الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

سيدة الجنة.. فيلم يثير الجدل في بريطانيا والعالم

فيلم أنتجه رجل دين شيعي كويتي يتسبب في موجة تظاهرات في بريطانيا.. والمغرب يمنعه من العرض

كيوبوست

كايل أورتون♦

أعلنت سلسلة دور السينما البريطانية Cineworld، في السابع من يونيو الجاري، أنها ستمتنع عن عرض فيلم “سيدة الجنة” (The Lady of Heaven’)؛ بسبب الخشية على سلامة موظفيها، بعد أن أعلن محتجون مسلمون في عدة مدن أن الفيلم “كفر”.

يروي فيلم “سيدة الجنة” قصة فاطمة بنت النبي محمد، وزوجته الأولى خديجة. والفيلم الذي بلغت تكاليف إنتاجه 15 مليون دولار، هو أول عمل لمخرجه إيلي كينغ، ومن تأليف ياسر الحبيب؛ وهو رجل دين شيعي كويتي، والزعيم الروحي لهيئة خدام المهدي؛ وهي مجموعة دينية شيعية مقرها لندن. ولكنها تتبع الخط الشيرازي؛ ولذلك فهي تعارض الحكومة الإيرانية وولاية الفقيه، ويتهمها منتقدوها بالطائفية ومعاداة أهل السُّنة.

ومع أن فاطمة هي الشخصية الرئيسية نظرياً؛ فهي لا تظهر إلا قبل مرور جزء كبير من الفيلم. ولا يظهر وجهها على الشاشة؛ بل تظهر دائماً مغطاة بحجاب. وهذا أمر مفاجئ؛ لأن الفيلم يظهر (نوعاً ما) وجه النبي محمد، وهو أول فيلم يقوم بذلك، على الرغم من أن الممثل غير معتمد، وأن صانعي الفيلم يقولون إنهم حاولوا ألا يتجاوزوا تحريم المسلمين لتمثيل النبي محمد. يقول موقع الفيلم على الإنترنت: “تماشياً مع التقاليد الإسلامية؛ لم يمثل أي شخص شخصية مقدسة أثناء إنتاج هذا الفيلم. وقد تم تمثيل الشخصيات المقدسة من خلال مزيج فريد من الممثلين وتأثير الكاميرات والإضاءة والمؤثرات البصرية”.

اقرأ أيضًا: تطرف الطائفة الشيعية في إيطاليا: تهديد تنبغي مجابهته

ميول شيعية

من الواضح أن الفيلم يحمل ميولاً شيعية، والكثير من التركيز على فاطمة زوجة علي بن أبي طالب، ابن عم النبي محمد. يعتقد الشيعة أن علياً، باعتباره أقرب أقرباء النبي من الذكور، كان ينبغي أن يخلف النبي في قيادة الإمبراطورية الإسلامية الناشئة. وقد تولى عليّ الخلافة في وقت لاحق؛ ولكن ثلاثة من الخلفاء سبقوه إليها. ويرفض الشيعة شرعية هؤلاء الثلاثة، بينما يقبل بها السُّنة. وهذا الخلاف حول خلافة النبي هو أصل الانقسام السُّني الشيعي.

وبذلك، يدور الفيلم حول أصول الإسلام من وجهة نظر شيعية أكثر من كونه استعراضاً لسيرة فاطمة. ويستخدم الفيلم قصة ليث، وهو صبي صغير من الموصل قُتلت والدته على يد تنظيم الدولة الإسلامية، وتبناه جندي عراقي من بغداد، حيث تروي والدة الجندي الحكاية للصبي. يحاول الفيلم المقارنة بين تمسك المذهب الشيعي بالتسامح الديني وغياب هذا التسامح عند تنظيم الدولة الإسلامية، ويقارن بين الطبيعة القمعية لتنظيم داعش وأسلوب حكم الخليفة “السُّني” الأول أبي بكر الصديق.

مشهد من الفيلم

من ناحية جودة الفيلم، أعرب أحد النقاد عن تقديره لتكلفة إنتاج الفيلم المناسبة؛ ولكنه لم يكن معجباً بالتمثيل، وأشار إلى أن بعض المقاطع لم تكن ناضجة، كما انتقد لهجة الممثلين التي تظهر بوضوح أنهم “ينحدرون من ضواحي لندن وليس من المدينة المنورة (المنورة)”.

كان هنالك بعض التأخير في تصوير الفيلم -الذي بدأ في عام 2019- بسبب جائحة كورونا. وقد عُرض للمرة الأولى في مهرجان كان السينمائي في يوليو 2021، وكان من المفترض أن يتم إطلاقه في بريطانيا في الثالث من يونيو.

اقرأ أيضًا: التحدي الإسلاموي في بريطانيا

بدأت الاحتجاجات على الفيلم في بلاكبيرن في الثاني من يونيو؛ عندما نظَّم نحو 25 شخصاً احتجاجاً صامتاً خارج مقر سينما “فيو”. وفي غضون أربعة أيام، أصبحت الاحتجاجات أكثر صخباً، وازداد عدد المشاركين فيها إلى حد كبير؛ وصل إلى المئات، وانتشرت في مختلف أنحاء البلاد إلى مدن مثل برمنغهام وبرادفورد وبولتون وشيفيلد.

هاجم آصف باتيل، رئيس مجلس مساجد بولتون، الفيلمَ بصراحة، ووصفه بـ”الكفر والاستهانة بالمقدسات التي يجلّها المسلمون”. وقال إن الفيلم يحرف الرواية التاريخية الصحيحة، وإنه مدعوم بأيديولوجية طائفية. وكان المجلس الإسلامي في بريطانيا -وهو منظمة مرتبطة بالإخوان المسلمين تدَّعي أنها هيئة متنوعة تمثل مسلمي بريطانيا- أكثر تحفظاً، وقال إن اعتراضه على الفيلم كان لأنه “يثير الكراهية” و”يحرض على الطائفية”، بينما يدعو المجلس دائماً إلى “حوار محترم حول العلاقات بين أتباع الديانات المختلفة”.

حمل بعض المتظاهرين لافتات تعبر عن رغبتهم في منع فيلم ينتهك حساسيتهم الدينية- ” SWNS”

منع الفيلم

وقد حمل بعض المتظاهرين لافتات تعبر عن رغبتهم في منع فيلم ينتهك حساسيتهم الدينية؛ مثل “نبينا هو كرامتنا”. ولكنّ كثيراً من هؤلاء طالبوا بقمع الحريات المدنية كما فعل مجلس مسلمي بريطانيا عبر مفردات عصرية كالتي تستخدمها أقسام الموارد البشرية؛ مثل الضرر والأمان والسلامة وغيرها من الألفاظ المنمقة. وكتب على إحدى اللافتات “سينما سينيوورلد تحض على الكراهية”، وكانت لافتة أخرى حازمة بقولها: “لا للعنصرية”، على الرغم من خلو الفيلم من أي محتوى يمكن وصفه بالعنصرية، وقد تم إنتاجه وتصويره من قِبل أشخاص ملونين.

وبنفس لغة الأمان والسلامة، أعلنت دار سينيوورلد تخليها عن عرض الفيلم، وأصدرت بياناً في السابع من يونيو؛ جاء فيه: “بالنظر إلى الأحداث الأخيرة المتعلقة بعرض فيلم (سيدة الجنة)، فقد قررنا إلغاء عرض الفيلم في جميع أنحاء البلاد؛ لضمان سلامة موظفينا وروادنا”. والفرق واضح تماماً؛ فعلى عكس المحتجين الذين استخدموا هذه التعابير بشكل سخيف لانتهاك حقوق الآخرين، فإن خوف سينيوورلد على سلامة موظفيها حقيقي ومبرر تماماً، وربما يدفع بدور السينما الأخرى؛ مثل سلسلة “فيو”، لأن تحذو حذوها.

اقرأ أيضًا: تاريخ المنظمات الإسلاموية في المملكة المتحدة: بدءًا من سلمان رشدي حتى اليوم

عندما نشر المؤلف سلمان رشدي، في عام 1986، رواية لم تعجب الكثير من المسلمين، أعلن النظام الديني في إيران مكافأة لمَن يقتله؛ مما دفعه للاختباء لعقود، وأدى إلى مقتل عدد من الأشخاص المرتبطين بالكتاب. وقد تكرر هذا الأمر مراراً منذ ذلك الوقت. وربما كان أكثر هذه الحوادث شهرةً هو نشر بعض الرسوم الكاريكاتيرية للنبي محمد في الدنمارك عام 2005؛ الأمر الذي تحول إلى قضية دولية عام 2006 عندما نفذ نشطاء مسلمون هجمات على السفارات وأعمال عنف أخرى في جميع أنحاء العالم. كما اضطر رسام كاريكاتير آخر هو السويدي لارس فيلكس، إلى الاختباء بعد أن رسم النبي عام 2007، وما زال هنالك مَن يسعى لقتله. وفي عام 2011، تعرضت مجلة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة، إلى هجوم بعد أن نشرت رسوماً كاريكاتيرية للنبي محمد، وفي العام التالي كررت نشر الرسوم ذاتها مرة أخرى. وفي عام 2015، قام الجهاديون بذبح أحد موظفي الجريدة في مكتبها في باريس. وفي عام 2020 أيضاً، تم قطع رأس المدرس الفرنسي صمويل باتي، في الشارع، بعد أن أعطى درساً حول قضية “شارلي إيبدو”.

مظاهرات مؤيدة لـ”شارلي إيبدو”- “أ ف ب”

ومثل هذه الحوادث مهمة لتأثيرها في تذكير الجميع في الدول الغربية بأنهم يخاطرون بحياتهم إذا ما أساؤوا إلى ما يعتبره المسلمون مقدساً؛ ولكن هذه الإساءات هي الاستثناء عندما تجرأ البعض على تحدي هذا المأزق، بينما معظم الناس لا يفعلون ذلك. ربما يقول البعض إن هذا أفضل، فما الذي سنخسره إذا اختفى تهكم صحيفة “شارلي إيبدو”؟

بالطبع لا، فتأثير ذلك أكبر بكثير من مثل هذه الأعمال الاستفزازية؛ فوسائل الإعلام والفن والمنح الدراسية وغيرها من المجالات التي قد تخطر على البال تخضع لمثل هذه الضغوط، ومع أن تأثيرها نادراً ما يظهر في العناوين الرئيسية؛ فهو موجود دائماً في الكتب التي لم تكتب والمعارض التي لم تفتتح والمحاضرات التي لم تُلقَ.

قال أحد المحتجين في برادفورد “لقد شعرنا بالإهانة”، وأضاف “لنا الحق في ألا نتعرض إلى الإهانة”. وهو محق تماماً في ذلك؛ لقد عاش الغرب لفترة من الزمن في ظل قانون التجديف الإسلامي، وتظهر الاحتجاجات التي شهدتها بريطانيا هذا الأسبوع أن هذا القانون لا يزال سارياً إلى حد كبير.

♦محلل سياسي مختص في شؤون الشرق الأوسط والحركات الجهادية.

لقراءة الأصل الإنكليزي: Britain, cinemas ban Fatima film

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة