الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةحواراتشؤون عربية

سقطرى.. جزيرة ساحرة ولغة فريدة في اليمن

أجرى فريق "كيوبوست" مقابلة خاصة مع مدير عام مكتب وزارة الثقافة بمحافظة أرخبيل سقطرى لمعرفة المزيد عن اللغة السقطرية التي يتحدثها سكان الأرخبيل

كيوبوست

تُعتبر جزيرة سقطرى اليمنية واحدة من أندر الجزر على هذا الكوكب؛ حيث توجد بها العديد من الحيوانات والطيور والنباتات التي لا توجد في أي مكان آخر من العالم. هذه الجزيرة الساحرة، التي تُعد أكبر جزر محافظة أرخبيل سقطرى، تستهوي العديد من السياح والمستكشفين والرحالة من أنحاء العالم؛ لخوض مغامرة فريدة في وديانها وسفوح مرتفعاتها الخلابة.

لكن، على الرغم من الاهتمام اللافت للنظر الذي تحظى به جزيرة سقطرى؛ فإنه غالباً ما يكون اهتماماً بطبيعتها، حيث يُعد الأرخبيل أحد مواقع التراث العالمي الطبيعية لدى منظمة اليونسكو، ونادراً ما يُسلط الضوء على الثقافة والآداب السقطرية الفريدة، والتي تميزها اللغة السقطرية.

شاهد: فيديوغراف: سقطرى.. الجزيرة اليمنية العجيبة تفتح أبوابها للسائحين

أجرى فريق “كيوبوست” مقابلة خاصة مع مدير عام مكتب وزارة الثقافة بمحافظة أرخبيل سقطرى، عمر قبلان؛ لمعرفة المزيد عن اللغة السقطرية التي يتحدثها سكان الأرخبيل؛ فرغم ارتباط السكان تاريخياً باليمن -حيث يُتحدث بالعربية طبعاً- فإن سكان سقطرى يتحدثون لغتهم الخاصة التي لا يفهمها سواهم؛ بما في ذلك سكان البر اليمني.

نشأ عمر قبلان في أسرة مهتمة بالثقافة والتراث السقطري، وذات مكانة في المجتمع السقطري. عمل في سلك التربية والتعليم قبل أن يتولى منصب مدير عام مكتب الثقافة بالأرخبيل. يهتم عمر باللغة السقطرية والثقافة والآداب السقطرية، ويسعى بجهوده الشخصية -إضافةً إلى مكانته ومنصبه- إلى بذل ما بوسعه للحفاظ على هذا الإرث الغني.

عمر قبلان مدير عام مكتب وزارة الثقافة بمحافظة سقطرى- اليمن

مؤخراً، شارك عمر قبلان في ورشة تدريبية بالعاصمة المصرية القاهرة حول صون التراث الثقافي غير المادي، والتي نُفذت من قِبل مكتب اليونسكو لدول الخليج واليمن، بالتعاون والتنسيق مع مؤسسة حضرموت للثقافة والمندوبية الدائمة لليمن لدى اليونسكو، ومكتب اليونسكو في القاهرة، بتمويل من قِبل الاتحاد الأوروبي ومؤسسة حضرموت للثقافة.

دراسة سُبل صون اللغة السقطرية كان أحد أهداف عمر؛ لقد حمل همّ الحفاظ على آداب جزيرته وضمان استمرارها، وعاد إلى الجزيرة مفعماً بالأمل والطموح بمستقبل أفضل للغة والآداب السقطرية. 

في حديثه مع “كيوبوست”، تحدث عمر قبلان عن اللغة السقطرية وما يميزها عن اللغة العربية، واللغات المشابهة لها في المنطقة، ومكوناتها، وأهمية الشعر والنثر في الحفاظ على اللغة واستمرارها. كما تطرق إلى المخاطر والتهديدات التي تواجهها اللغة السقطرية، ودور الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني في صون اللغة.

اقرأ أيضاً: الموسيقى التراثية في الدعاية السياسية.. الغناء اليمني نموذجاً

أوضح عمر قبلان أن اللغة ليست في أحسن أحوالها، وأن هناك حاجة مُلحة لصونها؛ فهي ليست مجرد وسيلة تخاطب، بل كنز ثمين لسكان سقطرى، ومعبِّراً لا غنى عنه عن هويتهم وتاريخهم الذي بقي محافظاً على سماته لآلاف السنين.

*ما اللغة السقطرية وما نطاق انتشارها؟

-اللغة السقطرية تعتبر من أقدم اللغات؛ وهي اللغة الرسمية لسكان سقطرى، واللغة التي يتحدثون بها؛ فهي لغة رسمية وتعتبر من أقدم اللغات، بقدم التاريخ.

بالنسبة إلى نطاق انتشارها أو ما اللغات المشابهة لها داخل وخارج اليمن.. بالنسبة إلى داخل اليمن هي اللغة المهرية (محافظة المهرة أقصى شرق اليمن)، وبالنسبة إلى خارج اليمن هي اللغة الظفارية (سكان ظفار الذين هم في عُمان)، هذه اللغات الثلاث منبعها واحد، ولغات متشابهة؛ أغلبها تتشابه في الكلمات، وأقربها إلى اللغة (السقطرية) الظفارية، أقرب من المهرية بالنسبة إلى اللغة السقطرية التي يتحدث بها أصحاب ظفار الذين هم الجبالية في عمان، وتأتي بعد ذلك اللغة المهرية.

بعثة تنقيب عن آثار في جزيرة سقطرى.. 2012- تصوير منير بن وبر

هذه اللغات الثلاث تعتبر من أقدم اللغات العربية السامية؛ تقريباً أقدم من اللغة العربية.

*ما الذي يميز اللغة المهرية عن “العربية” من حيث المفردات والنحو والأدب؟

-ما يميز اللغة السقطرية عن اللغة العربية هو الكلام (المفردات) الذي يتكلمون به. السقاطرة لهم لغة خاصة يتخاطبون بها؛ قد لا يفهمها الذي يعيش خارج سقطرى.

لكن ما هو موجود في اللغة العربية موجود في اللغة السقطرية؛ الشعر موجود، والأدب موجود، والشعر بأنواعه؛ والنثر بأنواعه كافة، وله أوزان وله أصوات، وله أفعال كما هو موجود في اللغة العربية في الآداب وفي البلاغة، وفي الشعر بأنواعه من حيث الوصف.

 لا يوجد هناك ما يميز اللغة العربية عن اللغة السقطرية إلا الكلام فقط (المفردات)؛ أي لا يفهمها سوى سكان سقطرى الأصليين.

فلو نأخذ الشعر السقطري ففيه أوزان، وفيه غزل، وفيه مدح، وفيه رثاء، وفيه هجاء. جميع الصفات التي توجد في الشعر العربي موجودة في الشعر السقطري، وكل ما هو موجود في اللغة العربية من قواعد ونحو وبلاغة. الشعر السقطري بليغ كثيراً، وله متذوقون، ومَن يفهم الشعر السقطري يشعر أنه غزير المعنى، ولا يفهمه إلا شاعر وعميق، وهناك سجال شعري بين الشعراء في جميع النواحي، وهناك إرث ثقافي للغة.

اقرأ أيضاً: شاب يمني يسعى لحفظ وتطوير فن غنائي تقليدي.. تعرف عليه

وما يميز اللغة السقطرية أنها لغة شفهية؛ أي لا تُكتب، ولكن تنطق. وما هو موجود في اللغة العربية موجود في اللغة السقطرية؛ فاللغة العربية تُنطق وتُكتب، ولكن اللغة السقطرية تُنطق ولا تُكتب، أما ما هو موجود في اللغة العربية فموجود في اللغة السقطرية.

 وهناك بعض الأحرف مثل حرف “الشاء” تختلف مخارجه عن مخارج أحرف اللغة العربية؛ إذ له مخرج خاص. فبعض الأحرف لها مخارج (خاصة) وأيضاً تُنطق ولا تُكتب؛ ولكن في القواعد والأمور الأخرى فإن ما هو موجود في اللغة العربية موجود في اللغة السقطرية. 

*كيف تحافظ الفنون والآداب المحلية على اللغة السقطرية؟

-تحافظ الفنون والآداب السقطرية على بقاء واستمرار اللغة؛ لا سيما عن طريق الشعر السقطري.. هناك شعراء سقاطرة يستخدمون كلمات لا نستخدمها نحن في حواراتنا؛ ولكن الشاعر أثناء إلقاء قصيدة لا بد أن يستخدم كلمات لا نستخدمها نحن في الكلام اليومي، وتكون كلمات سقطرية أصيلة؛ فلهذا اللغة والأدب السقطري مهمان جداً في الحفاظ على اللغة السقطرية… أي من خلال ممارسة الشعر السقطري في الأعراس وفي المناسبات وفي الفنون كـ(تعودهن، وهزامهير، وهيدانهه)؛ فالشعر يمارس في هذه الفنون، والنثر أيضاً، وفي المسابقات الشعرية.

صف دراسي في جزيرة سقطرى.. اللغة العربية هي لغة التعليم في الجزيرة- تصوير منير بن وبر

*هل من أمثلة على الفنون والآداب السقطرية؟

-أنواع الفنون والآداب في اللغة السقطرية كثيرة وغنية؛ إنه إرث ثقافي وغني، هناك فنون عديدة ومتنوعة، هناك فن (التعودهن)؛ وهو رقصة شعبية يصاحبها سجالات شعرية بين الشعراء. هناك (هزامهير) وهو عبارة عن مجموعة من الأشخاص -رجال ونساء- لهم أصوات (ألحان وأغانٍ) خاصة. وهناك أشعار وسجالات شعرية بين الشعراء؛ سواء في المدح أو الغزل أو الهجاء أو الرثاء، يقدمون أصواتاً خاصة ونغمات خاصة.

اقرأ أيضاً: كيف نقل الحضارم واليمنيون الموسيقى إلى جنوب شرق آسيا وأوروبا؟

وهناك (الزامل السقطري) و(الهيدانهه)؛ عبارة عن شعراء لهم سجالات شعرية في الكرم والضيافة والأعراس. وهناك شعر سقطري خاص عبارة عن شعراء سقاطرة يقدمون شعراً ونثراً في المناسبات والأعراس، ويحدث سجال بينهم في الجانب السياسي الذي لا يغيب عن الشعر السقطري، وأيضاً الجانب الاجتماعي وغيرهما من جوانب الحياة. إنهم شعراء فطاحلة، ولشعرهم معنى يتذوقه سكان سقطرى الذين يفهمون هذه اللغة.

*ما التهديدات التي تواجه اللغة السقطرية؟

-هناك خوف على هذه اللغة بحكم اختلاط سكان سقطرى بسكان من خارجها؛ خصوصاً في المدن، فبحكم أن المدينة تختلف دائماً عن الريف، فالذين يعيشون في المدن هناك خلط ثقافات بينهم بسبب وجود ناس من خارج سقطرى وعملية البيع والشراء. بعض الكلمات السقطرية صعبة جداً؛ فيصعب على سكان المدن تحدث اللغة، فلازم كلمة عربية وكلمة سقطرية، فلهذا أصبحت اللغة السقطرية في المدينة مهددة -بعض الشيء- بحكم الاختلاط.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة