الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

سلمان العودة والفكر اليباب – الجزء الثالث

تأييد الصحوة لغزو الكويت ودخول سلمان العودة السجن وموقف الصحويين من الشيخ ابن باز

كيوبوست – خالد العضاض

في الجزء الثالث من مراجعات الكاتب خالد العضاض لسيرة سلمان العودة وتيار الصحوة، يتوقف عند محطات هامة أبرزها غزو الكويت، وحضور شخصية الشيخ ابن باز، وموقف التيار الصحوي منه، ودخول العودة السجن.

في ظني وتقديري أن شر الصحوة استعر بعد الثاني من أغسطس/آب 1990، عندما عزم الملك فهد أمره وحزم رأيه على الاستعانة بالقوات الصديقة، على رأسها القوات الأمريكية، التي جاءت بعددٍ كبير من المقاتلين يوازي نصف المليون مقاتل، بعتادهم وعدتهم. وكان مبرر الصحوي في خوضه الفتنة ذلك الحين: أنه من العار أن تدافع القوى الاستعمارية -وهذا تعبير قومي التقطه الصحويون لتجريم الاستعانة بالقوات الصديقة- عن بلدان الخليج، دون أن تكون للخليج -وبالأخص السعودية- جيوشٌ قادرٌة على حماية أرضها وحدودها ومقدراتها ومقدساتها.

ولذا ركزت الخطابات التي وجهها الصحويون لاحقًا على هذا الملحظ، ومن طريف الأمر أن بعض المتكلمين منهم لمزوا جناب السعودية ومقامها بالعيب والثلب؛ لأنها “استعانت بجيوش نصفها من النساء” -يعنون الجيوش الأمريكية والأوروبية-، ولعل فيما مضى من تفاصيل في الحلقتين السابقتين يفيان عن إطالة الحديث وإعادته هنا عما حدث من الصحويين، وتأليبهم على الدولة، وإثارة الناس.

طالع الجزء الأول: سلمان العودة والفكر اليباب

 

الصحويون وشخصية الشيخ ابن باز

قبل الخوض في غمار هذه الحلقة، أشير إلى أنه لم تُقدَّم -حتى الآن- دراسات معمقة على الأدوار الحقيقية لكثير من الشخصيات البارزة في التيار الديني السعودي، سواء كانوا سعوديين أو غير سعوديين ممن عاشوا في السعودية ردحًا من الزمن، وأثروا وتأثروا بتيار الإسلام السياسي، وبالتيار السلفي السعودي.

الشيخ ابن باز

ولعل أبرز شخصية في تقديري تمت دراستها بشكل سطحي هامشي هي شخصية المفتي العام للمملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- إذ دَرَج الكثير من دعاة الصحوة ووعاظها على تسويق ضعف شخصية الشيخ ابن باز من طرفٍ خفي، أو بمعنى أدق عدم قوتها، وهذا كما يعرفه الكثير غير صحيح البتة؛ إذ إن الأحداث التي مر بها المجتمع السعودي وتسارعها ومفصليتها جعل القتام والضبابية تعلو الدور الحقيقي الذي قام به الشيخ -ولعلي أفرد مقالًا خاصًا أُجَلِّي به وجهة نظري هذه- وسبب ذلك عائد إلى أن كلًا من: الدولة، ودعاة الصحوة بمختلف أطيافها، والمجتمع السعودي، وضعوا للرجل مكانة عالية لا تطاولها شبهات ولا شكوك -وهو يستحق هذه المكانة لورعه ونزاهته- الأمر الذي فوَّت على المراقب أو الناقد التدقيق في أعمال الشيخ ومساعداته العريضة والممتدة لتيار الإخوان المصري ثم العراقي ثم السوري من منتصف الخمسينيات الميلادية وحتى قبل سنوات قليلة من وفاته.

وأبرز سؤالٍ يطرح من أسئلةٍ كثيرة لا نتحدث عنها إلا نادرًا: كيف تمت الاستعانة بالإخوان القُطريين -وليس المصريين فحسب- لمكافحة المد اليساري السعودي، ولتنشيط العمل الدعوي والوعظي والعلمي في المجتمع السعودي؟ وعلى الرغم من أن للشيخ ابن باز دورًا كبيرًا في تبني جهيمان وجماعته، بل أبعد من ذلك، وهو عدم رضاه التام على الأحكام التي صدرت على الجماعة السلفية المحتسبة –حسبما كان بعض المشايخ يُحدثنا عنه- استمرت شخصية ابن باز في الصعود والترقي، وهو الأمر الذي أشرنا إلى أحقيته به، ولكن هذا لا يعني أن نغفل دوره الرئيس في أحداث الصحوة منذ أن كانت فكرة في رأس من أراد زرعها في أرض السعودية البكر، ويجب أن لا ننسى أن شخصية ابن باز كانت أقرب إلى الشخصية العالمية التي تجمع ولا تفرق، وتتغاضى عن الخلافات في سبيل توحيد صف الأمة وكلمتها منذ بروزه على الساحة، واكتساب كلمته التأثير في الأحداث، وهذا أيضًا لا يعني إغفال بعض الأخطاء التي سبب الشيخ من خلالها حرجًا سياسيًا للقيادة السعودية.

 

تأييد غزو الكويت

شخصية محورية مهمة أخرى لا بد من التوقف عندها، هي الدكتور حمد بن إبراهيم الصليفيح، القيادي البازر في التيار الإخواني السعودي الذي هُمَّش -أي الصليفيح- نوعًا ما بسبب انشقاقه المبكر عن مكتب الرياض، وتكوينه لفصيل إخواني خاص عرف ببعض التميز الشكلي والضمني عن التيار التديني العام في السعودية، وأذكر له عملًا واحدًا من أعمال كثيرة قام بها، وهذا العمل الذي لم يكن موفقًا فيه -يمكن القول عنه مع إحسان الظن إنه جاء على غير ما يريد- إذ إنه كان الرأس المدبرة لتكوين فريق من كبار القادة الإخوانيين القُطريين ومن التنظيم الدولي، كان من أبرزهم الأردني عبد الرحمن خليفة، والتونسي راشد الغنوشي، والسوداني حسن الترابي، واليمني عبد المجيد الزنداني، والتركي نجم الدين أربكان وهو رئيس الفريق، لمحاولة التدخل لحل الأزمة الكويتية.

دبابات عراقية داخل الأراضي الكويتية

ولحساسية الموقف في ذلك الوقت، فضل الصليفيح عدم الدخول ضمن الفريق كعضو، وقام الفريق بمقابلة الملك فهد مقابلة مطولة، خرجوا على وعد وعهد بأنهم قادرون على إقناع صدام بالخروج من الكويت والانسحاب دون إطلاق رصاصة واحدة، وغادروا المملكة إلى بغداد، ومرة أخرى يتوارى الصليفيح عن المشهد، لحساسية تواجد سعودي مع الوفد الإخواني رفيع المستوى عند القيادة العراقية حينها.

وبوصول الوفد إلى بغداد تحدث المفاجأة غير المتوقعة، هي أن الوفد الإخواني أيد الغزو العراقي للكويت من بغداد، ووافقوا رأي المرشد العام محمد حامد أبو النصر، ومكتب الإرشاد في مصر حينها، وأوَّل الأسئلة التي يجب طرحها: ما الإغراء الذي بذله صدام وقتها ليكسب تأييد الإخوان؟ ويمكن صياغة السؤال بشكل آخر: ما المكاسب التي طمع الإخوان بها حتى يؤيدوا صدام؟ وما موقف إخوان السعودية -الصليفيح وبقية القيادات-؟ وما موقف الصحوة بعمومها، إذا وضعنا كل ذلك -بعد مضي هذه العقود- في سياق عام واحد للأحداث؟ وفي مسار الأسئلة أيضًا، لنتساءل عن رأي الإخوان الكويتيين، تحديدًا الدكتور طارق السويدان الذي كان يتزعم الوَقَفات الاحتجاجية حينها ضد المملكة، وهل حلم الربيع العربي حلم قديم مات الكثير من جلاوزة الإسلام السياسي ولم يدركوه؟

وعلى كلٍ، أنوه في هذا الصدد -حتى تكتمل الصورة والمشهد العام- إلى أنه ذُكر عن جهود للدكتور منّاع القطان لثني مكتب الإرشاد الإخواني عن تأييده لصدام، لكنه فشل، والله أعلم بما جرى.

وأعود لفريق الصليفيح، الذي برر الموقف لاحقًا بعد انكشاف الغمة، بأن الترابي ولعلاقته المميزة بصدام انقلب على الفريق وقفز على رئيسه أربكان، وقال بتأييد صدام في غزوه للكويت، -والله وحده أعلم بالحقيقة- لكن ما نعلمه جيدًا من دروس التاريخ والمواقف الإخوانية أنه لا جانب مأمونًا للقوم.

وأعود إلى أساس الفكرة من الحديث عن هاتين الشخصيتين كنموذج، وهو عدم وجود دراسات جادة ومعمقة ومحايدة، تُجلِّي أدوار الشخصيات، وتحلل الأحداث بشكل يمكن الاستفادة منها في رصد تاريخ اجتماعي دقيق لما حدث في المشهد السعودي.

طالع الجزء الثاني: سلمان العودة والفكر اليباب – الجزء الثاني

 

العودة: سنة أولى سجن

من الضروري إعادة بعض ما قلناه في الحلقة السابقة ليكون ترابط الأحداث متسقًا في ذهن القارئ:

ففي صباح يوم الثلاثاء: الثامن من ربيع الثاني لعام 1415 للهجرة، وهو اليوم الخامس تقريبًا من حين تسارع الأحداث بطريقة دراماتيكية، كان منزل سلمان العودة في حي النازية، شمال مستشفى الملك فهد التخصصي، محاطًا بطوقٍ أمني من قوات مكافحة الشغب، تم استدعاء العودة عن طريق بعض تلاميذه المتواجدين في الموقع، بعد طلب الضابط المكلف بذلك، ولما حضر العودة إلى الموقع، تم إركابه في سيارة الأمن بكل احترام، مع خالد القفاري، الذي أصر على مرافقة العودة رغم رفض الضابط المكلف بإحضار العودة، بل ومحاولة العودة نفسه ثني القفاري عن مرافقته، إلا أنه أصر على ذلك.

خالد القفاري سكرتير سلمان العودة

اتجهت السيارة المقلة لهما إلى موقع آخر، ثم فُصل بين الرجلين، واتجهت السيارة المقلة للعودة إلى مدينة الرياض. ويقول القفاري في تغريدات كتبها على حسابه في تويتر بين 4 و8 من شهر ربيع الثاني، لعام 1433 هــ، عن هذه اللحظات ما نصه: “كان الشيخ ممسكًا بيدي، التفت لي حينها وهمس: انتبه الشريط الذي عندك لا يخرج -كان يقصد شريط من وراء القضبان- ويقول: “وبقيت ملتزمًا بهذا الوعد حتى تسرّب من جهة أخرى بعد شهرين من الاعتقال، وقتها كانت الجهات الأمنية تظن أنه سُجّل وتسرّب من داخل السجن”. وأنقل هنا أبرز ما جاء في تغريدات خالد القفاري التي تحكي ذلك اليوم وما بعده بشيء من التصرف الذي يقتضيه المقام ولا يخل بالمقال:

يقول القفاري: “أذَّن الظهر وخرجتُ للمسجد، وهناك كانت الحشود والمشايخ مجتمعين، صلّى بنا الظهر إبراهيم الدبيان، وأذكر أنه قنت في تلك الصلاة”.

وأقول: أذكر قنوت الشيخ الدبيان هذا جيدًا فقد كان دعاء حارًا على الطواغيت، ولك أن تُخمِّن من هم الطواغيت حينها، وهذا الشيخ الذي لزم بيته ومسجده حاليًا، وكف أذاه، كان يقول لنا عن كتاب عرَّاب التكفير أبو محمد المقدسي “الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية”، إنه كتاب جيد بالجملة مع بعض الملحوظات، يقولها في المسجد في درس بين الآذان والإقامة لصلاة العشاء، يسمعه العامي والجاهل والمتعلم والطفل والمرأة والرجل، وكأنه يقرر مسألة في كتاب الطهارة.

جامع بريدة الكبير قبل بنائه من جديد على نفقة الملك فهد -رحمه الله- حيث كان العودة يلقي درسه الأسبوعي كل أحد

يقول القفاري: “وبعد الصلاة، قرّر الجمع أن تكون هناك مسيرة حاشدة تذهب إلى إمارة منطقة القصيم، وفي هذه الأثناء اقترح أحد الحضور أن تكون المسيرة مشيًا على الأقدام، ولقي هذا الاقتراح استحسان الأغلبية، علمًا أن الوقت كان في الصيف، وانطلقت المسيرة من الشارع الغربي للمكتب -منزل العودة في النازية- ثم سلكت طريق (النازية) جنوبًا، حتى وصلت المسيرة  لشارع التُغيرة، وهناك حصل اختلاف بسيط هل نتجه شرقًا حيث الطريق الأقرب للإمارة أو غربًا حيث شارع الخبيب شريان المدينة، وكان القرار للاتجاه غربًا للشريان ومن طريق الخبيب إلى حي الخالدية حيث مقر الإمارة، وهنا أشير إلى أن هناك مجموعات كانت تسبق الناس ويعطونهم الماء”.

ويضيف: “وصلنا للإمارة بعد ساعة ونصف أو تزيد، وهناك كانت مجموعات كبيرة بانتظارنا حيث سبقونا بسياراتهم، وبعضهم جاء من جهات أخرى، كانت الشوارع المحيطة بالإمارة ممتلئة خصوصًا الشارع الغربي والشارع الشمالي الذي توجد عليه البوابة الرسمية للإمارة، وفي هذه الأثناء كانت هناك أكثر من كاميرا تصوّر الحدث”.

ويقول القفاري في تغريداته: “احتشد الناس هناك أمام البوابة، وفي تلك الأثناء طلبت الإمارة منَّا تشكيل وفد يمثلنا، ويدخلون لمناقشة الموضوع مع وكيل الإمارة… تم تشكيل الوفد وهو مكَّون من: إبراهيم الدبيان، والمحامي سليمان الرشودي، ويحيى اليحيى، ودبيان الدبيان، ومحمد الدبيخي، وعلي الخضير، وصالح المحيميد، ورجلين مسنين السلطان والفراج، وأنا. قابلنا الوكيل، وسألناه عن وضع الشيخ، فقال ليس لدي أي معلومات وهو في الرياض، فقال أحد أعضاء الوفد أخرجوا الشيخ أو اسجنونا معه”.

وأضاف: “دار حديث طويل –مع الوكيل- … فقررنا الخروج بعد أن أوصلنا الرسالة”.

بعد ذلك رجع الجميع، وفي المساء تقدَّم الشيخ عبد الرحمن العجلان رئيس محاكم القصيم، بمقترحه الذي ذكرناه سابقًا.

 

غياب الصحوة وتعافي المجتمع

غاب الآن عن المشهد المؤثرون الفاعلون في الصحوة طيلة ثمان سنوات مضت تقريبًا، وأصبحت الساحة فارغة، وغابت مناشط كثيرة كان الصحويون يمارسونها، على رأسها مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الطريقة الصحوية، لأنها وببساطة متناهية غاب عرَّابوها. لم ندرك نحن شباب الصحوة وقتها، أن المجتمع بدأ يتنفس قليلًا من كبت طال أمده، بسبب تغوّل فكر الصحوة، وتطبيقاته في المجتمع، كانت الدنيا مظلمة في نظرنا، وكنَّا نشعر بالظلم الذي مورس ضدنا بشكل مضاعف، وأدركنا الحقيقة –المتوهمة بطبيعة الحال- في جدية مسألة تجفيف المنابع التي كانت تنشط في أدبيات الصحوة الشفهية.

ولوصف الحال التي كانت عليها ساحة الإسلام السياسي في السعودية بعد اعتقال الرموز الصحوية، وبعض رجالات الصف الثاني في تيار الصحوة، ومجموعة كبيرة من الأتباع، لا تجد أفضل من التعبير بأن الصحوة باتت ضد الصحوة، هذا هو العنوان الأبرز، إذ ظهر جليًا مدى هشاشة صفوف الصحوة، ومدى هشاشة التجربة، وضعف الاستعداد الحقيقي للمحن والنكبات.

كيو بوستس

كان خلو الساحة من الرموز الصحوية، مدعاة لبروز نجوم جدد لم يكونوا بالزخم والوهج ذاته الذي كانت عليه الرموز المغيبة في السجون، ولم يتمكنوا من ملء الفراغ الذي خلفته تلك الرموز، صحبه تحرك ذوي النفوس المتحررة، وبعض ذوي العقول الذكية والمفكرة، باتجاه التمرد على النمطية والتسليم، كل هذا أحدثَ تشظيًا بات يتوسع مع الزمن. ولمعرفة جوانب هذه القصة كاملة، لا بد أن نشير إلى أن هناك فصيلًا صحويًا كان معنيًا بالتربية والإعداد وتنمية الشباب، كان معترضًا أشد الاعتراض على ما قام به سلمان العودة وبعض من وافقه وعاونه على ما فعل.

وما زلت أذكر جيدًا ذلك القيادي التربوي، واقفًا بسيارته أمام ما يعرف بدوار الكتاب -الذي أزيل لاحقًا- قبل المستشفى التخصصي في بريدة ليرَّد الشباب -خصوصًا شباب حلقات التحفيظ- عن المشاركة في التجمعات والتظاهرة التي كانت تحدث أمام منزل العودة، على الرغم من أنه من التلاميذ المقربين من سلمان العودة في فترة من الفترات.

كانت التوجيهات واضحة وصريحة بعدم المشاركة بأي حال من الأحوال خصوصًا من الشباب الصغار، ربما لأن سلمان العودة اختار مفارقة التنظيم، ولكنه لم ينفذ المفارقة بشكل كامل، أو لخلافات كثيرة نشبت بينه وبينهم على أمور عدة؛ من أهمها مسألة التصعيد مع الدولة بعد أزمة الخليج الذي يرى تربويو الصحوة أنه لم يحن وقته بعد، وكان الملتصقون بسلمان العودة وقتها يذكرون تعالي الأصوات والغضب الكبير الذي يحدث بينه وبين أحد الدعاة الكبار في المدينة، حينما يختليان ببعضهما في مكتب العودة بمنزله، وكيف يخرج ذلك الداعية والخطيب المشهور غاضبًا أشد الغضب، وهو الأمر الذي اتضح لاحقًا، أنه كان خلافًا حول مسألة التوقيت في القول، وتحول إلى خلافٍ حول مسألة التوقيت في الفعل.

 

قاعدة أنا ومن بعدي الطوفان

ما قام به سلمان العودة كان على قاعدة أنا ومن بعدي الطوفان، لما أدرك أن الدولة عازمة على إيقاف مشاغباته، ولعل المتتبع بدقة لأحداث ما سُمي بمؤتمر النصرة في بريدة عام 1415هـ، وما قيل فيه من كلمات يدرك أن القائمين عليه عملوا من مبدأ هدم المعبد على رؤوس الجميع، ويتضح ذلك جليًا في دعوة العودة من خلال إحدى كلماته لمن له اتصال بالدكتور سفر الحوالي بالشخوص إليه في بريدة، بعد أنباء عن صدور الأمر باعتقاله، للمشاركة في المؤتمر ومواصلة التأليب والتخريب الفكري.

اقرأ أيضًا: سلمان العودة: من “ملتقى النهضة” إلى السجن

كتيبات كانت توزع بكثرة إبان ازدهار الصحوة

وعلى كلٍ، لم يتأثر العمل التربوي الصحوي كثيرًا، ما عدا الغربة الروحية والنفسية التي بدأت الصحوة الدخول التدريجي فيها، وذلك لكونه -أي العمل التربوي- في أغلبه متواريًا عن الأنظار أو شبه سري، وكذلك لأن التربية كانت تتم بشكل مركَّز؛ مما يجعل النفوس مترعة بالعاطفة تجاه الرموز والقضايا التي يتداولها الصحويون، وهنا تكون العقول مستعدة بشكل أكبر للاقتناع، وعند هذه النقطة تتحول المسألة إلى أيديولوجيا.

وفي ظني كذلك أن الرصيد الشعبي للصحوة في بعض المناطق لم يتأثر كثيرًا، لأن الدولة تعاملت مع مثيري الفتن فقط، ولم تعمل بشكل مركز على منابع الإرهاب والتطرف، إلا بعد أحداث تفجيرات العليا في نوفمبر/تشرين الثاني 1995، وبشكل متصاعد، حتى جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، التي وضعتنا جميعًا أمام الحقيقة وهي إما مكافحة الإرهاب والتطرف أو التلاشي.

أعود لما أحدثه دخول الرموز الصحوية السجن من أثر، إذ قامت القيادات التربوية الصحوية البعيدة عن الأحداث والمصادمات مع الدولة -لأن عملهم يقتضي ذلك- بتنفيذ خطة ذكية وفاعلة في وقتها، هي تجنيب المحاضن التربوية المعروفة أي عمل تربوي، وتجميدها وقصرها على الهدف الذي أنشئت من أجله، أعني حلقات تحفيظ القرآن الكريم، والمكتبات التابعة للمساجد والجوامع، ووضع محاضن بديلة عرفت بالمجموعات، وهي غير رسمية وغير مرتبطة ظاهريًا بأي قيادة، سوى رئيس المجموعة فقط، الذي لا يُعلم من فوقه أو من هو مسؤوله المباشر، وهذا أحدث فتحًا وثورة جديدة في العمل الصحوي، لو تم قبل سنوات لأحدث فرقًا كبيرًا في الأحداث، وذلك عندما أمرت القيادات الصحوية بفتح هذه المجموعات لاحتضان الشباب، التي لا يشترط فيها أن يكون أفرادها متدينين، وهو ما جعل كثيرًا من الشباب ينضمون إلى هذه المجموعات التي تناسبهم أكثر من الحلق أو المكتبات التي تلزمك أدبيًا -أو قسرًا- بنوعٍ من السلوك والعمل، لا يقوم به إلا المتدين، مما جعل الرقعة تتسع، والسواد يكثر.

 

في الجزء الرابع، تفاصيل أكثر حول التحولات والتطورات التي حدثت في السنوات الخمس من دخول كبار الصحويين السجن.

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة