الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

سعيّد يتجه لتخليص وزارة الداخلية من قبضة “النهضة”

سلسلة تعيينات مدروسة داخل وزارة الداخلية أقرتها حركة النهضة لمساعدتها في إحكام السيطرة على أكثر الأجهزة حيوية

تونس- فاطمة بدري

أجرى الرئيس التونسي قيس سعيّد، 11 تغييراً جديداً داخل وزارة الداخلية، شملت المراكز القيادية المهمة في المؤسسة الأمنية داخل الوزارة؛ وهي تغييرات اتخذها سعيّد بعد أيام من تحذيره من محاولات اختراق هذه الوزارة، وتم تفسيرها بأنها تندرج في إطار محاولات الرئيس تطهير وزارة الداخلية من آثار حركة النهضة التي سعت منذ توليها الحكم سنة 2011 للسيطرة عليها.

وعلى هذا الأساس، قرر الرئيس قيس سعيّد، لدى استقباله بعد ظهر الأربعاء 18 أغسطس، بقصر قرطاج، تعيين سامي الهيشري، مديراً عاماً جديداً للأمن الوطني، وشكري الرياحي آمراً للحرس الوطني، حسب بلاغ لرئاسة الجمهورية.

اقرأ أيضًا: تونس بعد 25 يوليو

وتختص الأسماء الجديدة التي تم تعيينها بالعمل في مكافحة الإرهاب ومقاومة الجريمة، وعملت خلال السنوات الأخيرة في الفرق الخاصة لكشف الخلايا الإرهابية النائمة.

وبعد هذه التعيينات بيومٍ واحد، أعلنت وزارة الداخلية التونسية، الخميس الـ19 من أغسطس، تعيين تسعة مسؤولين أمنيين كبار؛ بينهم مدير عام جديد للمخابرات. وكانت أبرز هذه التعيينات تكليف سامي اليحياوي بالإدارة العامة للمصالح المختصة (تشمل وحدة المخابرات والاستعلامات)، خلفاً للزهر لونغو، الذي تم إعفاؤه من منصبه منذ أسابيع قليلة، ووضع تحت الإقامة الجبرية.

اقرأ أيضًا: نمور من ورق: لماذا أخفق الإسلامويون التونسيون في حشد الشعب؟

ولزهر لونغو هو من القيادات الأمنية التي تثير الانتقادات بشكلٍ دائم منذ سنة 2015؛ بسبب ما يروج حول علاقته بحركة النهضة، واتهامه بأنه يقود الجهاز الموازي للحركة داخل الوزارة، وأن الأخيرة تستخدمه للتجسس على خصومها.

ولدى تعيينه في منصب مدير عام المصالح المختصة، من قِبل رئيس الحكومة السابق، ووزير الداخلية السابق هشام المشيشي، بتحريكٍ من حركة النهضة، أعربت عدة أحزاب سياسية عن رفضها تلك الخطوة؛ حيث وصف أمين عام حركة الشعب زهير المغزاوي، حينها، التعيين بأنه “مخيف، والهدف منه السيطرة على الاستعلامات التونسية”.

لزهر لونغو الأمني المثير للجدل الذي عينه المشيشي بدفع من “النهضة”- (صورة وكالات)

في حين اتهمت النائبة السابقة بالبرلمان عن حزب نداء تونس، فاطمة المسدي، لزهر لونغو، في 2019، بأنه على علاقة بالجهاز السري لحركة النهضة، بعد تكليفه بالإشراف على إدارتَي الاستعلامات ومكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية التونسية.

كما أكدت هيئة الدفاع عن المعارضَين اليساريَّين الراحلَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، أن لونغو محل تتبع قضائي؛ بسبب علاقته بأحد المتهمين في قضايا الاغتيالات السياسية في تونس.

تفاعلات المتظاهرين مع اعتقال ضباط الشرطة متظاهراً خلال احتجاجات مناهضة للحكومة في تونس العاصمة.. يوليو2021- “رويترز”

اختراق الأجهزة الأمنية

ولزهر لونغو ليس العينة الوحيدة التي تبيِّن مساعي حركة النهضة اختراق وزارة الداخلية؛ ففي تحقيقٍ استقصائي أُنجز سنة 2013، تم التوصل إلى معطيات مفادها قيام الحركة بجملةٍ من التغييرات والتحويرات داخل الوزارة، يبدو بعضها للوهلة الأولى أنها عملية تطهير للوزارة؛ ولكنها في الحقيقة لم تكن سوى عملية تنظيم للقيادات الموالية للحركة داخل وزارة الداخلية. وهذا المسار تم خصوصاً في الفترة التي تولَّى فيها القيادي بحركة النهضة علي العريض، رئاسة الحكومة ثم وزارة الداخلية، فبعد سلسلةٍ من التعيينات المدروسة، أصبحت الوزارة تحت تصرف حركة النهضة التي أحكمت سيطرتها على أكثر أجهزتها حيوية.

اقرأ أيضًا: أزمة النموذج التونسي.. وجهة نظر أخرى

ويقول التحقيق الذي أُنجز في 2013 عقب الاغتيالات السياسية التي تمت في تلك السنة، إن حركة التعيينات جاءت تتويجاً لمرحلة كاملة بدأت بدخول علي العريض إلى وزارة الداخلية؛ حيث جمعت “النهضة” بعض الموالين لها في مختلف أجهزة الوزارة، مدعومين بعدة أسماء من خارج المؤسسة تم تعيينهم في ديوان الوزير بالصفة المبهمة “مكلف بمهمة”. هؤلاء العناصر، حسب ذات المصدر، ينسقون بينهم ويرفعون التقارير رأساً إلى المقر الرئيسي لحركة النهضة بالعاصمة تونس، مشكلين بذلك هيكلاً أمنياً غير رسمي ولا ينضوي تحت لواء الوزارة وتراتيبها. ويطلق إطارات وزارة الداخلية على هذا الجهاز الموازي عدداً من الأسماء؛ مثل “المنظومة النهضوية” و”خلية مونبليزير” و”المنظومة الإيرانية”.

بعض هذه العناصر حافظ على موقعه، ومنه ينسِّق العمل مع المنظومة الموازية، والبعض الآخر تمت ترقيته بسرعة لاحتلال مناصب أمنية عليا.

هل سينتصر سعيّد على خطط الغنوشي- (صورة وكالات)

وتجدر الإشارة إلى أن التغييرات التي تم إدخالها على المؤسسة الأمنية، تندرج ضمن سلسلة الإجراءات التي يتخذها الرئيس التونسي قيس سعيّد، منذ إعلانه تفعيل الفصل 80 من الدستور التونسي، في 25 يوليو الماضي.

وشملت الإعفاءات التي أجراها سعيّد حتى الآن، وزراء الداخلية والدفاع والعدل، إلى جانب قياداتٍ أمنية عليا بوزارة الداخلية؛ من بينهم المدير العام لجهاز المخابرات لزهر لونغو، والمدير العام للأمن الوطني، إلى جانب مدير المصالح المختصة بوزارة الداخلية، وكذلك تجميد مهام مدير إقليم الأمن الوطني في تونس.

اقرأ أيضاً: مستقبل الأوضاع في تونس بعد قرارات “سعيد” الاستثنائية

ويسعى سعيّد لإنهاء اختراق حركة النهضة كلَّ أجهزة الدولة؛ خصوصاً وزارات السيادة، وهو ما تترجمه التعيينات التي تستبعد الوجوه المحسوبة على الحركة وتعويضها بأخرى ليس عليها ما يفيد ولاءها للحركة.

يرفض الشارع التونسي حكم حركة النهضة

الناشط والمحلل السياسي عبدالعزيز القطي، يرى أن المرحلة الحالية تشهد محاولات لاسترجاع مؤسسات الدولة من سلطة حركة النهضة. ووزارة الداخلية هي إحدى أبرز هذه المؤسسات التي تحتاج إلى أن تعود كفضاءات عمومية لكل التونسيين، وليست حكراً على حزب بعينه.

عبدالعزيز القطي

ويقول لـ”كيوبوست”: “لقد سعَت حركة النهضة منذ 2011 للسيطرة على وزارات سيادية؛ خصوصاً وزارتَي الداخلية والعدل، وهذا أمر لا أعتقد أنه خافٍ على أحد، وقد نجحت إلى حد كبير في ذلك. اليوم وفي ظلِّ المتغيرات الحاصلة في البلاد، وفي سياق استكمال تصحيح المسار الذي أعلن عنه سعيّد منذ الـ25 من يوليو، وجب العمل بجد لاستعادة هذه الوزارات المهمة من سلطة وسيطرة حركة النهضة، لتكون مؤسسات وطنية لكل التونسيين بعيداً عن استدراج الأحزاب. وأعتقد أنه وفي خضم التعيينات الحاصلة في وزارة الداخلية مؤخراً؛ فإنني أستطيع القول إن الوزارة تتجه للتخلص من سيطرة (النهضة)، وأن حقبة جديدة قوامها الكفاءة وخدمة البلاد والشعب دون تمييز أو انتماءات سياسية بدأت بالظهور”.

وكان الرئيس التونسي قيس سعيّد، قد حذر، في بداية الشهر الجاري، من محاولات المسِّ بوزارة الداخلية أو ضربها من الداخل، خلال زيارة فجائية للوزارة. وقال سعيّد حينها “هناك مَن يريد التسلل إلى مفاصل الدولة، وإلى وزارة الداخلية على وجه الخصوص”. ويبدو أن سعيّد لم يشأ أن يتوقف عند التحذير، ومضى للفعل عبر تنفيذ تغييرات مهمة داخل الوزارة، أراد من خلالها القول لحركة النهضة إن محاولاتها التسلل للوزارة ستقابل بردودٍ “حازمة”، كما أكد ذلك.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة