الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

سودانيون يؤكدون: معارضة الإخوان للتطبيع موقف انتهازي!

"كيوبوست" استطلع آراء عدد من المراقبين عن كثب لموقف الرأي العام السوداني المؤيد في غالبيته للتطبيع.. لافتين إلى أن الإخوان المسلمين عبر رفضهم يحاولون لفت الانتباه وإثارة البلبلة

كيويوست- عبد الجليل سليمان

على نحوٍ ما، ظلّ موقف الحكومات السودانية المتعاقبة -منذ استقلال البلاد- تجاه التطبيع مع إسرائيل شديد التناقض. فبينما كانت كل القرائن تؤكد أن ثمة اتصالات وصفقات سرية جرَت في عدة مناسبات، بين معظم الحكومات السودانية وإسرائيل، كان الخطاب العلني المطروح على وسائل الإعلام الرسمية هو أنها “العدو الأبدي” للمسلمين والعرب.

بدأت العلاقة بين السودان وإسرائيل مبكراً، عندما التقى رئيس حزب الأمة الصدِّيق عبدالرحمن المهدي، والد رئيس الوزراء الأسبق ورئيس حزب الأمة الحالي الصادق المهدي، في 17 يونيو 1957، بالعاصمة البريطانية لندن، مسؤولين إسرائيليين، وهو نفس العام الذي التأم فيه ما عُرف لاحقاً باجتماع إسطنبول بين مسؤولين من نفس الحزب ومحافظ بنك إسرائيل، آنذاك، دافيد هوروفيتس.

ليس ذلك فحسب، بل إن مصادر سودانية وإسرائيلية متطابقة أكدت أن اجتماعاً سرياً انعقد في باريس، صيف 1957، بين عبدالله خليل رئيس الوزراء السوداني، عن حزب الأمة، وغولدا مائير وزيرة خارجية إسرائيل، حينها.

اقرأ أيضاً: رسالة إلى الكونغرس: لا تهدروا فرصة مكافحة الإرهاب في السودان

إلا أن المؤكد في هذا الصدد هو لقاء الرئيس الأسبق جعفر النميري، ومدير مخابراته ونائبه عمر الطيب، وزيرَ الدفاع الإسرائيلي، حينها، آرييل شارون، وفريقه المكون من: آل شفايمر ودافيد كيمحي ويعقوب نمرودي ورحافيه فاردي، في شتاء 1979 بالعاصمة الكينية نيروبي؛ بترتيب من رجل الأعمال السعودي عدنان خاشقجي، والذي بموجبه وقِّعت صفقة ترحيل اليهود الإثيوبيين (الفلاشا) عبر السودان إلى إسرائيل من خلال ما سُمِّي بـ(عملية موسى).

إذن، ليس من جديد في ما ذهبت إليه حكومة الثورة الماثلة، بلقاء رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في عنتيبي بأوغندا، في 3 فبراير من العام الجاري، سوى خروج العلاقة بين البلدَين من السر إلى العلن، ومن المخابئ إلى الهواء الطلق.

محمد عبدالباقي

معارضة الإخوان

يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد عبدالباقي، في تعليقٍ لـ”كيوبوست”: “في البدء، هنالك دول أكثر عروبة والتصاقاً بالقضية الفلسطينية من السودان كمصر والأردن؛ طبَّعتا مع إسرائيل في وقت مبكر، فبينما وقَّعت مصر على معاهدة كامب ديفيد في عام 1978، أبرمت الأردن معاهدة السلام مع إسرائيل في 26 أكتوبر 1994؛ لكن مسألة تطبيع السودان تختلف جذرياً عن تلك المعاهدتَين، بسبب أنهما لم تجدا القبول والرضا الشعبيَّين؛ أما في السودان فالأمر يختلف كثيراً؛ فالتطبيع هنا بدأ شعبياً قبل أن يكون رسمياً، مما دفع سلطات الحكومة الانتقالية إلى إسراع الخُطى من أجل اللحاق بالمد الشعبي المتسارع نحو عقد مصالحة تاريخية مع إسرائيل.

أما معارضة الإخوان المسلمين في السودان للتطبيع؛ فهي مجرد محاولة لفت للانتباه وإثارة للبلبلة من خلال مناوئة القرار السيادي المتعلق بالحكومة؛ لكن في الواقع السوداني نجد أن معظم الجماعات الصوفية، وهي تمثل الأغلبية الساحقة من مسلمي السودان، تؤيد التطبيع”.

اقرأ أيضاً: ماذا يريد السودان من تطبيع العلاقات مع إسرائيل؟

ويضيف عبدالباقي: “مَن يرفعون أصواتهم ضد التطبيع هم فلول الإخوان المسلمين من سدنة النظام البائد، وهؤلاء لا يفعلون ذلك من منطلق أخلاقي ومبدئي؛ بل لأنهم فقدوا السلطة، ولم يعُد بمقدورهم ابتزاز المواطنين دينياً كما دأبوا؛ فوجدوا ضالتهم في قضية التطبيع، فأضحوا يتوسلون بها لاستعادة السلطة، كاشفاً عن أن الإخوان الذين يعلو صوتهم ضد التطبيع، كانوا في مقدمة الأحزاب السياسية السودانية التي هرولت نحو إسرائيل؛ لكنهم فشلوا في سعيهم لأسبابٍ متعلقة بتورطهم في الإرهاب الدولي، ودعمهم الجماعات الإرهابية العابرة للقارات.

وبناءً على هذه الحيثيات، فإن ما يُثار من قِبل الجماعة البائدة -حسب تعبير عبدالباقي- ما هو إلا نقعٌ على رؤوس المواطنين من أجل مصادرة وعيهم وقرارهم واستدرار عواطفهم الدينية؛ لكن هذا التكتيك لن ينجح مجدداً مع السودانيين الذين اختبروا الجماعة كما لم يختبرها أي شعب آخر.

لافتة للحملة الشعبية للسلام والتطبيع

لا تراجع عن التطبيع

من جهته، اعتبر الناشط السياسي واعد البدوي، رئيس الحملة الشعبية للسلام والتطبيع، أن التطبيع ماضٍ إلى نهايته، وأن ما يصدر عن الإخوان المسلمين والتيارات القومية من بيانات شجب وإدانة لمَا يقوم به رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو، بموافقة كل أعضاء مجلسي السيادة والوزراء، بمَن فيهم الرئيس عبدالله حمدوك، رغم تحفظه المعلن وطلبه إرجاء الأمر إلى ما بعد الانتخابات، لا تعدو كونها “فرفرات الرمق الأخير”؛ فالإخوان يريدون القفز في طريق التطبيع وإيقاف قطاره؛ فقط من أجل وسم حكومة الثورة بالعمالة والارتزاق، بينما هم أول مَن دعا إليه علناً.

يضيف البدوي: يريدون فقط أن يسلطوا الأضواء عليهم مجدداً؛ فقرار التطبيع سيادي ولا عودة عنه، خصوصاً أنه يجد دعماً شعبياً وثورياً كبيراً، ونحن في الحملة الشعبية للسلام والتطبيع، إحدى قوى الثورة الفاعلة، لا نأبه لتهديداتهم؛ بل لا نعبأ بهم، لقد مضى وقتهم وانصرم عهدهم.

واعد البدوي

وكشف البدوي لـ”كيوبوست” عما سماه تواصلاً بين (حملتهم) ومسؤولين حكوميين إسرائيليين، أسفر عن ترتيبات لاستقبال وفد شعبي سوداني مكون من 40 شخصاً؛ بينهم شيوخ طرق صوفية ومطربون ونجوم مجتمع ورجال أعمال، يرأسه رجل الأعمال والنائب البرلماني السابق أبو القاسم بُرطُم، سيحل ضيفاً على تل أبيب في نوفمبر المقبل، ويلتقي رجال أعمال وشركات في مجال الطاقة الشمسية والتقانة الزراعية.

اقرأ أيضًا: السودانيون يثمنون جهود الإمارات في دعمهم مسارهم السياسي والاقتصادي

وأكد البدوي أن منسق الجانب الإسرائيلي لهذه الزيارة الشعبية الأولى من نوعها، هو أيوب قرا، الوزير المستقيل، عضو حزب الليكود ورئيس مركز السلام الاقتصادي.

وفي السياق نفسه، اعتبرت خديجة صالح، الناشطة في حقوق الإنسان والقيادية في الجملة الشعبية للسلام والتطبيع وجمعية شالوم، أن موقف الإخوان معروف ومتوقع سلفاً؛ فهذا أسلوبهم، يتصيدون الفرص لزعزعة استقرار الشعوب، بيد أن رفضهم أو قبولهم لا يعنينا في الحملة الشعبية للسلام والتطبيع مع إسرائيل، ولا يعني حكومتنا في شيء. فالإخوان لا يدينون بالولاء للوطن، وإنما لتنظيمهم الدولي وأجنداتهم الخاصة التي يسعون من خلالها للوصول إلى الحكم، وبالنسبة إليَّ وكل المواطنين السودانيين، فإن التطبيع بوابة ستفتح على السودان الازدهار السياسي والاقتصادي والتكنولوجي بعد رفع العقوبات عنها وشطبها من قائمة الإرهاب ودمجها في المجتمع الدولي، ومن منطلق مصالحنا الوطنية العليا ندعم ونؤيد التطبيع بل ونسعى إليه، أما جماعة الإخوان فقد صارت تغرد خارج السرب، وكأنها تعيش في كوكب آخر.

خديجة صالح

موقف انتهازي

إلى ذلك، وصفت الصحفية والباحثة السياسية خالدة ود المدني، موقف جماعة الإخوان من التطبيع، بالانتهازي وغير الأخلاقي ولا المبدئي، على عكس موقف البعثيين والناصريين الثابت نوعاً ما، وإن كان غير ذي أثر على الواقع.

وسخرت ود المدني مما سمَّته بالضلال (الكيزاني)؛ أي الإخواني، مؤكدةً أنهم كانوا قبل سقوط نظامهم بأيام معدودات يملؤون الفضاء زعيقاً ونعيقاً بالدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل، ويبذلون في ذلك من الآيات والأحاديث والفتاوى العشرات من الأدلة، وما أن أُطيح بهم حتى ذهبوا إلى النقيض تماماً.

اقرأ أيضاً: اتفاق الفرقاء في السودان.. وعقبات مرحلة ما بعد البشير

وأشارت ود المدني إلى أن مدير مخابرات النظام السابق الفريق صلاح قوش، كان التقى رئيس الموساد يوسي كوهين، بألمانيا في فبراير عام 2019 على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، مضيفةً: قبله، في 2017 كان الإخواني الشهير عضو هيئة علماء المسلمين التابعة لنظام البشير البائد يوسف الكودة، أعلن صراحةً رغبة الحكومة في التطبيع، وسبقهما إلى ذلك في 2012، حسب ود المدني، القيادي بالجماعة وأحد أقدم كوادرها، والي ولاية القضارف شرقي السودان كرم الله عباس الشيخ؛ إذ وعد بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، كاشفاً عن انتمائه إلى مدرسة داخل الحزب الحاكم توافق على التطبيع دون شروط، وهذا ما ذهب إليه وزير التجارة ووالي ولاية النيل الأبيض في عهد الإخوان، الهارب إلى تركيا، عبدالحميد موسى كاشا، حين قال أمام البرلمان: “إن علينا أن نقبل بإسرائيل، طالما نريد استعادة علاقتنا بالولايات المتحدة الأمريكية”.

بالنسبة إلى خالدة ود المدني، فإن التطبيع مع إسرائيل ينهي ملف العقوبات المفروضة على السودان، وبالتالي يصبح السودان الذي يعاني شبح المجاعة؛ فضاءً جاذباً للفرص الاستثمارية من كل أنحاء العالم، خصوصاً أن الثورة أعادت البلاد إلى الاعتدال في إدارة سياساتها الخارجية؛ وفقاً للمصلحة الوطنية العليا للبلد، “وليس بالنظر إلى قضايا لا تمت إلى الداخل السوداني بصلة وثيقة، ويُمكن التعامل معها بمبدأ التضامن الإنساني فقط”، على حد قولها.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات