الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

سوق المواطنة: بيع الجنسيات للمجرمين والأثرياء تحت ستار القانون

كيف أصبحت الجنسية سلعة تجارية متسترة وراء قوانين الاستثمار؟

ترجمة كيو بوست – 

“أصبحت تجارة المواطنة مشروعًا استثماريًا مربحًا لبعض الدول، لكنها ازدادت إثارة للجدل مع الوقت دون أدنى شك. هذه الصناعة تشكّل أموالًا سهلة بالنسبة للبلدان الصغيرة، لكنها تجذب المجرمين إليها كذلك”، هذا ما ذكرته أسرة تحرير مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانية، في مقالتها المنشورة في 29 أيلول/سبتمبر.

“اشتريت جزيرة فخمة”، هي الإجابة البسيطة التي قدّمها رئيس الوزراء التايلاندي الهارب، ثاكسين شيناواترا، بشأن كيفية حصوله على مواطنة الجبل الأسود. بعد الإطاحة به في عام 2006، تمكن ثاكسين من شراء 6 جنسيات مختلفة، عمل على تجميعها واحدة تلو الأخرى، حسب مصادر مقربة. السيد ثاكسين ليس إلا واحدًا من بين الكثيرين الذين لم يكتفوا بـ”وطن المولد”، فالواقع يؤكد أن أعداد “مهاجري الاستثمار” تتزايد في كل يوم. يجري بيع وشراء آلاف جوازات السفر في كل عام من قبل الأثرياء والمجرمين، بتسهيل ومساعدة وكلاء متنفذين في دول الوجهة المرغوبة.

اقرأ أيضًا: 300 ألف جواز سفر من جزر القمر اشتراها الإيرانيون للالتفاف على العقوبات الدولية

لقد أصبحت صناعة “المواطنة عن طريق الاستثمار” مزدهرة بين الاستشاريين، والمحامين، والمصرفيين، والمحاسبين، ووكلاء العقارات كذلك. يلجأ الأثرياء والمجرمون إلى هذه الفئات للحصول على استشارات، بغرض التخلص من “القيود” المفروضة عليهم نتيجة لامتلاكهم جنسية واحدة “تافهة”، فيشرعون بطلب الحصول على جنسيات أخرى، باستخدام أموالهم الطائلة. أصبحت “صناعة التجنيس” مريبة للشك، تشوبها فضائح “سلعنة” حقوق وامتيازات المواطنة، التي يراها الكثيرون مقدسة ولا ينبغي المساس بها. هذه الصناعة جعلت الحياة أسهل على المحتالين والإرهابيين والمجرمين، دون التأمل في عواقبها الظاهرة في الأفق. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإنها مسألة حساسة جدًا، تلامس قضية “الكفاءة الوطنية”، التي تمنح المواطن الجديد امتياز السفر إلى 22 بلدًا أوروبيًا، و4 بلدان أخرى، عبر تأشيرة “شنغن”.

المواطنة كلسعة

تتباهى أكثر من 100 دولة بعوامل جذب الباحثين عن الجنسيات، وتقدم برامج تدعى “الإقامة عن طريق الاستثمار”. بعض هذه البلدان تقدم “عروض مواطنة” بأكثر من 10 تصنيفات، تشمل دول الكاريبي، وفانواتو، والأردن، والنمسا، وقبرص، ومالطا. آخر الواصلين إلى هذه السوق هي مولدوفا، التي أبرمت في يوليو/تموز عقدًا مع شركة ضخمة لتصميم مخطط المواطنة الاستثمارية، وكذلك مونتينيغرو، التي أعلنت عن إطلاق برنامجها الرسمي الخاص في أكتوبر/تشرين الأول الحالي.

من أبرز رواد هذه الصناعة مملكة تونغا في جنوب المحيط الهادئ، التي بدأت عام 1983 بتوفير سوق بيع الجوازات مقابل بضعة آلاف من الدولارات، مع بعض الأسئلة الموجزة. ترجع أصول تجارة “المواطنة عن طريق الاستثمار” إلى قانون صدر عام 1984 في جزيرة “كيتس آند نيفيس”، التي منحت الجنسية للأجانب مقابل الاستثمارات. ومن اللافت أن نصف حملة جواز هذه الجزيرة يعيشون خارجها. وفي عام 1986، أدخلت كندا برنامج الإقامة مقابل الاستثمار، قبل أن تلغيه في عام 2014، مع احتفاظ مدينة كيبيك ببرنامجها الخاص. ثم لحقت دول أخرى بركب كندا، منها الولايات المتحدة، التي اشترطت على طالب الجنسية الاستثمار بما لا يقل عن مليون دولار.

لقد ازداد طلب الأثرياء وأصحاب السوابق الإجرامية للجنسيات في دول مثل البرازيل، والهند، وروسيا، وفيتنام. وحسب ريتشارد إيلسورث، من شركة فراغومين الأمريكية للمحاماة، فإن الخارطة الجغرافية لـ”استثمار المواطنة” تتبدل من حين لآخر وفقًا لـ”بيئة التقييد” المتقلبة.

اقرأ أيضًا: كيف وصل الجواز الإماراتي إلى المرتبة التاسعة عالميًا؟

إن الغطاء القانوني لـ”الجنسية مقابل الاستثمار” لم يعد ينطلي على الكثيرين، فقد أصبح بإمكان الأثرياء الحصول على حقوق المواطنة مقابل دفعات مالية نقدية، دون طرح أي مشاريع استثمارية على الإطلاق. لقد أقلقت “هجرة الاستثمار” الكثير من المراقبين، لا سيما عند الحديث عن أرقام ضخمة. ففي عام 2016، جرى منح 863,000 مواطن غير أوروبي جنسية الاتحاد الأوروبي، بينما تجنس الولايات المتحدة 750,000 شخص في كل عام. من وجهة نظر رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، فإن هؤلاء “مواطنون لا مكان لهم”.

 

التسوق لشراء جواز سفر

تقول صحيفة “تايمز أوف لندن” إن “السماح للمحتالين والمجرمين بشراء الجنسيات فضيحة كبرى، جعلت هذه الصناعة غير محببة على الإطلاق”. من بين الأمثلة على هؤلاء المجرمين؛ الممول الماليزي المطلوب للعدالة، جو لو، الذي سرق الملايين من صندوق الاستثمار الحكومي الماليزي، قبل أن يصبح مواطنًا في جزيرة سانت كيتس، وكذلك الملياردير الهندي المطلوب، ميهول تشوكسي، الذي سرق 2 مليار دولار من بنك البنجاب الوطني، قبل أن يصبح مواطنًا فخورًا في دولة أنتيغوا وباربودا.

في عام 2017، لقيت الصحفية المالطية دافني كارونا غاليزيا مصرعها بسبب تحقيقاتها حول الفساد الحكومي، التي كشفت عن فضائح مهندسي برامج بيع المواطنة للأجانب. واليوم، نجد أن الكثير من الأثرياء والمطلوبين يستعرضون في كل عام عروض بيع الجنسية المتاحة في دول العالم، من أجل اختيار أفضل الوجهات.

اقرأ أيضًا: ما معنى حيازتك لجواز سفر قوي؟

 

جهات رسمية تعبر عن مخاوفها

حسب صحيفة “دي فيلت” الألمانية، يشعر الاتحاد الأوروبي بـ”قلق شديد” إزاء هذه الصناعة، الأمر الذي دفع المفوضية الأوروبية إلى الإعلان عن نشر تقرير في وقت لاحق من هذا العام، حول مخاطر صعود مشاريع الجنسية مقابل الاستثمار. وحسب مفوضية العدل، فيرا جوروفا، فإن “الأوروبيين لا يريدون حصان طروادة داخل الاتحاد الأوروبي”.

أما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فتشعر بالقلق من إمكانية استخدام هذه المشاريع الاستثمارية من أجل التحايل على جهود القضاء على التهرب الضريبي وغسيل الأموال. يؤكد خبراء المنظمة أن المتهرب من الضرائب يتفادى قواعد الإبلاغ من خلال الحصول على جنسية بلد آخر، وفتح حساب مصرفي في بلد ثالث، دون الإشارة إلى الموطن الأصل. في وقت سابق من هذا العام، أجرت المنظمة مشاورات عامة حول ما يجب القيام به بشأن مشاريع “الجنسية مقابل الاستثمار”.

من جانبه، خصص المنتدى الاقتصادي العالمي موضوعًا رئيسًا حول كيفية التخلص من طلبات المحتالين، الذين يسعون إلى استغلال برامج منح الجنسية لأغراض مشبوهة.

 

المصدر: مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانية

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات