الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون خليجيةمقالات

سوسيولوجيا الصحوة الإسلامية.. مقاربة ثقافية

عبدالله الزيد♦

مؤخراً أتلمس في وسائل التواصل الاجتماعي ما يمكن اعتباره امتعاضاً من طرح قضايا تتعلق بالصحوة الإسلامية، وهذا الامتعاض يُبرر في الغالب عبر الشكوى من أن كل حديث في هذا الموضوع أصبح مجرد اجترار انتقامي لقضايا من الماضي شبه ميتة، ولا فائدة من طرحها! وأظن أن هذا الطرح يمكن تفهمه بمجرد مراجعة للقالب الاختزالي البسيط والساخر الذي يُقدَّم فيه نقد خطاب الصحوة الإسلامية؛ خصوصاً في الفضاء الإعلامي السعودي!

بطبيعة الحال، هذا لا يعني أن الساحة الفكرية تخلو من مراجعات منهجية مهمة لمجموعة من الباحثين والمفكرين؛ لكن حتى هذه المراجعات ركزت في الغالب على التحليل الوصفي والتاريخي لجانب أو جانبَين من الجوانب البنائية المؤثرة في ظاهرة الصحوة، كتناول تلك الدراسات -مثلاً- تاريخَ الجماعات الإسلامية في السعودية، بمعزل عن علاقات هذه الجماعات ببناء المجتمع ككل، وسبب تكونها في تلك الفترة بالتحديد، وليس قبل ذلك، أو عبر تقديم قراءات تحليلية لتطور المؤسسة السياسية، وتاريخ جماعات الصفوة والإنتلجنسيا، بمعزل عن التفكير في النسق المعرفي “الأبستمولوجي” للمجتمع السعودي؛ حيث تشكلت المرجعية النظرية للفتوى وخصائصها الثقافية ذات الطابع الاستنباطي كمنهج للتفاعل الاجتماعي، وليس المعرفي فقط! والذي يميز المجتمعات الأبوية ومجتمعات الرعي والزراعة وعلاقاتها ذات التضامن الآلي.

اقرأ أيضًا: الإسلام السياسي في السعودية بين السلفية والإخوان

ولذا وجهة النظر في هذه المقالة منطلقة من قناعة بأن الشعوب لا تنتج واقعها اجتماعياً بشكلٍ عبثي؛ بل إن المجتمعات -حتى أكثرها أُمِّية- تُسهم بالضرورة في تكوين الوعي بواقعها الاجتماعي، فالمجتمعات الإنسانية لا تتعامل مع المتغيرات من حولها بسلبية، كما يصور ذلك بعض الباحثين في تاريخ الصحوة، بل تُسهم عبر “قيمها الثقافية” في إنتاج أية ظاهرة؛ سواء دينية أو اقتصادية أو فنية أو اجتماعية، وهذه المقالة محاولة لتجاوز الحتميات البنائية الصلبة التي أحاطت بدراسات الصحوة الإسلامية، والتحليلات والعلاقات الفكرية الميكانيكية السببية البسيطة، التي قدِّمت في كثيرٍ من البحوث والمقالات كمتغير مؤثر على المجتمع السعودي.

عبر قرنٍ ونصف القرن من الزمان، منذ تاريخ نضوج الدراسات الاجتماعية، اشتملت المقاربات السوسيولوجية على أكثر من نموذجٍ نظري لتفسير أثر التغيُّر الثقافي على المجتمعات الإنسانية؛ وهذا ما يفرض علينا في هذه المقالة طرحاً قد يراه البعض انتقائياً ومختزلاً، إلا أنه يأتي تحت ضغط المساحة المنطقية لمقالة صحفية، يمكن أن ننطلق منها نحو تأمل لبناء المجتمع السعودي في منتصف القرن الماضي، عند توحيد المملكة العربية السعودية؛ حيث انشغلت الدولة حينها، ولسنواتٍ طويلة، في بناء نموذج الدولة على المستوى السياسي عبر اتفاقيات وترسيم الحدود، وبناء أجهزة الدولة، وتأسيس بنوك التنمية الصناعية والزراعية والعقارية.

أما على المستوى الاجتماعي والثقافي، وهو ما يعنينا في هذه المقالة، فكانت الدولة تبذل جهداً لإغراء الإنسان بالاستقرار في المدن، عبر صناديق الدعم السخية والسريعة، وكذلك برامج تعليمية بمكافآت مجزية لخريجي الجامعات، في ذلك الوقت في الخمسينيات والستينيات الميلادية كانت الهجر والقرى السعودية تعجّ بالحياة، وكانت الزراعة والرعي والحرف اليدوية مهناً حيَّة وفعَّالة في الفضاء الاجتماعي السعودي، ومثل هذا الواقع الاجتماعي في القرى والهجر يمكن قراءة أثره الثقافي كمكون للعقل الجمعي لأفراد المجتمع عبر تحليل سؤال ينضوي تحت سوسيولوجيا الثقافة؛ وهو: (كيف تتشكل رؤية الفرد للعالم من حوله؟) والذي سنعتبره جزءاً أول ضمن جدلية الوعي الاجتماعي، قبل زمن الصحوة الإسلامية، حينها كان الفرد أقرب للظاهرة الطبيعية منه للظاهرة الحضارية؛ فالزراعة التي تعتمد على مصدر الري الطبيعي من الأمطار “البعول” منتشرة وفعالة، ومهن كالحرف اليدوية، والرعي -التي تشكل فيها الطبيعة متغيراً مهماً- كانت سائدة.

اقرأ أيضًا: 90 عاماً.. السعودية ملحمة التأسيس ورؤية 2030 المستقبلية

وأما على المستوى القرابي، فكان نموذج العائلة الممتدة يسيطر على تكوين العائلة السعودية؛ فالجد يعيش مع الأبناء والأحفاد، يحكمهم معيار العادات والتقاليد بشكل صارم جداً، وقيمة (الإلزام) تضبط سلوك المجتمع، وهنا لا أقصد الإلزام الديني فقط؛ بل الإلزام كثقافة للحياة، حيث تعد الحياة مجموعة من الواجبات والحاجات، وفي مثل هذا التصور الاجتماعي تُسحق فيه الفردانية؛ لأن الفردانية ظهرت في العالم ضمن منظومة الوعي بالحقوق وليس الواجبات. أما على مستوى التفاعل الاجتماعي، في مجتمع القرية والهجرة، فالفعل الاجتماعي، كالزواج والطلاق، محكوم بالتقاليد والعاطفة، وهي خصائص تتناسب بشكل كبير مع طبيعة مجتمع أبوي تضبطه السلطة الهرمية، ويحكمه التضامن الآلي؛ حيث الفرد يضطلع بمهام كثيرة في ذاتِ الوقت، وتشكل فيه الطبيعة مصدر الحياة. بالمناسبة ما زالت أُمِّي تتغنى بالمستوى العالي من الاكتفاء الذاتي في بيت القرية؛ حيث تشاركهم البقرة إحدى غرف الدار، بينما البئر والنخل يأخذان من الفناء مساحتهما غير القابلة للتفاوض.

هذا الشكل الاجتماعي ذو الخصائص الجمعوية عالية الالتزام، وأسلوب العيش المتصل بالطبيعة، وليس العقلنة البيروقراطية الحداثية، كان الدين فيه لا يمثل مجرد نسق اجتماعي تقليدي وحسب؛ وإنما هو تصور كامل للحياة، حيث يستند الفرد إلى مدى مستوى تدينه في رزقه، وتعليمه، وعلاجه، ونجاحه وفشله في الحياة، وببساطة كان التدين في مجتمع الهجر والقرى تمثيلاً وجودياً ومثالياً في حياةٍ بدائية لا مساحة فيها لتشكل أية حياة وهوية أخرى، وهنا عليَّ أن أضع حداً معرفياً إجرائياً مهماً؛ وهو أن الخطاب في هذه المقالة دائماً ليس عن الدين كمفهوم لاهوتي، وإنما عن التدين الذي هو التمثل الاجتماعي للدين، وعليه آمل أن يتضح الفرق بينهما للقارئ الكريم.

التحليل السابق يقع ضمن جزء أوَّلي مهم في تكوين الفعل الجدلي الذي ننتهجه لقراءة ظروف إنتاج مجتمع الصحوة الإسلامية، وربما يتضح ما أقصده حينما نتحدث عن مفهومَين صحويَّين؛ هما (الولاء والبراء/ والحِسبة)، فقد كان لمجتمع القرية ذي الخصائص الجمعوية عالية الإلزام والضبط القرابي الهرمي، وارتباط النسق الديني في تفاعلات المجتمع كافة، وأهمها الرزق.. كان لذلك كله دورٌ في دفع قيم أخرى؛ مثل: 1- الطهرية، 2- الانضباط الأخلاقي، 3- التماثل الاجتماعي، تم دفع هذه القيم إلى أعلى قمة هرم المدونة الرمزية الثقافي لمجتمع ما قبل الصحوة الإسلامية، كانت مثلاً إحدى وظائف مؤذن المسجد الذي يُسمى بالمناسبة (رئيساً) أن يكون (نائباً)! ينوب عن السلطة، ويمثلها في القبض على المخالفين للقيم الشفهية في التماثل الاجتماعي؛ وهو يملك ذات الدور الاجتماعي الذي يسمح له بتشريع الحكم التعزيري، وهو كذلك نفس الشخص الذي ينفذ الحكم التعزيري عبر عدة ضربات ينزلها على الجاني بعصا الخيزران الرطب. وبالمناسبة، استمرت مدونة القيم الشفاهية تضبط سلوك (النوب) أو جهاز الحسبة (الهيئة) إلى وقت قريب جداً؛ حيث صدرت بعض التعديلات على تنظيم عمل هيئة الأمر بالمعروف في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، وهذا المسمى الوظيفي (النائب) كان يحظى بمكانة رفيعة؛ تخول لهذا الشخص المحافظة على أعلى درجات الطهرية الأخلاقية، والانسجام الثقافي، والمحافظة على التماثل الاجتماعي في مجتمع القرى في ذلك الوقت، ولاحقاً انتقل التصور إلى مجتمع المدينة على شكل مؤسسات دولة؛ كجهاز الحسبة، وكذلك القوانين؛ فمثلاً تجد في بعض أجزاء قانون الذوق العام الصادر حديثاً محاولة عقلنة حداثية لهذه الثقافة المحافظة، خصوصاً في مجال التماثل في هوية اللباس في المجال العام.

الملك سلمان بن عبدالعزيز

هنا أيضاً يجب أن نُعرِّف مفهومَين إجرائيَّين آخرَين سنستخدمهما في هذه المقالة؛ وهما (الاستنباط/ الاستدلال)، وأبدأ بالمفهوم الأول (الاستنباط)، والذي أعتبره إحدى أهم خصائص المجتمع الجمعوي الذي أطلقت عليه مجازاً (مجتمع القرية)؛ وذلك لتكوين رؤيتهم للعالم من حولهم، حيث كان أفراد هذا الشكل من المجتمعات يفتقر إلى الأدوات (الوسائل)، ولذا حاول أفراده التكيُّف مع أسلوب حياتهم القاسية عبر خصائص (التكرار، والقولبة، والنسخ)؛ في محاولة لتجاوز القصور الأداتي والحضاري، مثل هذه الثقافة تساعد الأفراد على مواصلة الحياة عبر نموذج استنباطي.

هذا النموذج المعرفي ذو الخصائص السلفية يمتاز بربط الفرد مع الطبيعة من حوله بالإيمان بالقوى الغيبية المفارقة له؛ كالأحلام والمعجزات والسحر والجن، بسبب نقص الوسائل، كما أن هذه الثقافة الاستنباطية السلفية تحكمها علاقة شديدة القوة بالمصدر الروحي، والوسائط التي يمكن لها أن تساعده على القفز على الأدوات نحو تحقيق الغايات، وهذه الثقافة لاحقاً سترتبط في وعي الأفراد ونظرتهم إلى وظيفة الدولة الأبوية؛ ولذا فالفرد في الثقافة الاستنباطية يجعل من الأفكار والمثل المتعالية منطلقاً له نحو تحقيق مجتمع (اليوتوبيا) الفاضل، بينما المفهوم الإجرائي الآخر، وهو (الاستدلال)، فيتحقق عبر الانطلاق من الواقع بحثاً عن مصادر للتأصيل (أيديولوجيا)، وهذه المصادر قد تكون دينية مفارقة تحت ظرف ما في زمان ما؛ ولكنها أيضاً قد تتغير وتصبح بشرية وحسية قانونية لاحقاً.

في النموذج المعرفي الأول (الاستنباط) تكون للنصوص قيمة مغلقة تحكمها العلاقات الهرمية؛ وهي بيئة خصبة للسلطة والضبط العالي، وفيها يميل المجتمع لمصادر الأصول (الحديث، القرآن، التوحيد)، بينما المستوى الآخر الاستدلالي تظهر مفاهيم مرتبطة بفقه الواقع وتأصيلاته. بقي التأكيد أن النموذج الاستنباطي الذي يستند إليه الأفراد في تكوين رؤيتهم للعالم لمجتمع القرية -ما قبل الصحوة- له طابع القياس واستحضار النماذج المغلقة للمنطق؛ حيث تكون المقدمات هي الأصل، بينما نموذج الاستدلال له طابع التفكيك والاستقراء وتكون المقدمات نتيجة.

اقرأ أيضًا: فهد الأسطا لـ”كيوبوست”: المجتمع السعودي يعيش مرحلة تغيُّر جذري.. والانفتاح لصالح صناعة السينما

أما على المستوى الأخلاقي، فالمجتمعات الاستنباطية غالباً ما تظهِر مستوًى عالياً من التقبل الأداتي/ الحضاري ومستوًى أقل بكثير من التقبل الثقافي. وللتوضيح يمكن أن نضرب مثلاً لنموذج من مجتمع الاستنباط؛ هو مؤسسة هيئة كبار العلماء، وبالمناسبة فقد نمَت الثقافة الاستنباطية بنعيم وسهولة في حاضرة نجد ذات الطابع الجمعوي، وفي ذات الوقت، لم تقف ثقافة الاستدلال على أقدامها إلا مع تحول المنظومة المعرفية والعلمية إلى بناء حداثي (الجامعات والمعاهد العلمية)؛ حيث انفتحت على مناهج معرفية وثقافات أخرى دخلت إلى البلاد لظروف سياسية يأتي الحديث عنها لاحقاً، وحتى الآن ما زالت هنالك مسافة يمكن تمييزها بسهولة بين طبقة فقهاء الاستدلال ذوي الخصائص القانونية العقلانية الاستدلالية، مع بقية أفراد المجتمع؛ وما زال حتى اليوم أفراد النموذج الاستدلالي يحكمون مؤسسة القضاء ذات الطابع البيروقراطي، بينما ارتبط مشائخ ثقافة الاستنباط بعلاقات جمعوية بسيطة وشعبية، صبغت حتى مؤسساتهم وعلاقاتهم؛ كدار الإفتاء وعلماء البرامج التليفزيونية الرسمية (الشيخ عبدالعزيز المسند نموذجاً) وظهورهم في الفضاء الاجتماعي العام ارتبط مع تقدم المجتمع وتعقد تركيبته بالطقوس والمناسبات الدينية، خلافاً لظهورهم السابق الكبير في مجتمع القرية الجمعوي التقليدي.

الشيخ عبدالعزيز المسند

ولأن السوسيولوجيا علم تجريبي يؤمن بالوقائع، وليس التنظير المجرد، ربما من المناسب أن نأخذ حادثة اقتحام الحرم لمطابقتها على نموذجنا التفسيري السابق؛ ففي مطلع الثمانينيات الميلادية، قدَّم جهيمان العتيبي ما أعتبره الناتج الثالث لجدل الوعي الاجتماعي الذي نحاول قراءته في هذا المقال؛ حيث كان جهيمان يمثل جزءاً من ثقافة جمعوية استنباطية جعلته ينظر إلى العالم من خلال (يوتوبيا) أو ما يمكن أن نطلق عليه اصطلاحاً “قصة نهاية العالم”، والتي ارتبطت في الوعي الإسلامي بظهور الخير المطلق، ومفهوم الانتصار على الشر، والذي جسده جهيمان عبر ممارسة براكسيس المهدي المنتظر محمد بن عبدالله القحطاني.

 لقد شكَّل مجتمع الهجر والقرى قيمة طهرانية مثالية لدى جهيمان، كانت تمثل الجزء الأول من جدلية الوعي بالحياة، وتشكيل الواقع من حوله، وقد فرض انتسابه إلى أهل الحديث نموذجه المعرفي الاستنباطي الذي يلزمه البحث في النصوص بطريقة “تراجيدية”، عما يحقق نبوءة النص لوعي الواقع من حوله، وتكوين رؤيته للعالم؛ فقد كان الواقع بالنسبة إلى جهيمان وأتباعه -بسبب الثقافة التي ينتمون إليها- عبارة عن مجموعة من النصوص والحقائق المعلقة خارج وحدتَي الزمان والمكان! وحينها لجأ جهيمان وأتباعه إلى مدونة المعاني الوحيدة التي ورثوها من ثقافتهم الجمعوية، والتي لا تقبل التأويل البرغماتي؛ بل تميل إلى إنتاجه عبر ثورية يعيد فيها بناء المجتمع حسب مقتضيات النص!

اقرأ أيضًا: مقالات: جهيمان ومأساة المهدي عبر التاريخ

لقد بحث جهيمان في مدونته -استنباطياً- عما يتوافق مع وعيه الجمعوي مع عالم المُثل الذي كونه ضمن بيئته الطبيعية في مجتمع القرى والهجر من حوله؛ فوجد الفكرة الأنسب هي (نهاية التاريخ) حسب النموذج الإسلامي في الغربة الدينية، فهي أكثر الأفكار التي تساعد المغترب المسلم على تحمل تراجيدية الحياة التعيسة، بينما نجد مثلاً الاغتراب الديني خارج الثقافة الاستنباطية في الفكر الغربي يساعد فيلسوفاً كـ”فيورباخ” أن ينقل الدين من نموذجه الثيولوجي إلى شكله الأنثروبولوجي؛ عبر أنسنة الدين؛ حتى يستطيع التكيف مع رؤيته للعالم من حوله، وهنا بالضبط تكمن قيمة حديثنا عن مسألة أثر الثقافة في خلق الوعي الاجتماعي للظواهر من حولنا، وهذا التحليل نورده حتى لا نسقط في فخ التحليلات البنيوية الجامدة التي تفسر الواقع اللحظي؛ لكنها للأسف لا تعطي أية دلالات تفسيرية للمستقبل!

وهنا أيضاً مكمن الحذر؛ فقد نظن في لحظة من اللحظات الهادئة لدينا انتهاء أحد “تمثلات” أو أشكال الصحوة، ولكن المبدأ الجدلي الذي أنتجها ما زال حياً يتنفس وقابلاً لإعادة التكون.

جهيمان العتيبي

لاحقاً، انتقل مجتمع الهجر والقرى إلى المدن، وهنالك كانت الدولة جزءاً من صيرورة التحول من مجتمع الطبيعة البسيط ذي الخصائص التضامنية الآلية، إلى مستوى آخر فرضته معادلة (الكم) لدولة اكتشفت ثروة هائلة للنفط؛ فبدأت البحث عن ناقصها (الكيف) عبر جدلية الوعي بواقع الدولة، ولذا من الطبيعي أن تبدأ الدولة التحرك حسب قيم الحداثة: عبر تقسيم العمل، وخلق الهوية القومية، والأرض، والحدود، والنشيد الوطني الذي كان محارباً في زمن الصحوة من قبل الوعي الاستنباطي الجمعوي، وحينها كان لا بد أن تنفعل قيم الحداثة في جدل تكويني مع قيم وثقافة القرية، والتي كان يحكمها التدين الطهراني حسب معيار الفعل التقليدي عند ماكس فيبر؛ فكان مثلاً الخيار القرابي في جهاز الدولة أرفع منزلة من الخيار القانوني، وكان المجتمع يقيم أفعاله من خلال ثقافة المجتمع الأبوي وليس قانون المنفعة العقلاني الذي تمتاز به مؤسسة الدولة.

مصافي تكرير النفط في السعودية- أرشيف

مع مرور الزمن كان لظهور المؤسسة الحكومية، وفرض شخصيتها، دور مباشر أو غير مباشر في تفكيك مدونة القيم لمجتمع القرية والهجرة.. شيئا فشيئا، بدأت تختفي المهن الزراعية، والرعوية، والحرفية، وتظهر مكانها البيروقراطية الحكومية؛ فالمزارع البسيط -مثلاً- الذي كان يعيش ضمن عائلة ممتدة مكونة من عشرين فرداً، في مساحة واحدة صغيرة، ضمن أهداف واحدة، أصبح مع تطور الدولة يعمل في وظيفة حكومية على الآلة الكاتبة لثماني ساعات ويتقاضى راتباً شهرياً، وأصبح شكل العائلة يتجزأ إلى شكل العائلة الذرية الصغيرة، وهذا ما ساعد بالتأكيد على ظهور طبقة وسطى لم تكن موجودة في مجتمع القرى ذي الخصائص التماثلية، والأهم أن القيمة المطلقة للنسق الديني في مجتمع القرى انخفضت مقابل صعود لمكانة الجهاز البيروقراطي في الدولة، والسؤال هنا: هل التغير على مستوى البناء الاجتماعي صاحبه تغير على المستوى الثقافي؟ هل ساعدت عقلنة أجهزة الدولة البيروقراطية في تحول الفرد ثقافياً نحو مفهوم المواطن؟ أم أن الفرد استمر يتفاعل اجتماعياً حسب نموذجه الاستنباطي والعلاقات ذات الخصائص التقليدية والعاطفية في مجتمع القرية؟

شاهد: فيديوغراف.. المقاهي السعودية نافذة التغيير في المجتمع

هذا ما سيصحبنا إلى آخر جزء من أجزاء هذه المحاولة التحليلية لتفسير ظهور وإنتاج الصحوة اجتماعياً؛ وهو ما يتعلق بدخول ثقافة القرى الجمعوية بخصائصها التي تحدثنا عنها إلى المجال العمومي في مجتمع المدينة، هذا الفضاء الذي بلغت فيه الدولة حالة من النضج والعقلنة لدرجة خلقت ما سماه “أوجبران” (الهوة الثقافية)؛ حيث ظهور تطور على مستوى الأدوات مقابل تخلف على مستوى الثقافة في توظيف تلك الأدوات! هذا المجال العمومي في مجتمع المدنية ما قبل الصحوة والذي كان الفرد يقدم فيه كهوية وطنية “بطاقة وطنية” لها إلزماتها القانونية؛ لكن هذه الهوية الوطنية كانت تخضع لهوية ثقافية عمرها أكثر من 1300 عام هجري، والمشكلة هي أن كيان الدولة كان في مرحلة تأسيس، وبالتالي كان -بين فترة وأخرى- في أمسّ الحاجة إلى الرجوع خطوات إلى الوراء إلى ثقافة المجتمع الاستنباطية بشكل برغماتي يفرضه واقع المنطقة السياسي، وهذا كان بالتحديد في الفترة المتوترة التي مرت فيها الملكيات العربية بأزمة وجودية أمام نشأة الجمهوريات في الستينيات الميلادية؛ حيث استوردت الدولة حينها سلاحاً ناجحاً هو تقديم الهوية الإسلامية على الهوية الوطنية.

شهدت المملكة طفرة هائلة على كافة المستويات – وكالات

حينها كان هذا الحل ضرورة سياسية للبقاء في فترة انهارت بسببه بعض الملكيات بشكل دراماتيكي لا يسمح بكثير من التأمل والتفكير، وهذا السلاح أيضاً تم توظيفه في فترة الحرب الأفغانية؛ حيث استمرت السرديات التاريخية الأمامية حول الجهاد تحكم المجال العمومي، وأصبحنا حينها نسمع قصص الخرافات الجهادية في برنامج الطابور الصباحي.

اقرأ أيضًا: كيف تغيَّرت النظرة السعودية إلى الحب والمواعدة؟

وفي تلك الفترة بسطت ثقافة القرية سطوتها فحرَّمت الأغاني، والتصوير الفوتوغرافي، وأصبح العقل الطهراني الصارم يرى في صورة امرأة على غلاف مجلة سبباً في حلول الفقر، وتكالب الأعداء، وبرزت ثقافة التماثلية العالية لدرجة أصبحت سلوكيات مثل حلق الذقن، أو إسبال الثوب، من شنائع الذنوب، وسبباً في إيقافك ضمن المخالفين في المدرسة؛ وهي مؤسسة التنشئة المعرفية في جهاز الدولة؛ والتي أصبحت مؤسسة لإعادة إنتاج تلك الثقافة الطهرانية عبر الأنشطة المنهجية وغير المنهجية.

الإشكال السابق لا يتضح إلا حينما يرجع نموذج الدولة بعد ذلك إلى ممارسة حقه الطبيعي في تقديم الحداثة والعقلانية القانونية لمجتمع يحمل فيه الفرد بطاقة هوية؛ لكنه لا يزال فرداً بلا هوية مدنية! وإنما كل ما تربى عليه هو هوية دينية ساعدت ثقافته الجمعوية على المحافظة عليها بشكل لا يقبل النقاش ولا المساومة، وفي هذه اللحظة الحاسمة من النقاش في المجال العمومي تظهر مشكلات مثل استدعاء القوات الأجنبية في حرب الخليج 1990م، ويظهر بعدها مفهوم مثل الولاء والبراء، ليكون على قمة المدونة القيمية لمجتمع الصحوة.

العلم السعودي

وهذا الفرد الاجتماعي -ذو الهوية الدينية- الذي يحمل بشكل عبثي بطاقة هوية وطنية؛ ولكنه يتفاعل اجتماعياً حسب مدونة ثقافية لها إلزاماتها السوسيولوجية الصحوية (رأس المال الثقافي والرمزي) سوف يرفض بشكل طبيعي نشيده الوطني في مدرسة حكومية، والإجازة الوطنية، ويعتبر العملة الوطنية تدنيساً للمسجد الذي بنته الدولة، ويرفض التعايش مع كل ما يرتبط بقيم الدولة الحديثة.

مثل هذه الهوة الثقافية سمحت في فترة من الفترات بأن تؤسس مؤسسات حكومية يبدو عليها الطابع البروقراطي الحداثي؛ لكنها تدار ثقافياً بعقل الاستنباط القروي الجمعوي، مثل جهاز الحسبة؛ فمفهوم “الحسبة” ذو الطابع التقليدي الذي ينتمي إلى مدونة ثقافية ترجع بنا إلى ما يزيد على عشرة قرون، لا يمكنه أن يتسمر في مجال عمومي تحكمه القوانين والحقوق المدنية! ولذا فمن الطبيعي أن يُستبدل به وظيفياً جهاز الشرطة عاجلاً أم آجلاً؛ وهذا بالتحديد ما حصل في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز.

اقرأ أيضًا: القيادة القوية ضرورية الآن أكثر من أي وقت مضى

ولكن السؤال السوسيولوجي الذي يمكن طرحه هنا؛ هو: ما سبب بقاء هذا الجهاز كبناء وهيكل إداري رغم أنه لا يؤدي وظيفته في الوقت الحالي؟

وهذا يمكن تفسيره بسهولة بأنه إثبات اجتماعي على أن السياق الثقافي الاستنباطي لا يزال حياً يُرزق، وأن الهوية الدينية ما زالت تعيش وتتنفس في محيط مجتمع الهوية الوطنية، وهنا قد يُطرح سؤال: أين النموذج الاستدلالي من القصة؟ فهو المخول الوحيد كمؤسسة دينية تنتمي إلى ذات المجال في تحدث مدونته الرمزية والثقافية!

اقرأ أيضًا: إصلاحات السعودية.. رؤية متكاملة نحو التنمية المستدامة

ولكن المشكلة هو أن نموذج الاستدلال المعرفي تعرض إلى سنوات طويلة للأدلجة ضمن سياق سياسي؛ فهو حضر إلينا مع تيارات الإسلام السياسي، في الشام ومصر، وهم أول مَن فتحوا النقاش في مجال تحديث النظرية الإسلامية في الفقه وأصوله، وفقه الواقع والعلوم الإنسانية بشكل عام؛ ضمن محاولة سيطرتهم على المجال العمومي زمن الصحوة، وبالتالي هو -حتى هذه اللحظة- لا يحظى بالثقة في الوسط الاجتماعي، كما أنه يحتاج إلى مزيد من الحوكمة والمأسسة على مستوى الدولة.

وختاماً، اسمحوا لي أن أقول إننا اليوم أمام مسألة مهمة؛ هي إعادة الاعتبار للدراسات الاجتماعية التي تحاول دراسة التحولات والتغيرات الاجتماعية، كما يجب ألا تقتصر معالجاتنا للنسق الديني على شكله المؤسساتي السياسي؛ بل يجب الغوص في النسق الثقافي، والاعتناء بدراسة المجالات الحديثة في هندسة الشخصية والأنثروبولوجيا الثقافية وعلم اجتماع المعنى، لمحاولة فهم السياق الثقافي الذي يتحرك فيه المجتمع، وبناء النموذج المعرفي ومؤسسات التنشئة الاجتماعية حسب ما يقضيه واقع وتطور المجتمع.

لقراءة المقال كاملاً : اضغط هنا

♦باحث سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة