شؤون عربية

سنة على غزو عفرين: هكذا تحكم الجماعات المسلحة المدينة تحت إشراف تركيا

كيف يعيش المدنيون تحت الحكم التركي؟

كيو بوست – 

في مثل هذه الأيام من العام المنصرم 2018، أطلقت تركيا عمليتها العسكرية لاحتلال مدينة عفرين الكردية السورية. قاتل الأكراد بشراسة دفاعًا عن مدينتهم، لكنهم لم يصمدوا في نهاية المطاف أمام القوة التركية المدعومة بعناصر الجماعات المسلحة التي تواليها في المعارضة السورية. وفي مارس/آذار من العام ذاته، سقطت المدينة تحت الاحتلال التركي بشكل كامل.

كانت عناصر قوات وحدات حماية الشعب الكردية -مزيج من المقاتلين الأكراد من النساء والرجال- يديرون حياة مدينتهم بأنفسهم، إلا أن الاحتلال التركي فرض إدارة جديدة بالقوة، ووضع عناصر من الفصائل المسلحة المتطرفة لإحكام السيطرة الأمنية عليها.

اقرأ أيضًا: العفو الدولية تدين انتهاكات تركيا والجماعات الموالية لها في عفرين

ومنذ وقوع المدينة تحت الاحتلال التركي، بدأت تتسرب صور الحكم هناك. الحديث يجري عن قبضة عسكرية وسيادة حكم الجماعات المسلحة بما يشبه سيطرة العصابات، وفرض أتاوات على السكان، وعمليات سلب ونهب.

طرد قسري

بعد أشهر قليلة من سيطرة تركيا والفصائل المسلحة على المدينة، سلطت تقارير الضوء على شكاوى المدنيين من عمليات الطرد والمصادرات، وخشيتهم من مساعي تركيا لاستبدال سكان المدينة.

حسن حسين، الذي كان يعمل ميكانيكيًا قبل بدء القتال، قال إن العناصر المسلحة استولوا على منزل عائلته ومنازل العشرات من الأقارب، وفقًا لما أبلغه معارفه المقيمون في المدينة.

ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش حالات مماثلة في حزيران/يونيو 2018، وجاء في تقريرها: “المعارضون المدعومون من تركيا صادروا ونهبوا ودمروا ممتلكات المدنيين الأكراد، منذ سيطرتهم على المدينة”.

وأفادت التقارير أن من بين 400 ألف شخص كانوا يعيشون في عفرين قبل القتال، غادر 250 ألفًا المدينة.

اقرأ أيضًا: دراسة ألمانية توضح أسباب العملية العسكرية التركية على عفرين

وكانت الفصائل المسلحة قد منيت بهزيمة على يد الجيش السوري في الغوطة الشرقية للعاصمة دمشق، ما دفع بهم لتوقيع اتفاقات على المغادرة. وأشارت التقارير إلى أن آلاف الأشخاص الذين جرى إجلاؤهم من الغوطة، تم جلبهم إلى عفرين، مقابل منع الأكراد جزئيًا من العودة إلى المدينة.

“لقد سلبت بيوتنا ومتاجرنا… لا يوجد سلطة موثوقة للرجوع إليها من أجل إعادة الممتلكات”، قال شاب كردي فر خلال تعرض مدينته للغزو ولم يتمكن من العودة.

 

وضع اليد على الثروات

مع مرور الوقت، اتضحت أكثر معالم الحكم الذي ترزح تحته المدينة المنكوبة، إذ تطلق الدولة التركية يد العناصر المسلحة من الفصائل المتشددة لفعل ما تشاء في المدينة.

يبرز تقرير لقناة بي بي سي ما يجري من سرقة لزيتون المدينة. جاء في التقرير أن سهول منطقة عفرين الخصبة وجبالها تنتج أحد أفضل أنواع زيت الزيتون في سوريا، ويمثل ذلك 70% من دخل أبناء المنطقة ذات الغالبية الكردية.

ويتجاوز عدد أشجار الزيتون في عفرين 18 مليون شجرة، لكنها تحولت إلى مصدر دخل لفصائل المعارضة السورية ولتركيا منذ احتلالها للمنطقة قبل سنة، حسب ما جاء في وسائل إعلام دولية.

استولت هذه الجماعات على جزء كبير من محصول الزيتون بقوة السلاح، وقامت ببيعه إلى التجار الأتراك، بينما منعت القوات التركية والجماعات المسلحة إخراج الزيت من المنطقة، مما أدى إلى تدهور الأسعار إلى درجة أن سعر صفيحة الزيت (16 لترًا) في عفرين بلغ 14 ألف ليرة سورية (حوالي 30 دولارًا)، بينما في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية تتجاوز الضعف.

اقرأ أيضًا: ما بين الاسكندرون وعفرين: مقاربة تاريخية

وتكشف صحيفة بابليكو الإسبانية أن الحكومة التركية تستخدم عددًا من الشركات الوسيطة لتصدير الزيت الذي يجري الاستيلاء عليه من الفلاحين الأكراد في عفرين إلى إسبانيا.

ونقل الموقع عن مصادر محلية قولها إن الزيت المنهوب يجري خلطه بالزيت التركي، قبل أن يصدر بأسماء وهمية. وقدّر الموقع قيمة الزيت المنهوب من عفرين على يد تركيا بنحو 70 مليون يورو، ربع ذلك المبلغ حصة الجماعات المسلحة المتمركزة في عفرين.

وسبق أن اعترف وزير الزراعة التركي في أكتوبر/تشرين الثاني 2018 باستيلاء تركيا على محصول الزيتون في عفرين وبيعه.

“إننا في الحكومة نريد أن نضع أيدينا على موارد عفرين بطريقة أو أخرى، كي لا تقع هذه الموارد في يد حزب العمال الكردستاني”، قال الوزير التركي.

ومن مظاهر تحكم الجماعات المسلحة: إجبار الفلاحين الأكراد على بيع إنتاجهم من الزيت لتجار يعملون تحت إشراف الجماعات المسلحة المنتشرة في عفرين، بنصف السعر السائد خارج عفرين. ويقوم التجار بنقل الزيت إلى تركيا مباشرة، ويتم إدخال قسم من هذا الزيت إلى المناطق الأخرى في سوريا عبر معابر حدودية مع تركيا تسيطر عليها المعارضة.

وأدت عمليات تهريب زيت الزيتون المستولى عليه إلى تركيا إلى تراجع الأسعار في السوق التركية. وقالت الصحفية التركية نورجان بايسال إنها تفاجأت برخص سعر الزيتون في مدينة ديار بكر شرقي تركيا، ولدى الاستفسار من أحد الباعة عن سبب تراجع السعر من 15 ليرة تركية إلى 5، أوضح البائع أن هذا الزيتون مصدره منطقة عفرين، وأن هناك تجار جملة أتراكًا يبيعونه للمتاجر بأسعار زهيدة، حسب تقرير بي بي سي.

اقرأ أيضًا: مذكرة كردية إلى الهيئات الأممية حول عفرين، فهل يستجيب المجتمع الدولي؟

ومن الشهادات المنقولة من هناك، قيام كل جماعة مسلحة في عفرين بفرض ما تشاء من أتاوات على المزارعين، وفي أحيان كثيرة تقوم بسرقة المحصول من الفلاحين بقوة السلاح حتى بعد أخذ الأتاوة.

“قام كل فصيل بوضع يده على المنطقة التي سيطر عليها، ثم جرى إحصاء الممتلكات والأشجار التي تعود ملكيتها للمنتمين إلى حزب الاتحاد الديمقراطي، عن طريق المكاتب الاقتصادية للفصائل وعن طريق مخاتير القرى الذين حددوا الملكيات. ومع حلول موسم الزيتون، قامت الفصائل باستئجار عمال لقطاف محصول هذه الأراضي، وعصره في المعاصر التي باتت تابعة لها بدورها بوضع اليد، ثم بيعها في السوق لصالح الفصيل”، بحسب تقارير صحفية.

ومن الحوادث التي حصلت، قيام فصيل “جيش الإسلام” -الذي جاء من الغوطة الشرقية- بشراء 100 ألف عبوة من زيت زيتون سعة 16 لترًا (1600 طن تقريبًا) في بلدة المعبطلي في عفرين لوحدها، بنصف سعر السوق المحلية تقريبًا، حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

 

سلب ونهب

وتوثق تقارير شبه يومية من داخل المدينة ما يحدث على الأرض من قبل الجماعات المسلحة: “هناك عمليات مخططة وممنهجة للنهب والسرقة في عفرين تهدف إلى سلب مزارعي المنطقة محاصيلهم الزراعية بالكامل”.

ومن بين الوقائع التي حصلت، فرض المسلحين في قرية “بريمجة” ضريبةً بالقوة على كل منزل مقدارها “تنكة زيت زيتون”.

كما أقدم قائد فصيل “الجبهة الشامية”، المدعو “أبو أصلان”، على نهب منازل جميع النازحين في قرية “ميركان”، وقد وُزعَ قسمٌ من تلك المسروقات على العوائل التي تم توطينها هناك.

أما في قرية “كفر شيلة”، فأقدمت مجموعة من المسلحين على اعتقال عدد من العجائز والمُسنين لأنهم لم يتمكنوا من تأمين “الأتاوة” التي فرضها أولئك المسلحون، ومقدارها 800 “تنكة زيت زيتون”، وفقًا للتقارير.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة