الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

سلمان العودة والفكر اليباب

كل ما يلزمك معرفته عن سلمان العودة، من التعليم مرورًا بالتيار السروري

كيو بوست – كتب خالد العضاض

سلسلة حلقات من أجزاء عدة تعرض وتناقش سيرة وتجربة سلمان العودة 

في بلدة صغيرة جدًا تسمى (المنسي) شرق مركز (البُصُر) أحد الأرياف الغربية لمدينة (بريدة) حاضرة القصيم، وُلِد سلمان بن فهد بن عبد الله العودة، في العام 1956، فأرادت والدته[1] -رحمها الله- أن تسميه سليمانَ، تيمنًا باسم والدها، لكن الأب القادم حديثًا -آنذاك- من زيارة قصيرة لمدينة الرياض، كانت له رغبة أخرى هي تسمية المولود الجديد بسلمان على اسم الصحابي سلمان الفارسي -رضي الله عنه-، وهناك خبر أن الوالد أراد تسميته سلمانَ على اسم أمير الرياض الجديد حينها الأمير سلمان بن عبد العزيز، الذي تم تعيينه قبيل أشهر قليلة من ولادة سلمان العودة. المهم أن التسمية استقرت على سلمان، غير أن موظف الجنسية والنفوس -كما كانت تسمى آنذاك- أثبت الاسم بالخطأ (سليمان) بدلًا عن سلمان لعدم انتشار اسم سلمان في بريدة، وظلت هذه التسمية -أي سليمان- متوارية وغير معروفة حتى في شهادته الأولى شهادة المرحلة الابتدائية، التي كانت باسم سلمان، وهذا خلافًا للخطأ الشائع الذي يصر عليه البعض من أن شيخه محمد سرور بن نايف زين العابدين هو من حول اسمه من سليمان إلى سلمان.

درس سلمان الصف الأول وجزءًا من الصف الثاني الابتدائي في بلدته المنسي، ثم انتقل لإكمال المرحلة الابتدائية في بريدة في مدرسة (الحويزة)، التي سميت لاحقًا باسم مدرسة الأندلس الابتدائية، وذلك بعد الانتقال للسكنى في بريدة، في حي الهلال تحديدًا، الذي سمي بذلك لوجود مركزٍ للهلال الأحمر السعودي في الحي.

أنهى سلمان العودة المرحلة الابتدائية في العام 1968، ليلتحق في العام الذي يليه بمعهد بريدة العلمي، وتبدأ أولى خطواته الحركية الفعلية على يد أحد الطلاب في المرحلة الثانوية حينها، وقد سبقه إلى التنظيم أخواه الأكبر سنًا عبد الله ومحمد، الذين كانا يخضعان لتربية منتظمة تحت إشراف الأستاذ السوري محمد سرور بن نايف زين العابدين مدرس الحساب في المعهد العلمي في بريدة حينها. لم يستمر الأخوان الأكبر سنًا من سلمان طويلًا مع التنظيم بسبب جنوح التنظيم للنَّفَسِ التكفيري من بواكيره، جريًا على عادة الإخوان المسلمين -العمق المعرفي والنبراس التنظيمي للسرورية- في تعاملهم مع الحكام والشعوب الذين لا يخضعون لدعوتهم.

اقرأ أيضًا: سلمان العودة: من “ملتقى النهضة” إلى السجن

 

العودة والتيار السروري

بدأت علاقة سلمان العودة وتعرفه على محمد سرور قبيل أن يلتقيا في صفوف المعهد العلمي في بريدة، بسبب علاقة الأخوين الأكبر سنًا منه بالتنظيم، ثم توطدت العلاقة ونمت بينهما حينما درَّس محمد سرور مادة الحساب لسلمان العودة وزملائه في المرحلة المتوسطة. وحدثني أحد الذين درَّسهم محمد سرور أن جلَّ الدَّرس يذهب في مواعظ وخطب حماسيَّة -حول الأمة والدعوة- بعيدة كل البعد عن مادة الدرس التي كانت تأخذ جزءًا ضئيلًا من الوقت في نهاية الحصة، ويُذكر أن المناشط اللاصفية حينها كانت في أوج توهجها وتوقدها.

المناكفون للمناشط الحركية الإسلامية -آنذاك- كانوا يطلقون على رفاق سلمان -الذي لم يظهر بعد- لقب (الحميدية)، أما هم فكانوا يطلقون على أنفسهم لقب (الواعين/الواعي -من الوعي-) ليفرقوا أنفسهم عن المتدينين تدينًا بسيطًا عاديًا سطحيًا كما يعبرون حينها، لأن المتدينين البسطاء لا يهتمون لأمر الأمة والمسلمين في مختلف بقاع الأرض، ولا يدركون تآمر الحكام والأعداء على الدعوة وعلى الدين وأهله.

كان دخول سلمان العودة فعليًا إلى محاضن الدعوة الإخوانية -حينها لم تعرف السرورية بعد- والتربية الحركية -كما أرجح- في العام 1969 على يد أحد الشباب الحركيين (ح.س) في وقتها، وهو شاب قادم من معهد البكيرية، حيث درَّسه محمد سرور في أول سنة له في القصيم، وثاني سنة يقضيها في ربوع المملكة، إذ كانت سنته الأولى في مدينة حائل.

محمد سرور بن زين العابدين السرور مؤسس التيار السروري بجماعة الإخوان المسلمين

 أسس هذا الشاب (ح.س) مكتبة النهضة في بريدة في شارع الخُبَيب الشهير تحديدًا، وهي أول مكتبة تعنى بالكتب الإسلامية في بريدة تقريبًا، وعمل فيها الفتى اليافع سلمان العودة، وكان يجلب لها مجايله من الشباب الصغار، هو ورفيق دربه (ص.ش).

 

التدرج الحركي للعودة

بدأ سلمان العودة، بالتدرج الحركي، وأخذ زمام المبادرة في العمل والحركة، وكان (ع.ب) العرَّاب الأول والمربي لسلمان العودة ورفاقه في تلك المرحلة وما بعدها بقليل، إذ كان مدرسًا لهم وكانوا ملازمين له، بعد اليوم الدراسي.

وعندما انتقل العودة إلى المرحلة الثانوية كان قائدًا شبابيًا مميزًا، وكانت (جمعية التوعية الإسلامية) في المعهد العلمي هي الرباط الوثيق بين الطلاب وبين الحركيين، طلابًا أم مدرسين (الواعين/الحميدية)، وكانت لها -أي جمعية التوعية الإسلامية- نشاطات متنوعة ومركزة جدًا، ولم يكن هناك -حينها- منهجًا تربويًا وتثقيفيًا غير مناهج وطرائق الإخوان المسلمين.

كانت المجاميع الشبابية تلتقي تلك السنين بين بريدة وعنيزة والرس والمذنب، وكانت أسماء محمد سرور، ومحمد العبدة، والشيخ عبد الله الجلالي، والشيخ عبد الكريم الجار الله، هي الحبل الناظم لتلك التجمعات، ليتوسع الأمر ويشمل كلًا من البكيرية ورياض الخبراء والبدائع وعيون الجواء والشماسية والأسياح.

وفي مرحلته الجامعية التي بدأت عام 1975 في الرياض منتسبًا في كلية اللغة العربية للسنة الأولى، وجزءًا يسيرًا من السنة الثانية قبل انتقاله لكلية الشريعة منتظمًا، التي افتتحت في العام ذاته -1976-، واستطاع النجاح بالانتقال إليها في المستوى ذاته دون الحاجة إلى البداية من جديد، وكان فيها أولى اللقاءات مع الدكتور عبد الكريم بكار مدرس النحو والثقافة الإسلامية الذي قَدِم لتوه إلى القصيم، إذ أشرف على بحثٍ للعودة حول صلاة الجماعة، ودرَّسه في تلك الفترة العرَّاب الأول لجماعة الإخوان (المصريين ثم السعوديين) في السعودية الدكتور مناَّع القطَّان.

استمر العودة في بيع الكتب في مكتبة النهضة التي كانت تستقطب الشباب، وتمكن من تعميق تجربته في العمل الحركي وتجميع الشباب وتربيتهم، والمتتبع لسيرته التي رواها في كتابه (طفولة قلب) يدرك -بشيء من التركيز- مدى أهمية سلمان العودة الحركية في تلك الفترة، وبقراءة بسيطة لما قاله عن احتكاكه بالمجاميع الشبابية في مختلف مدن القصيم وخارج منطقة القصيم، تتجلى الرمزية القيادية للعودة التي فاقت بقية أقرانه وكثيرًا ممن سبقوه للقيادة الحركية في مجاميع الشباب ذلك الحين، التي ستعرف بالسرورية بعد سنوات.

ويعترف العودة في كتابه (طفولة قلب) بمدى تأثره بما كتبه حسن البنا وسيد قطب والمودودي، وغيرهم من كتَّاب الإخوان وكتبهم وأدبياتهم، كما أن احتكاكه المبكر بمحمد سرور ومحمد العبدة وعبد الكريم بكار والشيخ عبد الرحمن الدوسري وغيرهم جعله متشربًا لهذه الثقافة ودائرًا في فلكها.

 

تخرجه وعمله في التدريس

جاء العام 1978 عام تخرجه في كلية الشريعة في القصيم التابعة لجامعة الإمام، واختير معيدًا فيها، ولسبب ما عدل عن الإعادة وفضل التدريس في المعهد العلمي لمدة أربعة أعوام، ربما ليبقى قريبًا من الشباب في مرحلة عمرية معينة، وربما لما قيل عن أن العدول عن الإعادة في ذلك الوقت جاء اعتراضًا وغضبًا على تعيين أحد زملائه معيدًا، وهو يرى عدم استحقاقه لذلك. ولا تستغرب من ذلك؛ فقد كان سلمان العودة ورفيقه (ص.ش) شبه متحكمين في الكلية إبَّان عمادة أحد فضلاء الفقهاء المختصين بأصول الفقه (الشيخ. ص.م)، إذ كانت مهمة اختيار المعيدين موكلة للشيخ (ص.خ) وكيل الكلية حينها، الذي كان قريبًا منه سلمان العودة وصاحبه (ص.ش) وكان قد درَّس لهما في المعهد العلمي في بريدة قبل انتقاله إلى الجامعة، وكانوا تحت يده ونظره وعنايته في المراكز الصيفية، وربما يكون هو أول من مكَّن سلمان العودة من الإلقاء العام حينما نوَّبه عنه لإلقاء محاضرة حينما كان العودة في الصف الأول الثانوي، ولهذه المكانة والصلة وصل تَنَفُذُ العودة وصاحبه إلى درجة استشارتهم فيمن يكون معيدًا أو لا يكون، على الأقل من دفعتهم.

استقبل العودة عاميه الأولين العمليين في المعهد العلمي في بريدة، في جو ديني فيه شيء من الشحن، إذ إن القرن الهجري الجديد على الأبواب، وكان هناك نشاط محموم لجماعة تأسست في المدينة المنورة، وعلى عين الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله- عام 1966 تقريبًا، واختار ابن باز لها اسم: “الجماعة السلفية المحتسبة”، أما هم فقد كانوا يفضلون مسمى: “جماعة أهل الحديث”، والناس والإعلام لاحقًا أطلقوا عليها: “جماعة جهيمان”، وجهيمان العتيبي سليل أسرة من إخوان من طاع الله، أو كما تسميهم بعض المصادر إخوان السبلة القدماء، فوالده (محمد بن سيف العتيبي) هو صديق خاص لسلطان بن بجاد أحد أبرز قادة تلك الجماعة. وعندما كان سلطان بن بجاد في “معركة السبلة” يحارب الملك عبد العزيز، كان والد جهيمان إلى جانبه يحارب معه، فهما رفيقا سلاح، فورَّث لجهيمان عداء الدولة وبغض الأسرة الحاكمة.

سلمان العوده في مرحلة الشباب

استمرت الجماعة بعد التأسيس بالقيام بالإنكار العملي، وهو ما لفت أنظار الناس لها وتحديدًا الشباب، وكان الحس الديني في ذلك الوقت قد بدأ بالتنامي المتدرج تصاعديًا؛ بسبب فتح المجال للعمل ضد الأفكار اليسارية التي كانت منتشرة حينها، حتى جاء العام 1978 وحصل انشقاق كبير في صفوف (الجماعة السلفية المحتسبة) بين الكبار، أو ما يسميهم الأستاذ ناصر الحزيمي مجلس إدارة الجماعة، والشباب الصغار الذين التفوا حول جهيمان، وكان السبب قيام جهيمان ببعض الأمور المرتجلة التي لم تأت بمشورة كبار الجماعة، ولا يرجع إليهم فيها، مثل مواقفه من الدولة والحكومة… وبعض المسائل التي بات يطبقها شباب الجماعة السلفية مثل: الصلاة بنعالهم داخل الحرم، والخلاف حول قضية التثويب في الأذان؛ هل هي في الأذان الأول أم في الأذان الثاني؟ … إلخ.

وفي العام  ذاته، تم إيقاف بعض المؤثرين في الجماعة، ولم يكن من بينهم جهيمان، أو بمعنى أدق تمكن جهيمان من التخفي والهرب من الإيقاف حتى تمت تبرئة الموقوفين لكون إيقافهم جاء بسبب تقرير كيدي من أحد أعداء الجماعة، وأن الداخلية نفسها تحقَّقت من أن الذي جاء في التقرير غير صحيح، إضافةً إلى أن الشيخ عبد العزيز بن باز زكَّاهم عند وزير الداخلية حينها. لكن هذا لم يكبح جماح موقف جهيمان من الدولة، بل على العكس: بمجرد ما أُطلق سراحهم أصدر جهيمان أول رسالة له هي: (رفع الالتباس عن سنَّة إبراهيم الذي جعله الله إمامًا للناس)، وهذه الرسالة بيان لموقف جهيمان من الجماعات الأخرى والمشايخ والدولة. وفي هذا الرسالة، صرَّح جهيمان بعيوب الجماعات الإسلامية -من وجهة نظره- التي كانت معاصرة له، فذكر أن عيب جماعة التبليغ عدم اهتمامهم بالتوحيد، وعيب جماعة الإخوان المسلمين اهتمامهم فقط بالسياسة، وعندهم الروح الانقلابية، ويريدون أن ينقلبوا على الدولة، في حين أن النَّص الشرعي نهى عن الغدر في الإسلام، إضافةً إلى أنه تكلم في هذه الرسالة عن موقفه من المشايخ وأطلق عليهم (مشايخ السلطة)، وأوضح موقفه الضدي من العمل في الوظائف الحكومية، وتحديدًا للمشايخ.

اقرأ أيضًا: خبراء لكيوبوست: مواجهة دعاة التطرف ضرورة، وأخطاؤهم يجب أن تتوقف

وفي عام 1979، تفاعلت عند الجماعة مسألة المهدي أو فُعِّلت أكثر، وكانت سببًا في تفادي التناقض بين تحريم الخروج على الدولة وتكفيرها التي لا تقول بها الجماعة، ومسألة أفعال جهيمان وأقواله وكتاباته التي تقول بالخروج على الدولة وكفرها، كما كانت سببًا لتجميع الناس والدخول بهم إلى الحرم في القصة المعروفة المشهورة.

وبعد تطهير الحرم من رجس المحتلين، كان الموقف من قِبَل العلماء –بشكل عام– سلبيًا وباردًا وهامشيًا، فلم يحاولوا أن يعيدوا النظر في كثيرٍ من المسلَّمات التي بُثَّت في نفوس الشباب، أو محاولة القيام بأي دور لإصلاح الخطاب الديني السائد وقتها، أو القيام بأي محاولة للتعامل مع هذا الخطاب تعامُل الإصلاح، بل اتجهت أصابع الاتهام للدولة التي زعم التيار الديني وقتها أنها فسحت مجالًا لإفشاء المنكرات في البلد، مما أجج نفوس الشباب المتدين… إلخ، ومن هنا، كانت فتنة احتلال الحرم المكي في مطلع الثمانينيات الميلادية، تمهيدًا غير مباشر لتعميق دور الإسلام الحركي السياسي في السعودية، على مختلف المستويات، من أبرزها نزول الدولة إلى رغبة المشايخ في تخفيف الانفتاح في الإعلام، بعد أن عمدت الدولة إلى تعزيز المؤسسة الدينية، وأفسحت المجال واسعًا للمناشط الدينية المعتدلة -كما ظنَّوا-، التي استغلتها الصحوة أفضل استغلال، حيث مالت الدولة بعد فتنة جهيمان، إلى إتاحة الفرصة للفكر الإخواني المتسلفن، بحسبانه المؤهل الأبرز للحد من تزمت المتشددين، ثم اكتشفت بعد عقد من الزمان وجود بعد سياسي عميق في هذا الفكر لا يخدم الاستقرار السياسي للبلد، وبدأت محاضن الصحوة بالبروز عبر أحداث من أهمها قلب وجه هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي أسست بطريقة حديثة وتجديدية في العام 1976 باسمها ونظامها الجديدين.

وكان الدور الأبرز لقلب نظام الهيئات في المملكة جاء من بريدة، حينما انتقل (ص.ر) من هيئات الرياض إلى هيئات بريدة، ثم أصبح مديرًا عامًا لها. ويذكر في هذا الصدد أن (ص.ر) تم إبعاده عن مدينة الرياض بأمر من أميرها، بعد أن كثرت مشاكله وأخطاؤه التي كان في مقدمتها اتهام الناس بالظن والشك والريبة، التي غالبًا ما كان يثبت عكسها. ونظرًا لنفوذ التيار الديني الصحوي المدعوم من قبل المشايخ الكبار، تم الاكتفاء بنقله إلى بريدة فقط. وهناك عاد ليمارس دوره في عسكرة الهيئات من جديد، واستطاع (ص.ر) بمعاونة (م.م) -أحد المقربين من سلمان العودة، أحد الحركيين في بريدة، أحد التلامذة النجباء للسرورية- من تحويل جهاز هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى جهاز بوليسي، لتصبح الهيئات بالتدريج جهاز بحث وتحري وتحقيق وإدانة أو تبرئة ومطاردات ومداهمات، بل وأحيانًا جهاز محاكمة وتنفيذ عقوبات، وكانت التوجيهات والتأييد تأتيهم من الصحويين الحركيين في بريدة حينها، وبدأ ينتشر هذا الفكر الجديد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى اجتاح أنحاء المملكة.

وهناك أمران مهمان حدثا في الثمانينيات ولهما أثر كبير جدًا على اشتهار الصحوة وتعميقها في نفوس الشباب، سأشير إليهما سريعًا وأعود لمواصلة الحديث عن العودة، وهما: انتفاضة الحجارة في فلسطين عام 1987، والمعركة مع الحداثة التي انطلقت في العام ذاته، وفي أواخره تقريبًا، التي دشنها الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي بشرطين سجلا في المنزل حول الحداثة، ثم كتاب الدكتور عوض بن محمد القرني الشهير: (الحداثة في ميزان الإسلام)، الذي صدر عام 1988.

اقرأ أيضًا: خبراء يشرحون: إلى أين انتهى تيار الصحوة في السعودية؟

انتقل سلمان العودة بعد ذلك للتدريس في كلية الشريعة في العام 1983، وكانت السياسة (الإخوانية/ السرورية)، بحسب تنظير المنظِّر والمفكِّر الأبرز على مستوى الجماعة ككل العراقي محمد أحمد الراشد (عبد المنعم العزي) هو الالتفاف حول العلماء الكبار الموثوقين في كل بلد وكل مدينة، ليستفيدوا من مكانتهم لدى الناس ولدى الدولة، وهو ما تم تطبيقه بامتياز من قبل الحركيين السرورين بالمقام الأول ثم الإخوان بالمقام الثاني، خصوصًا إخوان الرياض جماعة الصليفيح وجماعة الفنيسان، وكان العودة مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا جدًا بالشيخ صالح البليهي -رحمه الله- أحد أهم العلماء في السعودية في وقته، وهذا الالتفاف هو ما جعل المشايخ الكبار -الواثقين بمن حولهم من تلك الفئة من الطلاب والمريدين- يكلفون حركيي الصحوة بإدارة المناشط الدعوية والتوعوية، والدولة فتحت لهم المجال بسبب تزكية المشايخ الكبار لهم.

في عام 1984 تقريبًا، طرأ تغير جذري على العمل الحركي في الشق الصحوي الذي يتخذ السلفية منهجًا وسيعرف لاحقًا بالسرورية، حيث انتقل محمد سرور من الكويت إلى بريطانيا في رحلة لا يُعلمُ هل سيكون معها صلة واتصال مع البُنى التنظيمية التي غرسها في مدن سعودية عدة؟ أم أن تلك البُنى التنظيمية يجب أن تتولى أمرها بالكامل؟ وهو ما تم بالفعل؛ ففي اجتماع خاص حضره الرموز السعودية فقط، تمت غربلة العمل ومراجعة المسيرة، وكان من نتائجها أن تقلص التنظيم إلى أفراد قلائل جدًا، على أن يعمل هذا التنظيم على استثمار الجهد السابق الذي بذل لأكثر من عشرين سنة تقريبًا، مع تركيز العمل القادم على خلق تيار متنامٍ عبر حزمة من الوسائل والجهود، وبهذا العمل خرجت الحركة السرورية -إن صحت التسمية- من أغلب علل وأدواء التنظيمات الحركية، أيًا كانت أيديولوجيتها.

استمر نجم العودة بالصعود والبروز، حتى وصل مرحلة وجد معها أنه قد حان الوقت للتفرغ أكثر للدعوة العامة والانطلاق بحرية، بعيدًا عن العمل الحركي المعيق، الذي سبق أن أعاقه عن الحركة مرتين تقريبًا؛ الأولى حين تخرجه من الثانوية، والثاني حينما تخرج من الجامعة. وكان العام 1989 هو بداية انطلاقة العودة كداعية يجوب الآفاق، له دعوته واستقلاليته. ودشن العودة هذه المرحلة برحلات دعوية إلى الولايات المتحدة وإندونيسيا، وهناك في ذلك المكان والزمان كان لقاءه الأول بيوسف القرضاوي، وتوطدت العلاقة بعد ذلك، ثم بداية سلسلة الدروس العلمية العام في العام (1989/1410)، حتى حلت عاصفة الخليج في الثاني من أغسطس/آب عام 1990، لتطير به ولا يقر له قرار بعدها إلى يوم الناس هذا.

في الأجزاء التالية، سيتوقف الكاتب عند صعود نجم سلمان العودة وخفايا خطاب العودة، وصولًا إلى منعه من السفر وإيقافه عن الظهور على الفضائيات، انتهاءً بفترة السجن

 

[1] السيدة الفاضلة: نورة بنت سليمان اللحيدان-رحمها الله-، هي ابنة عم للشيخ صالح اللحيدان، أحد أشهر رجال الدين الرسميين في السعودية.

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة