الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

سقوط أفغانستان.. هل كنا نستخدم المقارنات التاريخية الخاطئة؟

ما واجهه جو بايدن في أفغانستان عام 2021 يشبه إلى حد كبير ما واجهه ميخائيل غورباتشوف في أوروبا الشرقية عام 1989

كيوبوست- ترجمات

مارك كاتز♦

لم يكن ينبغي أن تجري الأمور بهذه الطريقة. لم يكن من المنطقي أن تنهار حكومة كابول وتستولي “طالبان” على السلطة حتى قبل استكمال انسحاب قوات الولايات المتحدة والتحالف من البلاد. كان من المفترض أن يحدث ذلك بعد أشهر أو سنوات من الانسحاب إذا ما نظرنا إلى الأحداث التاريخية المشابهة، كانسحاب الولايات المتحدة من فيتنام والانسحاب السوفييتي من أفغانستان. من هذه الزاوية التاريخية يتناول مارك كاتز مسألة سقوط أفغانستان السريع، في مقال نشره موقع “ذا ناشيونال إنتريست”، مؤخراً، يفند فيه كاتز المقارنات التاريخية ذات الصلة.

اقرأ أيضاً: هل هناك طالبانجديدةفي أفغانستان؟

بدأ الانسحاب الأمريكي من فيتنام في يناير 1973، وانتهى بنهاية مارس من العام نفسه. وخفض الكونغرس (ولم يقطع) المساعدات العسكرية لحكومة سايغون. وفي أبريل 1975، سقطت فيتنام الجنوبية بأيدي الشيوعيين؛ أي أن جنوب فيتنام تمكنت من الاستمرار لما يزيد قليلاً على عامَين بعد الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية.

واستكمل الاتحاد السوفييتي انسحابه من أفغانستان في فبراير 1989؛ ولكن ميخائيل غورباتشوف استمر في تقديم المساعدات العسكرية للنظام الماركسي هناك، إلى أن أوقف بوريس يلتسن إمدادات الأسلحة الروسية بعيد انهيار الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 1991. وبحلول أبريل سقط النظام الأفغاني الماركسي على أيدي المجاهدين. وهنا تمكن حليف موسكو من البقاء على قيد الحياة لأكثر من ثلاث سنوات بعد الانسحاب الكامل للقوات السوفييتية.

طائرات ومدفعية وأجهزة رؤية ليلية أمريكية الصنع أصبحت جزءاً من ترسانة “طالبان” الحربية- “رويترز”

بعد هذا الاستعراض التاريخي يتساءل كاتز عن أسباب انهيار حكومة أفغانستان السريع، فواشنطن لم تقطع الإمدادات العسكرية عن حكومة كابول التي تمتلك بالفعل كميات كبيرة جداً من الأسلحة والذخائر الأمريكية. وفي الحقيقة تبدو الاتفاقية التي وقعتها واشنطن مع كل من حكومة كابول وباكستان وأوزبكستان، في يوليو 2021، وكأنها مصممة للمحافظة على خطوط الإمداد العسكري إلى كابول.

كما أن الدعم الباكستاني لا يفسر الاختلاف؛ فقد استمر الدعم السوفييتي والصيني لحكومة هانوي بعد الانسحاب الأمريكي من سايغون؛ ولكن حكومتها صمدت لمدة عامَين. وكذلك استمر الدعم الباكستاني والأمريكي للمجاهدين بعد الانسحاب السوفييتي، وتمكن نظام نجيب الله من الصمود لثلاث سنوات.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن يشكل صعودطالبانرافعة لـإخوان سوريا”؟

ومع فشل هاتين المقارنتَين في تفسير ما حدث في كابول، يبحث كاتز عن مقارنة تاريخية أخرى أكثر تشابهاً، ويجد ضالته في انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية عام 1989.

في صيف عام 1089، أعلن الرئيس السوفييتي الإصلاحي ميخائيل غورباتشوف، أنه لن يستخدم القوة للدفاع عن الأنظمة الشيوعية المتشددة المنهكة في أوروبا الشرقية. لم يكن غورباتشوف يتوقع أن يؤدي ذلك إلى الانهيار السريع للشيوعية وظهور حكومات موالية للغرب خلال فترة وجيزة؛ بل كان يعتقد أن إعلانه هذا سوف يضعف المتشددين في أوروبا الشرقية ويدفع باتجاه استبدال شيوعيين إصلاحيين مثله بهم، وأن ذلك سوف يكسبه امتنان شعوب أوروبا الشرقية ويقوي موقفه في موسكو.

وعندما اكتشف غورباتشوف سوء تقديره، كان أمامه خيار صعب، وهو استخدام القوات السوفييتية لحماية الأنظمة الشيوعية؛ ولكن لم تكن هنالك أية ضمانات بأن قواته (التي كانت لا تزال موجودة في أوروبا الشرقية) قادرة على سحق المعارضة المناهضة للشيوعية بسرعة، بالإضافة إلى أن إقدامه على استخدام القوة كان سينهي حالة الانفراج مع الغرب وربما سيقضي على سعيه لتحقيق إصلاحات طموحة في الاتحاد السوفييتي نفسه.

الرئيس السوفييتي الإصلاحي ميخائيل غورباتشوف- أرشيف

لا شك أن غورباتشوف يدرك تماماً كيف أدت الجهود الإصلاحية التي قام بها نيكيتا خروتشوف، في منتصف الخمسينيات، وأليكسي كوسيغين، في منتصف الستينيات، إلى ظهور معارضة محلية واسعة للشيوعية في هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا، وكيف أدى استخدام القوة لسحق هذه المعارضة إلى تحدي قيادة خروتشوف من قِبل العديد من زملائه في عام 1957، وإلى تفوق ليونيد بريجينيف المتشدد على أليكسي كوسيغين الإصلاحي.

يرى كاتز أن الوضع الذي واجهه غورباتشوف في أوروبا الغربية عام 1989، يشبه إلى حد كبير ذلك الذي واجهه بايدن في أفغانستان عام 2021: السماح لنظام (أو أكثر) حليف متداعٍ بالانهيار أو استخدام واسع النطاق للقوة العسكرية لحمايته. كان الخيار الثاني صعباً ومكلفاً للغاية ويصرف الانتباه عن القضايا المحلية والسياسات الخارجية الأكثر أهمية؛ لذلك أخذ غورباتشوف وبايدن الخيار الأول.

اقرأ أيضاً: ماذا ينتظر أقلية الهزارة بعد استيلاءطالبانعلى السلطة في أفغانستان؟

وبطبيعة الحال فإن المقارنات التاريخية لا تُظهر بالضرورة ما ستؤول إليه الأمور في الوقت الحاضر. لذلك يطرح كاتز تساؤلات حول ما إذا كان سقوط كابول سيتحول إلى سلسلة من الانهيارات المشابهة لحكومات أخرى شبيهة بما حدث في أوروبا الشرقية بعد انهيار النظام الشيوعي البولندي. يقول كاتز: لا شك في أن الجهاديين حول العالم يأخذون انتصار “طالبان” على محمل الجد ويأملون في تعزيز آفاقهم للقيام بالشيء نفسه في بلدانهم؛ ولكن إذ كان الانسحاب الأمريكي هو ما عجَّل بانتصار “طالبان”، فليس هنالك ما يشير إلى حدوث شيء مشابه في الدول المجاورة لأفغانستان. فروسيا تؤكد رغبتها في الدفاع عن جمهوريات آسيا الوسطى، والصين لن تنسحب من أقيم شينجيانغ، وإيران التي يحكمها الشيعة مستعدة لقمع أية معارضة سُنية داخل حدودها. ومع أن باكستان تدعم “طالبان” أفغانستان، إلا أن جيشها يقاتل بشراسة للسيطرة على “طالبان” باكستان، وغيرها من المجموعات الجهادية المناهضة للحكومة. بالإضافة إلى أن “طالبان” تزعم أنها ترغب في علاقات جيدة مع جيران أفغانستان.

ويختم كاتز مقاله بالإشارة إلى أن انسحاب القوات الأجنبية ربما يؤدي إلى صعود الجهاديين في إفريقيا على سبيل المثال، وإذا انسحب الفرنسيون عام 2022، كما أشار الرئيس ماكرون، فقد لا تتمكن الحكومات الإفريقية الضعيفة من الصمود في وجه الجهاديين. ويقول إن المقارنات التاريخية تفيد في توضيح ما قد يحدث في الحاضر والمستقبل؛ ولكن ليس ما سيحدث بالضرورة.

♦أستاذ السياسات والشؤون الحكومية في جامعة جورج مايسون، وزميل أول غير مقيم في المجلس الأطلسي.

المصدر: ذا ناشيونال إنتريست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة