الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

سيشهد عام 2023 ولادة عالم متعدد الأقطاب.. ولكنه لن يكون كما تخيلناه

 كيوبوست

د.دينيس ساموت♦

كان عام 2022 هو العام الأول في هذا العقد الذي لم تهيمن عليه جائحة “كوفيد-19”. في الواقع حرص معظم الناس على أن يضعوا الجائحة وراءهم؛ لدرجة أنهم نسوا بالفعل أنها كانت لا تزال موجودة عندما احتفلنا برأس السنة الماضية. لقد كانت السرعة التي عاد بها العالم إلى طبيعته -باستثناء الصين- هي إحدى السمات المميزة لهذا العام التي ستبقى في الذاكرة لفترة طويلة.

ولكن على صعيد الجغرافيا السياسية العالمية، لم يكن عام 2022 على القدر نفسه من الإيجابية؛ فقد عادت الحرب إلى أوروبا مع غزو روسيا لأوكرانيا في 24 فبراير، وهي حرب من غير المحتمل أن يتم حسمها في ساحة المعركة. كان الروس يأملون في أن يتمكنوا من اجتياح أوكرانيا في غضون أيام وفرض نظام جديد فيها؛ ولكنهم فشلوا في ذلك فشلاً ذريعاً. ولكن وعلى الرغم من بعض النجاحات البطولية؛ فإن الجيش الأوكراني غير قادر على طرد القوات الروسية من إقليم دونباس وشبه جزيرة القرم، والقيادة الأوكرانية ليست مستعدة لوقف الحرب قبل تحقيق ذلك. وحتى الآن أثبتت الجهود الدبلوماسية عدم فعاليتها في التوصل إلى حل لهذه الأزمة.

اقرأ أيضًا: أهم 10 مخاطر عالمية لعام 2023

العودة إلى عالم متعدد الأقطاب

ترمز أوكرانيا من نواح عديدة إلى عملية أكبر تجلت بشكل واضح تماماً خلال العام الجاري؛ وهي العودة إلى عالم متعدد الأقطاب، والمنافسة المحمومة بين هذه الأقطاب. يتحدث البعض عن عودة الحرب الباردة، ولكن هذا الحديث لن يكون مفيداً لفهم الوضع الراهن، والأهم من ذلك لقراءة المستقبل، إذ لا يمكن قراءة عام 2023 من خلال منظور عام 1963. وهذه الرحلة القادمة من العلاقات الدولية ستكون لها خصائصها المميزة التي يمكن الشروع في تحديدها بناءً على ما شهدناه هذا العام.

أولاً، لم تنهَر الولايات المتحدة بصفتها القوة العالمية المهيمنة -مع أنها تراجعت سياسياً واقتصادياً- بسبب الاضطرابات السياسية الداخلية والضغوط الاقتصادية الكبيرة والإرهاق الذي أصابها جراء لعب دور الشرطي العالمي. ولكن إدارة بايدن، وعلى الرغم من الخروج المتعثر من أفغانستان، تمكنت من إيقاف هذا التدهور إلى حد كبير. كان بايدن محظوظاً لتوفر عاملَين مهمَّين ساعداه في تنفيذ سياسته الخارجية؛ الأول هو أنتوني بلينكن وزير الخارجية المهني النشيط الذي يعرفه بايدن جيداً ويثق به، والثاني كان الكونغرس الذي وافق إلى حد كبير على سياساته الخارجية. ولم تغير الانتخابات النصفية هذا الواقع بشكل كبير، كما أن تراجع فصيل ترامب في الحزب الجمهوري كان في صالح السياسة الخارجية للرئيس بايدن. علاوة على ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، ولا تزال تستثمر بشكل كبير في الابتكار؛ الأمر الذي يعني أنه من المرجح أنها ستبقى، ولو جزئياً، متقدمة على غيرها من الدول في المدى المنظور.

ولكن الموارد مهما كانت فإنها تبقى محدودة. كان خطر التوسع المفرط هو ما دفع بايدن للانسحاب من أفغانستان، وهو أيضاً سبب تغيير الموقف الأمريكي العالمي، الذي يقول البعض إنه يؤدي إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأجزاء أخرى استراتيجية من العالم.

قائد القوات الأمريكية السابق في أفغانستان قال إنه لم يكن يعرف ماذا يعني الانتصار في أفغانستان- “بزنس إنسايدر”

كانت بوادر كل ذلك واضحة في عام 2022، ثم جاء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير. كان الأمر واضحاً منذ وقت طويل. بوتين أوضح منذ فترة طويلة أن تفكيك الاتحاد السوفييتي كان خطأً؛ ولكنه امتلك ما يكفي من الحكمة ليدرك أن إعادة تشكيله لم تعد ممكنة. وبالتالي كان لا بد من تصور جديد لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية بنسخة ثانية، ثم إعادة تشكيله قطعة بعد أخرى بطريقة تتناسب مع القرن الحادي والعشرين. وكانت الحرب الروسية- الجورجية عام 2008 هي الخطوة الأولى، ثم جاء غزو أوكرانيا خطوة حاسمة كان ينبغي أن تعيد ذلك البلد، الذي يحمل الكثير من الرمزية لروسيا وللروس، إلى الحظيرة الروسية. وما تبقى سيكون مجرد عملية تنظيف وتلميع.

ولكن بوتين ارتكب ثلاثة أخطاء في حساباته؛ الأول كان فشله في فهم حقيقة أن الدولة الأوكرانية قد ترسخت، ولم يعد الأوكرانيون مستعدين لرؤية بلدهم يعود جزءاً من روسيا، وكانوا مستعدين للقتال من أجل ذلك. الخطأ الثاني هو أن بوتين قد بالغ في تقدير قوة جيشه، ووقع ضحية تصديق دعايته الخاصة. فعلى الرغم من الاستثمارات الهائلة في الدفاع وعلى الرغم من بعض الخطوات الناجحة في تحديث بعض وحدات النخبة في الجيش الروسي؛ فلا يزال هذا الجيش يرزح تحت ماضيه السوفييتي، ولا يزال غير مؤهل لخوض حروب اليوم. والخطأ الثالث الذي وقع فيه بوتين كان سوء تقديره البالغ لرد فعل الغرب، الذي شرع بعد لحظة قصيرة من التردد في تقديم دعم لأوكرانيا بشكل لم يكن لأحد أن يتصوره.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين- أرشيف

غالباً ما تبدو الطريقة التي يدير بها الأوروبيون سياساتهم الخارجية غريبة جداً بالنسبة إلى المراقبين الخارجيين، وغالباً ما تبدو القارة العجوز ممزقة وعالقة في أسر خطابها الخاص، ومتأخرة في فهم التطورات العالمية والتعامل معها. وكثيراً ما تكون عملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي ركيكة. وقد لاحظ الأوروبيون هذه الخصائص؛ ولكنهم لا ينظرون إليها دائماً على أنها عيوب. يقولون إن أوروبا لم تكن أكثر تماسكاً في الفترة الممتدة من القرن الخامس عشر إلى القرن السابع عشر مما هي عليه اليوم؛ بل إنها كانت أكثر انقساماً، لكن القوى الأوروبية تمكنت من غزو العالم. ومع ذلك لم يكن أحد ليتوقع أن يكون الاتحاد الأوروبي على هذا القدر من الحسم في التعامل مع غزو أوكرانيا. وبالتالي ربما يعطي هذا الأمر العذر لبوتين على سوء تقديره، على الرغم من أنه كان يجب أن يدرك أنه بغزوه أوكرانيا سوف يضرب على عصب حساس ينذر بالعودة إلى كابوس ثلاثينيات القرن الماضي عندما كان بإمكان أية دولة كبيرة أن تبتلع جارتها الصغيرة ببساطة لمجرد أنها قادرة على فعل ذلك. الأمر الذي عملت الدبلوماسية الأوروبية جاهدة على مدى عقود إلى وضع حد له في وثيقة هلسنكي لعام 1975. والآن، يبدو أن غزو أوكرانيا قد فتح صندوق باندورا من جديد. [ورد ذكر صندوق باندورا في الأساطير اليونانية على أنه الصندوق الذي فتحته هسيود بدافع الفضول، فخرجت منه الشرور التي أصابت البشرية- المترجم].

تكشفت نقاط ضعف روسيا خلال الأشهر العشرة الأخيرة، وليس تكرار ذكر بوتين لترسانته النووية إلا دليلاً على ذلك، واعترافاً بأنها قد تكون الملاذ الأخير بالنسبة إليه. لقد تراجعت مكانة روسيا في دول الاتحاد السوفييتي السابق؛ مما أدى إلى عكس ما كان بوتين يأمل في تحقيقه من خلال غزوه أوكرانيا. فقد أصبح الاقتصاد الروسي محاصراً، وهنالك حركة نزوح كبيرة للشباب والأدمغة ورجال الأعمال لتجنب مخاطر الحرب وتبعاتها، وعلى الساحة الدولية يكافح الدبلوماسيون الروس لإبقاء السياسة الخارجية الروسية على قيد الحياة.

ولكن لا ينبغي للمرء أن يبالغ في تقدير نقاط الضعف الروسية؛ فهي لا تزال دولة جيدة التنظيم تمتلك موارد داخلية هائلة وشعبها مستعد لتقديم التضحيات من أجل الوطن الأم بطريقة رومانسية تقليدية. وإذا ما نشأ عالم متعدد الأقطاب، فإن روسيا لن تكون القطب الثاني فيه، ولذلك لن يكون عام 2023 شبيهاً بعام 1963.

اقرأ أيضًا: قراءة في مسح IISS الاستراتيجي السنوي للعالم 2022 (2-4)

وهنالك أيضاً فرق آخر، ربما يكون أكثر أهمية. ففي عام 1963 انقسم العالم إلى معسكرَين؛ غربي بقيادة الولايات المتحدة وشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي. وكان هناك بالطبع العديد من الدول التي حاولت إيجاد مكان لها في الوسط، وأنشأت ما عُرف بمجموعة دول عدم الانحياز؛ لكن معظم هذه الدول كانت مرتبطة بشكل أو بآخر بإحدى الكتلتَين. فكوبا مثلاً كانت دولة عضواً في منظمة عدم الانحياز؛ ولكنها كانت حليفة لروسيا بكل ما للكلمة من معنى، وربما كانت السويد دولة أوروبية محايدة؛ ولكنها كانت مرتبطة بالمعسكر الغربي من خلال قيمها الليبرالية.

الأصدقاء والشركاء والحلفاء في مقابل المنافسين والخصوم والأعداء

العالم الجديد متعدد الأقطاب سيكون مختلفاً. ولن تكون الأشياء بين الأبيض والأسود. في علاقات الدول عام 1963 كانت الدول إما صديقة وإما عدوة، بينما في عام 2023 وما بعده ستكون علاقات الدول أكثر تعقيداً. سيكون هنالك حلفاء مرتبطون بتحالفات وترتيبات عسكرية، وسيكون هنالك شركاء يعملون على قيم ومشروعات وجداول أعمال مشتركة، وسيكون هنالك أصدقاء قد لا يكون بينهم الكثير من العوامل المشتركة؛ ولكنهم يحتفظون بعلاقات جيدة وودية تقوم على مجالات محددة من التعاون. وعلى الجانب الآخر يأتي الخصوم بأشكال مختلفة ويتراوحون بين أعداء منخرطين في صراعات مفتوحة، ومتنافسين يعمل بعضهم على احتواء بعض، وسيكون هنالك متنافسون يعملون ضمن الحدود المقبولة.

ربما يبدو هذا المشهد معقداً بما فيه الكفاية؛ ولكنه بعيد كل البعد عن الصورة الكاملة مع دخولنا عام 2023 وانبلاج فجر حقبة جديدة في العلاقات الدولية. ففي عالمنا المعقد أصبح من الممكن لدولة أن تنظر إلى دولة أخرى على أنها منافس وشريك في آن معاً. وفي بعض الأحيان قد يكون الحليف منافساً. وعندما يواجه العالم بأسره تحدياً وجودياً مثل تغير المناخ، يمكن رؤية الأعداء يتعاونون في موضوعات محددة تخدم مصالحهم المشتركة.

وهذا الوضع يخلق ظروف السوق في النظام الدولي؛ حيث ستقوم الدول بالبحث عن أفضل الصفقات، وستحاول الدول جذب غيرها إلى منتجاتها. وقد رأينا الرئيس الصيني شي في المملكة العربية السعودية يحاول استمالة العرب بعد أن فعل الشيء نفسه في آسيا الوسطى، كما استضاف جو بايدن القادة الأفارقة في البيت الأبيض في ديسمبر بعد أن قام بجولة في آسيا ومنطقة المحيط الهادي في مهمة مماثلة.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ- وكالات

لا بد من إعادة تنشيط التعددية

مع دخولنا إلى هذه الحقبة المضطربة التي تتسم بغياب اليقين، هنالك بعض الملاحظات التي لا بد للمرء من الإشارة إليها.

أولاً، ديمومة النظام الدولي القائم على الدولة لفترة طويلة قادمة. في ما مضى تنبأ البعض بزوال الدولة وأن الشركات متعددة الجنسيات والجماعات الإجرامية والإرهابية العابرة للدول، والحركات العامة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام الكبرى، ستصبح أقوى من الدولة في نظام تصبح فيه الدول غير ذات أهمية؛ ولكن ليس هنالك من دلائل قوية على قرب حصول ذلك. وسيظل نظام الدولة هو جوهر النظام الدولي في ظل تمسك الدول بعدم التخلي عن سلطاتها.

والأمر نفسه ينطق على عمليات التكامل؛ فالدول مستعدة للانضمام مع بعضها وتوحيد قواها في مجالات معينة، حتى إن بعضها يعلن الوحدة الكاملة كهدف نهائي لها؛ ولكن هنالك القليل من الدلائل على أن أية دولة مستعدة للذوبان داخل كيان أكبر. ولا يزال لدى الاتحاد الأوروبي -الذي يعتبر أنجح مشروع تكامل إقليمي منذ الحرب العالمية الثانية- قائمة انتظار طويلة للدول التي ترغب في الانضمام إليه. وقد خرجت إحدى دول الاتحاد منه لتذكر الجميع بهشاشة عمليات التكامل هذه. فالدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لن تتخلى عن سيادتها لصالح الاتحاد في أي وقت قريب؛ ولكنها واقعية بما فيه الكفاية لفهم الحاجة إلى المزيد من التكامل في بعض المجالات، بما فيها الدفاع والسياسة الخارجية، وقد أدت الأزمة في أوكرانيا إلى تسريع هذه العملية. ولكن يبقى الأمر الأصعب هو عملية صنع القرار، فكلما أصبح الاتحاد الأوربي أكبر وأكثر تعقيداً، زادت صعوبة إدارة العملية بتوافق آراء جميع الدول الأعضاء، وسوف تطل هذه المشكلة برأسها مرة أخرى خلال عام 2023، وسيبقى احتمال حلها على المدى القريب ضئيلاً للغاية.

اقرأ أيضًا: قراءة في مسح IISS الاستراتيجي السنوي للعالم 2022 (1-4)

وهذا ما يقودنا إلى قضية أكبر، تتعلق بالإطار الدولي الذي تعمل فيه الدول؛ حيث يتطلب هذا الشكل من التعددية القطبية الناشئة نظاماً دولياً قائماً على القواعد ومنظمات قوية متعددة الأطراف. ومرة أخرى، بفضل مغامرة بوتين في أوكرانيا تعرضت الكثير من الأطر الدولية إلى أضرار جسيمة. واليوم تعاني منظمة الأمن والتعاون في أوروبا -الإطار الأوروبي للأمن والتعاون والوصي على اتفاق هلسنكي لعام 1975، وسلسلة المعاهدات والترتيبات؛ بما فيها العديد من معاهدات الحد من التسلح- أزمةً عميقة. وهذه المنظمات تأخذ قراراتها بالإجماع، وهذا يعني في الوقت الحالي أنها لن تكون قادرة على اتخاذ قرار بشأن أي شيء، وتعاني مشكلات حتى في إقرار ميزانياتها. أما الأمم المتحدة فهي في وضع أفضل قليلاً. فاستخدام روسيا المتكرر حقَّ النقض في مواجهة الأغلبية الساحقة في مجلس الأمن في ما يتعلق باتخاذ تدابير لدعم أوكرانيا، قد خلق نوعاً من الأزمة المؤسساتية التي غالباً ما تكون نذيراً بقرب نهاية هذه الأطر الدولية. ولا شك في أن الوقت قد حان للشروع في الإصلاحات التي طال انتظارها في الأمم المتحدة. وعلى العكس من ذلك، نرى أن حلف شمال الأطلسي قد برز كمنظمة استعادت فعاليتها لتلعب دوراً رائداً في الأمن عبر الأطلسي على العكس مما كان يسعى إليه الرئيس بوتين.

دور أكبر للقوى الكبيرة والمتوسطة الناشئة

سمة أخرى من سمات المرحلة القادمة تتمثل في ظهور لاعبين إقليميين كبار ومتوسطي الحجم كلاعبين رئيسيين في النظام الدولي؛ فاليابان وألمانيا -القوتان المهزومتان في الحرب العالمية الثانية- قد تخلتا بفضل سوء تقدير بوتين عن القيود التي فرضتاها ذاتياً على قدراتهما العسكرية، وشرعتا في عملية إعادة التسليح. وهذه العملية عادة ما تستغرق عدة سنوات قبل أن تكتمل؛ ولكن بالنظر إلى كفاءة هذين البلدَين، فإنها لن تستغرق وقتاً طويلاً. كما برزت دول في الشرق الأوسط بقدرتها على اللعب بشكل يفوق وزنها بكثير. فالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة استخدمتا سيولتهما النقدية الكبيرة بنجاح لتبرزا كلاعبَين إقليميَّين ودوليَّين كبيرَين. بينما تفتقر دول أخرى في المنطقة، بما فيها تركيا وإسرائيل وإيران، إلى القوة المالية اللازمة لفعل الشيء نفسه؛ ولكنها في المقابل تمتلك جيوشاً قوية وعمقاً استراتيجياً، يخولها أيضاً لأن تلعب دوراً أكبر في العالم، وسيتضح هذا الأمر خلال عام 2023. وفي منطقة آسيا والمحيط الهادي تعتبر الهند عملاقاً صاعداً، بينما تتجه أستراليا لأن تصبح قوة إقليمية أيضاً.

الصين.. ربما!

تركت الصين حتى النهاية. تنص الفكرة السائدة على أن الصين هي القوة العظمى الناشئة التي سوف تتحدى الهيمنة الأمريكية. ربما يكون هذا صحيحاً في النموذج الكلاسيكي الجديد القائم على القطبية المتعددة لعام 1963؛ فالصين تمتلك القدرة المالية وعدد السكان الكبير، وهي في طريقها لامتلاك القوة العسكرية. ولا شك في أن الصين ستكون قوة لا يستهان بها على المستوى العالمي، وفي أن تأثيرها سيكون واضحاً في جميع أنحاء العالم؛ لكن هنالك خصائص ذاتية هيكلية قد تقيد الصين في الوقت الراهن، مثل الجغرافيا والحوكمة والديموغرافيا والميل إلى سرقة الأفكار الجديدة بدلاً من ابتكارها. والقيادة الصينية تدرك أن الوقت ما زال مبكراً لأن تلقي بثقلها، وهذا هو السبب في أن الرئيس شي كان أكثر حذراً من نظيره الروسي خلال عام 2022، على الرغم من كونه يترأس دولة أقوى. ومن المرجح أن يستمر هذا الحذر لعقد آخر على الأقل تأمل الصين خلاله في أن تصل إلى التكافؤ الذي تطمح إليه مع الولايات المتحدة؛ لكن هنالك الكثير مما يمكن أن يحدث خلال عقد من الزمن. وإدراك الولايات المتحدة أن الوقت المتاح لها لضمان عدم حدوث ذلك بات محدوداً، يعني أن الصين ستواجه صعوبات لم تعهدها في العقود الثلاثة الماضية، لا سيما في الحصول على -وفي الكثير من الأحيان، سرقة- التكنولوجيا الغربية.

شاهد: فيديوغراف: ما الذي تريده الصين؟

2023.. ستستمر النقاط الساخنة في اختبار النظام الدولي

يَعِدُنا عام 2023 بأن يكون حافلاً بالأحداث، وهنالك عدد من النقاط الساخنة التي تهدد بالاشتعال. ففي أوروبا، وبغض النظر عن الصراع في أوكرانيا، ينتهي عام 2022 بأوضاع متوترة في كوسوفو وفي القوقاز وأرمينيا وأذربيجان. وفي الشرق الأوسط، لا تزال إيران قنبلة موقوتة ومغامراتها الخارجية تهدد بتصعيد الأوضاع المتوترة بالفعل في سوريا واليمن ولبنان وفلسطين. ولا يزال الوضع في جبال الهيمالايا متوتراً بين الهند والصين على الرغم من المفاوضات الدبلوماسية المكثفة. وستستمر الصين في الضغط على تايوان مع تجنب الصدام المباشر، وسيبقى الوضع في كوريا الشمالية مريعاً. وفي إفريقيا لا تزال إثيوبيا تقف على حافة حرب أهلية واسعة النطاق، ولا يزال الإسلاميون في منطقة الساحل يستغلون استياء السكان المحليين لإحداث حالة من عدم الاستقرار عبر الصحراء.

اقرأ أيضًا: كوسوفو وصربيا.. صفحة تاريخ أسود تعود إلى الذاكرة

واقع جديد يتطلب أدوات جديدة

لا شك في أننا نواجه واقعاً جديداً؛ فقد عادت الحرب أداة مفضلة لتسوية النزاعات على الرغم من وجود بدائل وإن كانت مخفية نوعاً ما. وأدوات الدبلوماسية وبناء السلام والثقة والحوار بحاجة إلى شحذ، وهنالك الكثير مما ينبغي القيام به لتوفير بديل للحرب والعنف. ولا بد لمَن يسعون إلى لعب دور أكبر في العالم من التفكير في كيفية استخدام هذه الأدوات بشكل أفضل خلال عام 2023.

لقراءة الأصل الإنكليزي: Dennis Sammut – 2023 will see the return of multipolarity with a difference b

♦مدير موقع LINKS Europe، ورئيس تحرير موقع onspace.eu، مقيم في لاهاي بهولندا. يكتب بانتظام حول قضايا الأمن الأوروبي والدولي، وعن سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه دول الجوار، وعن شؤون الخليج.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة