الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

سيد القمني.. مفكر المواجهات الصادمة

كيوبوست – إيهاب الملاح

– 1 –

عن 75 عاما رحل الكاتب والمفكر المصري المثير للجدل الدكتور سيد القمني، تاركًا عددًا وفيرًا من الكتب والدراسات المهمة في حقل التاريخ الإسلامي وتاريخ الأديان المقارن، والأنثروبولوجيا الثقافية، وعلم الاجتماع الديني، ونقد الفكر الديني، وضعته في مواجهات مباشرة وعنيفة، وصراع مرير مع أنصار تيارات الإسلام السياسي (وفي القلب منهم الإخوان والسلفيون) الذين انتقدهم بعنف، وانتقد ممارساتهم التي كانت تسعى إلى تديين كل أشكال الحياة والنشاط الإنساني في مصر طوال النصف الثاني من القرن العشرين، وتزايدت وتيرتها بشكل محموم منذ منتصف السبعينيات.

طوال حياته وعبر ما يقرب من نصف القرن، عُدّ سيد القمني واحدًا من أكثر المفكرين والمثقفين في تاريخ الحياة الثقافية المصرية والعربية إثارة للجدل والاختلاف، فما بين اتهامه بالكفر والإلحاد ورميه بالزندقة والتجديف، وبين اعتباره ضمن مفكري تيار الاستنارة والعقلانية التي تجاهد منذ قرون لمواجهة المد الديني والأصولي وتأسيس دولة العلم والمعرفة والمدنية الحديثة، يتأرجح الموقف من القمني، بحسب محرر طبعته الإلكترونية من أعماله الكاملة.

اقرأ أيضًا: من رفوف المكتبة… «مقدمة إلى فلسفة الرياضيات».. ومبلغ رجولة المنطق!

– 2 –

وُلد الدكتور سيد محمود القمني في مدينةِ الواسطى بمحافظةِ بني سويف سنة 1947، وظل يدرس حتى نال الدكتوراه في فلسفة العلوم الإنسانية من جامعة جنوب كاليفورنيا (وقد شكك خصومه في حصوله على هذه الدرجة وطعنوا في شرعيتها بل طعنوا في حصوله على الدكتوراه من الأساس!). قدّم إسهامه البحثي، بالأساس، في دراسة بواكير التاريخ الإسلامي، موظفًا مناهج البحث التاريخي والاجتماعي والتحليل الاقتصادي، وكان يكتب بلغة جريئة جارحة وصادمة، ويقدم الفروض والطروحات التي تنسف جذريًّا ما يعتبره البعض مسلمات غير قابلة للمراجعة والنقد.

سيد القمني

فضلا على نشاطه التأليفي الكبير ودراساته اللافتة، كان القمني أحد أبرز كتاب المقال السجالي الذي كان يتصدى من خلاله لأفكار تيارات العنف والإرهاب في مصر طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، ونبه مبكرا إلى الخطورة المتنامية من تغلغل هذه التيارات في أوساط شرائح عريضة من الطبقات الدنيا والوسطى، وحذر مرارًا من ترك المجال العام لهم وإهمال التعليم وعدم تنقيح المناهج والبرامج الدراسية، وهو ما أثبتت الأيام صدق دعوته، وصواب استشرافه، وفي كل ذلك تعرض القمني لفائضٍ غير مسبوق من العنف اللفظي، ربما كان الأعنف بين من تعرضوا لذلك من أقرانه من دعاة نقد الفكر الديني، والدرس العلمي للتراث، وظلَّ هذا العنف يلاحقه طوال ما يزيد على الأربعين سنة، ووقف أمام النيابة العامة وأمام المحكمة بتهمة التفكير والنقد! فضلا على تهديد حياته ذاتها بفتوى شهيرة أجبرته على اعتزال الكتابة والحياة العامة لسنوات طويلة قبل رحيله عن دنيانا الأحد 6 فبراير الجاري.

– 3 –

انبنت شهرة سيد القمني، وعرفه قراؤه سواء من المتفقين معه أو المهاجمين له، من سلسلة كتبه الأولى عن «حروب دولة الرسول»، و«الحزب الهاشمي»، و«الأسطورة والتراث»، و«إسرائيليات».. وغيرها من الكتب التي ظهر فيها منحاه الفكري والمعرفي وجرأته في طرح الأسئلة الشائكة ومقاربة المناطق الملغومة في التراث الديني والتاريخ الإسلامي والمراجعة الذاتية على السواء. وهي الكتب التي راجت وانتشرت على عكس فعل المصادرة والمنع والحجب الذي مورس ضدها بضراوة؛ بقراراتٍ رسمية أو بإيعازٍ وتحريض من أنصار التيارات الدينية التي كانت تستغل أي فرصة لشن هجوم كاسح على الرجل وكتبه وأفكاره، وللغرابة فإن كتب الرجل بعد ذلك صارت من الكتب الأكثر رواجا ومبيعا قبل بروز هذا الظاهرة في الحياة الثقافية العربية بما يزيد على العقدين، وقد وصل عدد النسخ المبيعة من كتابه «رب الزمان» إلى ما يزيد على 40,000 نسخة في وقت كان أقصى ما يمكن أن يوزعه كتاب رائج لا يتجاوز الألف نسخة!

اقرأ أيضًا:  من رفوف المكتبة «الفكر الإسلامي المعاصر».. رؤية إيطالية معاصرة

حول نقد التراث الديني والتاريخ الإسلامي وغربلتهما وتنقيتهما مما شاب بهما من روايات ومرويات لا تخضع للتفكير والمنطق ولا تصمد للنقد، دار المشروع الفكري والمعرفي والثقافي لسيد القمني، عن منهجه ورؤيته التأطيرية العامة، يقول الأكاديمي والمفكر التربوي الدكتور كمال مغيث:

“قرأت فى منتصف الثمانينات كراسة بعنوان: «دور الحزب الهاشمي والعقيدة الحنيفية فى تأسيس دولة الإسلام الأولى» ضمن منشورات مجلة تسمى (كتابات مصرية). وأدهشني في الكراسة وضوح المنهج، والقدرة الفذة على تأكيد الفكرة من بين ركام من المرويات والأساطير، كما أدهشتني الكتابة بفروسية غير مسبوقة، على الرغم من أن الكتابة بمنهج عقلاني في التاريخ الإسلامي قد سبق إليها أسماء بقيمة: طه حسين، وأحمد أمين، وزكي نجيب محمود، وخلف الله، وخليل عبد الكريم، ومحمود إسماعيل. ورغم هؤلاء النجوم، فقد كان سيد القمنى فذًّا في تحديد قضيته ومنهجه ولفظه”.

غلاف كتاب «حروب دولة الرسول»

– 4 –

وسنتوقف قليلًا أمام واحدٍ من أشهر كتبه ذات الطابع السجالي؛ وهو كتابه «رب الزمان ودراسات أخرى» الذي صدر للمرة الأولى عام 1996؛ وعنوان الكتاب مأخوذ من عنوان واحدة من الدراسات الشهيرة التي تضمها دفتا هذا العمل، حيث يحتوي الكتاب على أقسام ثلاثة: القسم الأول منها مجموعة دراسات يمكن أن تحمل جميعاً عنوان «إسرائيليات»، لتعاملها مع المنظومة الإسرائيلية وثقافتها وخطابها المعلن. وهذا الموضوع كان في القلب من اهتمامات وانشغالات سيد القمني المعرفية والنقدية وقد خصها بعدد من كتبه المستقلة الشهيرة.

أما القسم الثاني؛ فيضم بعض المعارك الفكرية العنيفة التي خاضها القمني، ارتأى أن يجعلها متاحة للقارئ من باب التوثيق ليس إلا، ويقول القمني في ذلك “انتهيتُ مؤخراً إلى قرار بعدم الدخول في ذلك النوع من المعارك الذي يثيره أصحاب الأدلوجة السلفية، مستفيدين في ذلك مما آذى رفاقاً لنا كبارا، فاكتمال المشروع أو المحاولة المستمرة في الإضافة إليه، هدف يجب ألا يضيع في صراعات قد تقبر الأمر كله”.

اقرأ أيضًا: “كورونا” يغيب رائد مدرسة علم نفس الإبداع شاكر عبدالحميد

ويتابع القمني “وما دمنا بصدد التوثيق، فقد غامرنا بنشر بعض الدراسات الأولى والابتدائية هنا، وهي من محاولاتنا المبكرة التي لا شك تحمل سمات الحالة الأولية، ونماذج لها دراسة (منذ فجر التاريخ والحج فريضة دينية)، ودراسة (رب الزمان)، وغيرهما. ثم قسم ثالث؛ يضم مقالات ودراسات تتضفر مع منهجنا وخطواتنا التي ارتسمناها وتوافقنا عليها منذ البدء”.

– 5 –

في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، وبالتحديد في العام 2009 ثار في مصر جدل واسع بعد أن أعلن فوز سيد القمني بجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية؛ وقد اندلع بركان عنيف من الرفض والاعتراض والاحتجاج من أنصار التيار الديني وبخاصة من الإخوان والسلفيين ضده، إذ لم يلبث أن ذاع الخبر عبر وسائل الإعلام حتى تكالبت السهام الطائشة والمجنونة على الرجل من جحافل تيارات الإسلام السياسي، وفي القلب منها جماعات التكفير والتطرف والإرهاب، ومارسوا ضغوطهم بكل السبل وشتى الوسائل حتى اضطر وزير الثقافة المصري آنذاك فاروق حسني، وتحت هذا الضغط الكاسح الذي مارسته هذه الجماعات إلى إعلان سحب الجائزة من القمني في واحدة من الهزائم المدوية التي طالت الثقافة المصرية الرسمية في مواجهاتها مع تيارات العنف والتطرف والإرهاب والتي لطالما مارست هذا الإرهاب طول الوقت في مواجهة الدولة المصرية، ومواجهة المثقفين المصريين خارج دائرة المنتمين والمنتسبين لتيارات الإسلام السياسي.

غلاف كتاب «الحزب الهاشمي»

ولعل ما يبقى دائما من أي كاتب أو مفكر أنه في النهاية بشر اجتهد ليفهم ويُفهم ويفهِّم، ويصيب ويخطئ، وينير عقولًا ويثير نفوسًا ويحفز هممًا، وقد كان القمني ضمن كتيبة المفكرين الجسورين الذين قاموا بذلك خير قيام. وفي المقابل، فقد أثار بجرأته تلك، حفيظة من يخشون السؤال، ويكرهون التفكير، ويخاصمون مناهج البحث والنقد المعرفي.. ولعل القمني ممن دفعوا دماء جديدة في آفاق البحث التاريخي والنقدي، وفي الأنثروبولوجيا الثقافية والدينية في مجتمعاتنا التي استقرت على صخرة التقليد، واستنامت لظلام الكهوف، فكانت أفكاره ورؤاه ومناهجه وأسئلته صادمة لقناعات ومعتقدات الكثيرين، ومستقرات ورواكد معارفهم التراثية المتداولة. ويَظلُّ القمني -اتفقْنا أم اختلفْنا معَه- مفكرا جريئا يطرح أسئلته وأفكاره وتصوراته دون مواربة أو التفاف.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات