شؤون دوليةمجتمع

ستيفن هوكنج: حينما ينشغل الناس بالتكفير، ويتجاهلون التفكير!

هوكنج لن يكون آخر ضحايا فتاوى التكفير!

كيو بوست –

مع إعلان وفاة العالم البريطاني ستيفن هوكنج، انشغل المتعصبون بإطلاق الأحكام الدينية والأخلاقية على الباحث الذي أبهر العالم. وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة يبث فيها كل من له عداء مع العلم والإنسانية.

فبعض المسلمين الذين يطلقون فيما بينهم صفة “عالِم” على رجال الدين دون سواهم، أي على أولائك الذين يطلقون لحاهم، ويلبسون العمامة، ويرتدون ثيابًا تاريخية تختلف عن الملابس المعاصرة، من أجل خلق علامة فارقة بينهم وبين البشر العاديين، وليكونوا مميزين عن غيرهم من العامة المدنيين، أو المريدين، بدأوا بتكفير وشيطنة هوكنج بعد وفاته.

وبالطريقة ذاتها، فالعلماء الحقيقيون في التاريخ الإسلامي، وتاريخ الأديان جميعها، الذين قضوا حياتهم في العلوم المادية والنظرية، عوقبوا في عصرهم، إما بتكفيرهم، وإما بحرق كتبهم العلمية، لأن رجال الدين قبل أي أحد، رأوا فيهم منافسين لهم في دنياهم، أو لمخافة قربهم من السلطان، أو أنهم شعروا بأن العلم الحقيقي سينزع سلطتهم الدينية عن الشعب، فأطلقوا عليهم أحكام التكفير، والردة، والهرطقة، من الرازي والخوارزمي والكندي والفارابي والبيروني وابن سينا وابن الهيثم.

والقائمة تطول إلى الجاحظ والمعري وابن طفيل والطوسي وابن بطوطة وابن ماجد وابن خلدون.

اشتغل أولئك العلماء بالعلوم الطبيعية والمادية والإنسانية، ونفتخر اليوم بانجازاتهم العلمية السابقة لوقتها في الطب والفلسفة والفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلم الفلك والهندسة والفقه وعلم الاجتماع والفنون والآداب، ونفتخر اليوم بأنهم شاركونا تاريخًا واحدًا، وتطورت علومهم لتنير عصر النهضة الأوروبية. وربما لا يعلم أغلبنا أنه جرى تكفيرهم من قبل رجال دين مسلمين، وحرقت كتبهم، وأُقيم عليهم في أغلب الأحيان حد الردة.

ومعظم الناس لا يعلمون اليوم بأن العالم العبقري والطبيب الفيلسوف ابن سينا، قال عنه ابن القيم الجوزية في كتابه “إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان”، بأنه: “إمام الملحدين الكافرين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر”!

وقال ابن القيم الجوزية أيضًا عن الطبيب والفيلسوف أبو بكر الرازي في الكتاب ذاته، بأنه “ضال ومضلل”!

كما قال ابن عماد في كتابه “شذرات الذهب”، عن الفيلسوف الفارابي ما نصه: “اتفق العلماء على كفر الفارابي وزندقته”!

ومن المفارقات التي ذكرها ابن عماد في تكفيره للفارابي، بأنه سمى رجال الدين بـ”العلماء”، وفي الوقت ذاته قام بتكفير العالم الحقيقي! وهي الأوصاف ذاتها التي أطلقت على العلماء والشعراء والمفكرين والفلاسفة كافة في الحضارة الإسلامية، حيث كان التكفير والردة أقل ما اتهموا به.

 

الملحد ستيف هوكينج!

كل تلك الفتاوى التكفيرية التي طالت العلماء المسلمين، لم ترسّخ في واقعنا الراهن سوى إرث من الجهل والتخلف، في الوقت الذي قام فيه الغرب بالاعتماد على منتجاتهم العلمية وراكم عليها، بعد أن رفضناها نحن وقمعنا أصحابها، ليدخل العصر الحديث، فيما نحن ما زلنا إلى اليوم نرزح في عصر إطلاق الأحكام، ومنح صكوك الغفران لمن هم أكثر فائدة للإنسانية – العلماء.

والقارىء لتاريخ العلماء المسلمين ومعاناتهم مع رجال الدين المتعصبين، لن يتفاجأ -ربما- بكم الأحكام التي أطلقها رواد مواقع التواصل الاجتماعي على العالم ستيف هوكينج، إذ ركزّوا رؤيتهم على الجانب الديني من حياة الرجل، دون الأخذ بعين الاعتبار بأن هوكينج العالم، كان إنسانيًا قبل أن يصنف على دين بعينه، إذ اتخذ من العلم دينًا وحديًا له، وكرَس له حياته، وأصبح أشهر فيزيائي في العصر الحديث، بعد أينشتاين.

هوكينج الذي شغل العالم بموته، ما بين من يقدّر قيمة ما قدمه للإنسانية، وما بين المتعصبين الذي طمروا جميع إنجازاته في حفرة التصنيف الديني والآخروي، لم يكن له مشكلة شخصية مع فكرة الموت، فعندما أخبره الأطباء بأن موته سيكون محققًا بعد خمس سنوات على أبعد تقدير، قال بكل بساطة: “إن فكرة الموت قريبًا كانت صدمة بالنسبة إليّ، ولكني أذكر صبيًا كان في سرير مجاور لسريري يحتضر لإصابته بسرطان الدم، فأحسست أن هناك من هم في أوضاع أسوأ من وضعي؛ فمرضي على الأقل ليس مؤلمًا”.

يتضح من تلك الكلمات التي نطق بها هوكينج ضآلة فكرة الموات بالنسبة إليه، عند مقارنتها مع صرخة طفل يتألم، فيما المكفرون له من الذين قالوا بأنه ملحد وسيدخل جهنم، لم ينتابهم أي شعور بالرحمة تجاه فكرة موت إنسان. وفي اللحظة التي أعلن فيها عن موته، أهالوا عليه شتائمهم وأحكامهم المتطرفة، بدلًا من أي يهيلوا عليه التراب رحمة له، وكأن إكرام الميت.. تكفيره!

وهي محاولة قديمة حديثة، يستخدمها المتطرفون لإزاحة أي نموذج يستحق أن يكون قدوة لجيل كامل من الشباب، وإحلال بدلًا منه نماذج أخرى، تتقن علم الكلام أكثر مما تتقن علم الفيزياء والكيمياء والطب، ثم إطلاق عليهم صفة العلماء، في محاولة لتدوير التاريخ، وعدم المقدرة على الفصل ما بين هو شخصي “لكم دينكم ولي دين”، وما هو عام “وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”!

هوكينج صاحب المقولة المشهورة: “لا تنظر تحت قدميك؛ بل انظر متطلعًا إلى النجوم”، ربما يكون بطريقة التفكير، وليس بطريقة ممارسة الطقوس الدينية الروتينية التي يمارسها معظمنا دون التفكّر بها، أقرب ما يكون إلى قلب الآية الكريمة: “وسخّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون”.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة