الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

سلمان رشدي وقوة الكلمة

كيوبوست- ترجمات

آدم غوبنيك♦

كان الاعتداء الإرهابي الذي طال سلمان رشدي في غرب نيويورك مروعاً من ثلاث نواحٍ، أولاً في قسوته ووحشيته، على رجل أعزل في عامه الخامس والسبعين على وشك إلقاء محاضرة، بعددٍ من الطعنات في الرقبة والبطن والوجه. في الواقع نحن نقبل تجريد كلمات مثل “المعتدى عليه” بشكلٍ عرضي للغاية.

إن الشعور بمشاعر الضحية -الصدمة أولاً، ثم الألم الذي لا يمكن تخيله، ثم الشعور بالذعر، بينما تتسرب الحياة بعيداً- والانخراط أكثر في التعاطف مع الكاتب لهو أمرٌ يدعو للارتباك.

ثانياً، كان الأمر مروعاً في جنونِ معناه، وتذكيراً بقوة التطرف الديني في تحريك الناس. لم تُفصح السلطات على الفور عن الدافع وراء الهجوم، ولكن الجانب المظلم هو أن الإرهابي الذي اعتدى على رشدي كان إسلامياً متشدداً ومتطرفاً -مثل الإرهابي في رواية جون أبدايك، «الإرهابي» الذي يبدو أنه نشأ في نيوجيرسي- ينفذ فتوى أصدرها آية الله الخميني عام 1989.

غلاف رواية جون أبدايك، “الإرهابي”

لم تكن العبثية الشريرة لفتوى القتل بحق رشدي؛ لوضعه كتاباً استكشافياً أكثر من كونه تدنيساً -لم يكن بأي حالٍ من الأحوال معادياً للمسلمين، بل نوعٌ من التأمل الواقعي السحري في مواضيع من القرآن- واضحة تماماً (بالطبع لا ينبغي أن يتعرض رشدي للاضطهاد لو أنه كتب خطاباً معادياً للإسلام أو للمسيحية، ولكن لم يكن الأمر كذلك).

على مدى العقد التالي كان رشدي تحت الحماية، ولكن بمرور الوقت وبشجاعة مثيرة للإعجاب تخلى رشدي عن الحماية، وعاد ليعيش حياته الطبيعية؛ بوصفه كاتباً له حقوقه وهواياته، إلى أن جاء الهجوم؛ ليكون تذكيراً بأنه عندما يشجع نظام مستبد العنفَ، فإن العنف سيحدث، حتى لو كان الوقت بين إشعال الفتيل والانفجار أطول مما كنا نتخيل.

اقرأ أيضاً: سلمان رشدي ولعنة الخميني!

أخيراً، كان الأمر مروعاً؛ لأنه بدا أن الفتوى قد تلاشت من حيث الأهمية والتهديد. ومع أن المدافعين عن الحكومة الإيرانية يصرون على أن السلطات قد أهملت الفتوى وتجاهلتها، لم يكن لدى أحد ممن هم في السلطة الجرأة على رفضها، ناهيك عن إدانتها. بل إن المرشد الأعلى الحالي آية الله خامنئي قد كرر الفتوى عام 2019، ويبدو أن الاعتداء على رشدي قد لاقى الكثير من التهليل والشماتة من رجال الدين في إيران.

بعض الحضور يحاولون إسعاف سلمان رشدي بعد تلقيه عدة طعنات- وكالات

غرد سيد محمد مرندي، إحدى الشخصيات المشاركة في المفاوضات النووية على تويتر، قائلاً: “لن أذرف الدموع على كاتبٍ ينشر كراهية لا نهاية لها للإسلام والمسلمين”. بالطبع رشدي لم يفعل ذلك، وما يجعل القصة مأساوية للغاية هو أن سلمان رشدي كان من أكثر الرجال لطفاً، وأقلهم إثارة للجدل، ومن أكثرهم عقلانية ومنطقية.

لم يكن رشدي منحازاً بأي شكلٍ من الأشكال للغرب، ولا يمكن لأحد أن يكون أكثر ازدراءً للإمبريالية أو أكثر انفتاحاً على التداخل بين قضايا ما بعد الاستعمار والغرب، أو أكثر انخراطاً في الكتابة عن مرحلة ما بعد الاستعمار وتعاطفاً مع المهمشين، مما كان عليه رشدي.

محمد مرندي: لن أذرف الدموع على كاتبٍ دأب على إثارة الكراهية للإسلام والمسلمين- وكالات

لا شك أن جهوداً تبذل، أو ستُبذل، للمساواة بين رشدي وجلاديه، للإشارة إلى أنه على الرغم من أن الإساءة للإسلام مبالغ فيها أو أسيء فهمها، فلا يزال يتعين على المرء أن يرى الإساءة من خلال عيون من تلقوها.

وهذه وجهة نظر حقيرة ودنيئة. ليس فقط لأنه ليس هنالك إساءة فعلية، ولكن لأن الحق في إعطاء رأي ناقد لديانات الآخرين أو حتى إنكار وجودها، هو حق أساسي، وبدون هذا الحق ستتحول الحياة الفكرية إلى مجرد القسوة والبحث عن السيطرة.

اقرأ أيضًا: ردود أفعال الإيرانيين على الهجوم على سلمان رشدي تتراوح بين الإشادة والقلق

الأمر الأكثر بديهية في الأدب، هو أن الكلمات ليست أفعالاً. الأدب موجود في عالم الفرضية والافتراضية، وغير المحتمل، والخيالي. ونحن نستمتع بالكتب؛ لخوضها فيما هو غير قابل للتصديق، الأمر الذي يفتح آفاقاً جديدة لبعضنا. ويجب أن يكون التزامنا بهذا الاعتقاد أقرب ما يكون إلى المطلق قدر الإمكان؛ لأن كل القيم التي نقدرها عالياً في الحياة تعتمد عليه.

يمكن للعِصي والحجارة أن تكسِّر العظام حقاً، لكن الكلمات لن تؤذيك أبداً. فقط عليك أن تتحدى عقلك وجماعتك. كل شخص له الحق أن يشعر بالإهانة مما يهين الجماعة التي ينتمي إليها، ولكل شخص على وجه الأرض الحق في التعبير عن عقله. لا أحد لديه الحق في إيذاء أو قتل أي شخص؛ لأن كلماته تهين جماعته. والاتهام بالكفر ليس بالأمر الذي يستحق الاحترام، بل هو اختراع مثير للشفقة لمن لا يستطيعون تحمل انتقاد قناعاتهم المألوفة. وهو أمر يتطلب التضامن من جميع الأشخاص المحترمين للوقوف في وجهه. إن إهانة أيديولوجية ما ليست مثل التهديد الموجه إلى شعب، وهي عكس التهديد الموجه إلى شخص. إن النظر إلى نقد الأفكار على أنه اعتداء على الناس هو نهاية الحضارة الليبرالية.

أحد رجال الشرطة أمام المبنى الذي تعرض فيه سلمان رشدي إلى محاولة القتل في نيويورك- “نيويورك تايمز”

أدلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتصريح جريء ودقيق عشية الهجوم على رشدي، فقال: “على مدى 33 عاماً، جسد سلمان رشدي الحرية ومحاربة الظلامية. لقد كان للتو ضحية هجوم جبان من قبل قوى الكراهية والهمجية. إن معركته هي معركتنا. إنه عالميٌّ”.

وعلى الرغم من أن “الظلامية” قد تكون كلمة غامضة بالنسبة للأمريكيين، فهي وصفٌ صحيح. والخط الفاصل بين النضال من أجل الحرية والاستسلام للكراهية هو خط مطلق. والاعتداء على رشدي يوضح معالمه فقط.

♦مؤلف وكاتب في صحيفة “ذا نيويوركر”.

المصدر: ذا نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة