واحد، مشددًا على أنه لا ينتمي إلى المجتمعات المتجانسة؛ فالفرد المغربي لم يُحسم مع الماضي، بل لا يزال يحمل معه تلك الترسبات والحمولات الثقافية.

اقرأ أيضًا: المغرب يلغي تدريس مادة الفلسفة: هل هي ضرورية حقًا؟

ويُشير الباحث في علم الاجتماع إلى أن سيكولوجية الفرد المغربي مركبة، وهذا ما يتضح عندما يقوم أشخاص يحملون هواتف ذكية ويرتدون ملابس على الموضة بالتضرع إلى الضريح؛ لإيجاد حلول لهم، في الوقت الذي يكشف مظهرهم عن أنهم يواكبون العصر.

تعيش سلمى وميلودة وغيرهما من زائرات ضريح سيدي عبدالرحمن في أزمنة مختلفة بين ارتداء ملابس عصرية واستخدام أجهزة أنتجتها شركات تؤمن بالعقل، والاعتقاد أيضًا بقدرة الميتافيزيقا أنها ستجد لهن حلولًا، وهذا ما يعكس، حسب باسكون، طبيعة المجتمع المغربي المركبة.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة