الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون دولية

سنغافورة.. المدينة الساعية دوماً للنظافة!

وضِعت هذه القيم السنغافورية الجوهرية على المحك خلال جائحة "كوفيد-19" عندما يمكن أن تكون ممارسة النظافة العامة مسألة حياة أو موت

كيوبوست- ترجمات

فارس مصطفى

بمجرد خروجي من الطائرة، أشعر بنسيم مكيفات الهواء القوية المعطرة وبرائحة شاي الأوركيد المتميزة. ربما تكون المطارات عديمة الملامح؛ ولكن الوصول إلى مطار شانغي، سواء اليوم أو قبل جائحة “كوفيد-19″، يمثل تجربة سنغافورية فريدة. ففي طريقك إلى مكاتب مراقبة الجوازات وأثناء سيرك في الهواء المعطر سترى جدراناً خضراء نظيفة تماماً ونوافير مياه منسقة وفرقاً من عمال النظافة (من البشريين والروبوتات) وحمامات عالية التقنية وشاشات تفاعلية.

وإذا كنت تتوقع أن ترى مدينة بمثل هذه النظافة والترتيب فلن يخيب أملك. فسنغافورة، التي وصفتها ذات مرة صحيفة “نيويورك تايمز” بأنها “مدينة نظيفة للغاية لدرجة أن العلكة تعتبر فيها من المواد الخاضعة للمراقبة”، تشتهر عالمياً بشوارعها المعبدة بعناية وحدائقها المشذَّبة وطرقها النظيفة الخالية من النفايات.

اقرأ أيضاً: كيف تتظاهر أنك في سنغافورة هذه الليلة؟

ولكن النظافة هنا هي أكثر من قيمة جمالية؛ ففي هذه المدينة الدولة التي لم يمض على استقلالها أكثر من 65 عاماً كانت النظافة دائماً مرادفاً للتطورات الاجتماعية الكبرى، والنمو الاقتصادي غير المسبوق، والاحتواء المنسق لجائحة كورونا مؤخراً.

بينما يميل السنغافوريون إلى تجنب الإشارة إلى نظافة بلدهم بشكل خاص، فقد بذل قادتهم كل ما في وسعهم لتحقيق صورة عامة مشرقة والحفاظ عليها. قال دونالد لاو، الأكاديمي السنغافوري والباحث في السياسة العامة “إن سمعة سنغافورة كدولة نظيفة هي أمر تسعى الحكومة لتعزيزه دائماً. وقد كان لتلك النظافة على الأقل مدلولان؛ الأول هو النظافة الشخصية والبيئية، والثاني هو حكومة ومجتمع نظيفان لا يتساهلان مع الفساد على الإطلاق”.

“لي” كان يو رئيس الوزراء الأول لسنغافورة وباني نهضتها- أرشيف

من الناحية العملية، فإن تحقيق النظافة يعني بناء نظام صرف صحي جيد، ووضع برامج لمكافحة حمى الضنك والأمراض الأخرى، وعملية تنظيف لنهر سنغافورة شديد التلوث استمرت لعقد من الزمن، وحملة تشجير شملت الجزيرة بأكملها، ونقل بائعي الأغذية المتجولين الذين كانوا ينتشرون في كل مكان إلى مراكز تجمع مغطاة.

كما كان يعني تنفيذ عدد كبير من حملات النظافة على مستوى البلد ومناشدة المواطنين السنغافوريين ليقوموا بدورهم أيضاً. “المحافظة على نظافة المجتمع يتطلب وعي الناس بمسؤولياتهم” كما أعلن لي كوان يو، في خطاب إطلاق حملة “حافظوا على نظافة سنغافورة” عام 1968، والتي أصبحت مبادرة سنوية لمكافحة رمي النفايات. وقد سعى لي كوان يو، من خلال خطابه، إلى إثارة شعور جديد بالكبرياء الوطني بين السنغافوريين ومناشدة الروح المجتمعية الجامعة التي رأى أنها حيوية لتحقيق أهداف الأمة.

اقرأ أيضاً: إعادة تأهيل المتطرفين في سنغافورة.. الماضي والحاضر والمستقبل

الظروف البيئية للمدينة الدولة، تحسنت كذلك جاذبيتها للمستثمرين الأجانب والسياح على السواء؛ مما أفسح المجال لفترة مديدة من النمو الاقتصادي غير المسبوق. في هذه الأيام تتصدر سنغافورة بانتظام استطلاعات الرأي التي تصنف الظروف الاجتماعية؛ مثل الأمان الشخصي ونوعية الحياة بين المدن العالمية، بينما تصنِّف اقتصادها السوقُ الحرة المتطورة كواحدٍ من أكثر الاقتصادات التنافسية في العالم.

لا يوجد مكان أكثر تجسيداً لحيوية الأمة المعاصرة أكثر من منطقة الأعمال المركزية؛ حيث توجد ناطحات السحاب وأبراج المكاتب اللامعة -التي تؤوي الآلاف من المقرات الرئيسية الدولية- إلى جانب فنادق عالمية فاخرة؛ من بينها فندق مارينا باي ساندز الشهير الذي صممه موشيه سافادي، الذي كان نوعاً من اليوتوبيا المستقبلية التي لم يكن ليحلم بها إلا رئيس الوزراء المؤسس.

“آبل” تفتتح متجراً عائماً في منطقة الأعمال المركزية في سنغافورة- أرشيف

لطالما شعر “لي” بالضيق من أنه على الرغم من إنجازات بلاده كان دائماً ما يُسأل عن قانون حظر العلكة سيئ السمعة في مقابلاته مع وسائل الإعلام الأجنبية. من غير المرجح أنه كان يتوقع مستوى الاهتمام العالمي الذي سوف يثيره عندما سن هذا القانون عام 1992 لمواجهة التكاليف المرتفع لإزالة العلكة الممضوغة من الأماكن العامة؛ مثل نظام النقل العام الجديد آنذاك. في الوقت الراهن يسمح باستهلاك العلكة في البلاد -فإذا تصادف أنك قمت عن غير قصد بتهريب نصف علبة من العلكة بين أمتعتك فلن يزج بك في السجن- ولكن بيعها لا يزال ممنوعاً.

ويشرح لاو أن قانون العلكة الشهير شاذ تماماً من حيث أسلوب صنع السياسات في سنغافورة. ويقول: “بدلاً من الحظر التام عادة ما تلجأ الحكومة السنغافورية إلى الغرامات المالية على الأنشطة التي ترتب أعباء اقتصادية على المجتمع”. واستشهد على سبيل المثال بإقرارها الأخير ضريبة الكربون التي صممت للحد من الانبعاثات، وتشجيع بدائل الطاقة النظيفة.

ولكنني أتساءل: هل سنغافورة نظيفة حقاً كما توحي سمعتها؟ غني عن القول إن ناطحات السحاب المتلألئة والفنادق التي تشبه القوارب في تصميمها والشلالات الاصطناعية لا ترسم الصورة الدقيقة للحياة اليومية هنا. ومع ذلك، حتى عندما خرجت من مركز المدينة إلى المناطق التي نادراً ما يتجول فيها السائحون، كانت أبنية السكن الشعبي موحدة التصميم، والحدائق المشذبة، ومناطق تجمع الباعة الجوالين المنظمة بدقة؛ كلها على درجة عالية من النظافة.

شاهد: فيديوغراف.. “كورونا” يوقِع وفيات بسنغافورة وهونج كونج

توجهت إلى منطقة غايلانغ التي تُشتهر بمأكولاتها المحلية المتميزة، وبكونها منطقة الدعارة المرخصة الوحيدة في المدينة. وبالطبع توقعت أن أرى سنغافورة على حقيقتها في هذا المكان. بعد حلول الظلام كانت الشوارع تتوهج بأنوار الفلوريسانت التي تعلن عن دور البغاء وصالات الكاريوكي ومقاهي آخر الليل التي تبيع حساء أرجل الضفادع، الوجبة المحلية الشهيرة. قال لي تساي زينهو، وهو يقف إلى جانبي في زقاق جانبي خافت الإضاءة: “هذا هو الجزء السفلي من سنغافورة، على النقيض من ناطحات السحاب الأنيقة التي نراها في منطقة الأعمال المركزية”.

تشتهر منطقة غايلانغ بحياة الليل وصالات الكاريوكي- أرشيف

زينهو هو من سكان منطقة غايلانغ، وقد نشأ مع العاملين بالجنس وبيوت القمار؛ وهو الآن يدير شركة “غايلانغ أدفينتشرز” التي تنظم جولات سياحية “تهدف إلى تقديم غايلانغ كنظام بيئي اجتماعي، بعيداً عن الجانب السيئ أو الطعام اللذيذ الذي يعرفه معظم السكان المحليين”، كما أخبرني زينهو.

وتستكشف جولات زينهو في غايلانغ بيوت الدعارة والحانات والأوساط الاجتماعية التي غالباً ما تبدو متعارضة مع سمعة سنغافورة المشوهة. على الرغم من تناقضها مع صورة المدينة الصديقة للأسرة، فإن غايلانغ ليست مكاناً خطيراً ولا هي منطقة خارجة عن القانون. وبوجود ما يقارب 500 كاميرا أمنية تمسح المنطقة ينتابك شعور غامر بأن رذائل المنطقة -من الجنس إلى المخدرات- قد تم احتواؤها بعناية و”تنظيفها في كثير من الأحيان”، كما وصفها زينهو.

“هذه هي سنغافورة الحقيقية”، قال مواطن سنغافوري كان في مجموعتنا السياحية، وأضاف: “يجب أن تكون على قائمة كل سائح”. وأنا أتفق معه في ذلك. وعلى الرغم من أن غايلانغ كانت بعيدة عن الطهارة؛ فإنها في نهاية المطاف، وبطريقتها الخاصة الفريدة، كانت تناسب التوصيف العام لسنغافورة كمجتمع نظيف خال من الفساد.

تعتبر المأكولات المحلية أحد عوامل جذب السياح.. أرشيف

وقد وضعت هذه القيم السنغافورية الجوهرية على المحك خلال العام الماضي.

منذ حملات “لي” الحماسية في أواخر الستينيات، أصبح موضوع النظافة مقبولاً كما هو عليه الآن. وفي عالم أعادت الجائحة رسم معالمه تصبح مسألة النظافة العامة مسألة حياة أو موت.

على الصعيد العالمي، حظيت استجابة سنغافورة للجائحة بالثناء على نطاق واسع. وعلى عكس معظم الدول، لم يكن تعامل سنغافورة مع الجائحة ناتجاً عن ردود الأفعال، فالبنية التحية المتطورة للنظافة العامة فيها كانت تعني أن البلاد كانت مستعدة بالفعل من نواح متعددة.

اقرأ أيضاً: الأجانب يغادرون آسيا.. و”كوفيد-19″ ليس السبب الوحيد

قال تاي جي تشونغ، مدير قسم النظافة العامة في وكالة البيئة الوطنية في سنغافورة: “لقد دربنا موظفينا على كيفية التعامل مع تطهير الأمراض المعدية قبل أن تصل الجائحة إلى شواطئنا”. وأضاف تشونغ الذي شارك في تصميم دورة مع معهد بوليتكنيك في سنغافور عام 2017، أن الموظفين كانوا (مجهزين بالمهارات والمعرفة الحديثة في تقنيات التعقيم والتعامل مع المواد المعقمة وإجراءات السلامة والاستخدام الصحيح لمعدات الحماية الشخصية أثناء التعامل مع تفشي مرض معدٍ في سنغافورة، وقد ثبتت أهمية هذا الأمر عندما تم إخطارنا بأول إصابة بــ”كوفيد-19″ العام الماضي.

مدارس سنغافورة تفتح أبوابها مع تخفيف إجراءات الحجر في البلاد- أرشيف

وقد ظهر ذلك في التطبيق الفعال لحلول تقنيات الصحة العامة؛ مثل تطبيقات الهواتف الذكية للمواطنين الحصول على الكمامات، وأجهزة المسح الحراري الذكية لمراقبة درجة حرارة الجسم في المجموعات الكبيرة، والكلاب الروبوتية التي كانت تجوب الحدائق العامة لفرض تدابير التباعد الاجتماعي).

وفي حين كانت الحوكمة الفعالة حاسمة في التعامل مع الفيروس، أجبرت الجائحة قادة البلاد على أن يطالبوا مواطنيهم بالكثير. ففي سنغافورة يعتبر ارتداء الكمامة وتتبع التواصل أمرَين إلزاميَّين، وكانت الاستجابة من الشعب هي الالتزام التام.

وهذا هو بالضبط ما يمكن أن تتوقعه من مجتمع لديه إرث ثقافي من النظافة، ويسود فيه التناسق بين سياسة النظافة العامة والمجتمع.

المصدر: بي بي سي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة